لم يدرك الوطنيون الفلسطينيون مدى أهمية الحال الذي تكون عليه حركة فتح، كما يدركونها اليوم. اليوم تقفز الوطنية الفلسطينية في إطار منظمة التحرير وفصائلها، وكل من شارك في الثورة المسلحة، عن العصبوية الفصائلية التي سادت إبان مرحلة الثورة المسلحة، حتى بات الكل يدرك بأن مصير المنظمة، والمشروع الوطني مرهون بالوضع الذي تكون عليه الحركة الأم.
الواقع الذي تمر فيه وتعاني منه حركة فتح في هذه الفترة، يخلق حالة من القلق الشديد على مستقبل الوضع الفلسطيني رغم كل ما يعتريه من أخطاء وخطايا وما ينطوي عليه من مخاطر، واختلافات، خرجت عن السياق الطبيعي لتتحول إلى انقسامات وصراعات مكلفة.
المشهد الصعب لم يستقر بعد، وكلما اقتربنا أكثر من موعد انعقاد المؤتمر السابع للحركة، كلما ازدادت حالة الاضطراب، التي يبدو أنها تتجه نحو رسم مشهد مأساوي. لست أفهم بالضبط ما قيمة القرار الذي اتخذته المحكمة الدستورية، بتفويض الرئيس محمود عباس لرفع الحصانة عن أعضاء المجلس التشريعي، الأمر الذي أدى إلى توسيع دائرة الاحتجاجات والرفض، وتصعيد الاتهامات من قبل عديد الفصائل، وأعضاء التشريعي والشخصيات العامة.
البعض يحيل الأمر إلى مواصلة الرغبة لقطع الطريق على عضو اللجنة المركزية وعضو المجلس التشريعي المفصول من الحركة محمد دحلان، غير أن قرار الدستورية، ينطوي على أبعاد أوسع لتشمل لاحقاً أعضاء آخرين من نواب الحركة في التشريعي، قبل أن يلحقهم نواب آخرون من الكتل النيابية الأخرى.
إذا كان المقصود قطع الطريق نهائياً على دحلان، فإن ما تم اتخاذه من قرارات بحقه، كاف لتحقيق الهدف، ذلك أن عضويته في التشريعي حتى لو لم يفقد الحصانة، فإن ذلك لا يوفر له الفرصة لتجاوز الآليات المتبعة في البحث عن خليفة للرئيس عباس، بما في ذلك آلية الانتخابات العامة.
بعد سلسلة الإجراءات العقابية التي تم اتخاذها بحق دحلان وأنصاره، من ملاحقة وقطع الرواتب والفصل من الحركة، وتدخل الأجهزة الأمنية العنيف في بلاطة وجنين والأمعري بذريعة أو بهدف ملاحقة من تعتبرهم الأجهزة الأمنية الخارجون عن القانون، بعد كل ذلك يأتي قرار الدستورية، وبلا معنى ليصب المزيد من الزيت على النيران المتقدة أصلاً. يدفع هذا القرار الأمور أكثر فأكثر نحو توسيع دائرة الاضطرابات وردود الفعل، والاحتجاجات وربما يفيد أكثر أنصار دحلان، لاستقطاب المزيد من الكوادر والأعضاء.
لقد خرجت الأوضاع عن دائرة قرار بحق عضو لجنة مركزية، بدا معها الأمر وكأنه شخصياً إلى دائرة أوسع من الصراع في الحركة وعليها، مع إصرار شديد على ألا تتخذ ظاهرة دحلان طابعاً انشقاقياً، وإلا لكان الأمر على خطورته أقل خطراً.
على الجانب الآخر تتواصل ردود الفعل فعدا عن مؤتمرات تعقد في الأمعري، و الخليل وغزة، وبروكسل، ثمة كتلة من نواب فتح في التشريعي عددها الآن خمسة عشر نائباً، هم تقريباً ثلث نواب الحركة في التشريعي، فهل يمكن لمؤتمر وطني ينعقد لينهض بأوضاع الحركة كما يبشر بذلك عضو اللجنة المركزية عباس زكي في ظل هذا الصراع الذي لا يعرف أحد الحدود التي يقف عندها؟
حالة الصراع المتصاعدة في الحركة مع اقتراب موعد انعقاد المؤتمر، لم تقف تداعياتها عند ما يجري داخل الحركة فلقد امتدت إلى الحالة الوطنية عموماً، وإلى العلاقات الفلسطينية العربية حيث العلاقة مع مصر ودول الرباعية العربية في أسوأ مراحلها.
إذا كانت التدخلات الفردية أو الجماعية التي تصدر عن فلسطينيين غير كافية للفت نظر قيادات السلطة وحركة فتح، والمنظمة إلى مدى خطورة الوضع بما سيؤول إليه من سيناريوهات ومؤشرات، فربما كان ما يصدر عن مصادر إسرائيلية، يشير إلى بعض هذه المخاطر المحتملة.
آفي ديختر رئيس لجنة الدفاع والأمن في الكنيست وهو وزير سابق ورئيس سابق لجهاز الأمن الإسرائيلي الداخلي "الشاباك"، يتوقع انهيار السلطة بعد الرئيس محمود عباس، ويؤكد هذا الاستنتاج بحثاً ساهم في إعداده مئة وخمسة عشر باحثاً إسرائيلياً.
يخشى ديختر من أن يؤدي ذلك إلى سيطرة حركة حماس ، وتعظيم شرعيتها، مما سيؤدي إلى دفع قطاعات من حركة فتح لممارسة العمل المسلح. الحل عند آفي ديختر هو أن إسرائيل ستسيطر على مناطق الضفة الغربية مجدداً. الحل الذي يراه ديختر ليس أمراً خيالياً، ولا هو مجرد تحذير فارغ المحتوى، فلقد أقدمت إسرائيل على إعادة احتلال الضفة من خلال حملة السور الواقي عام 2002، إثر اندلاع انتفاضة الأقصى.
الكاتب الإسرائيلي عكيفا الدار الذي لا يستبعد سيناريو انهيار السلطة، لكنه يحمل إسرائيل وحكومة نتنياهو المسؤولية لأنها لم تساعد الرئيس عباس على تحقيق إنجاز، وصعدت من حركة الاستيطان. الدار يحذر الإسرائيليين من أنهم مدينون ببقائهم على قيد الحياة بسبب الجهود التي بذلتها وتبذلها أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية.
التحذيرات إذاً تصدر من كل اتجاه، مما يضع قيادة حركة فتح أمام مسؤولية تاريخية فقد يتجاوز الحكم على ما تتحمله الحركة من الفشل السياسي الذي يتصل ببرنامج ومشروع التسوية إلى المسؤولية عن تدمير كبير يصيب الحركة الوطنية بكل مفرداتها ومؤسساتها ومشروعها الوطني.
لا تكفي التصريحات العامة التي تصدر عن مسؤولين في الحركة قبل المؤتمر، وبعضها يتخذ طابعاً فردياً أو تبشيرياً، لطمأنة الوطنيين الفلسطينيين، الذين يرتبط مصيرهم وأحلامهم بمصير حركة فتح، ولم نسمع حتى الآن أية تحليلات أو تفسيرات واقعية مقنعة بأن المؤتمر السابع سيشكل بداية مرحلة جديدة من النهوض الفتحاوي والوطني العام.
إذا لم يكن مسؤولوا حركة فتح ملزمون بأن يقدموا شرحاً ذات معنى للوطنيين الفلسطينيين، فإنهم على الأقل ملزمون بأن يقدموا لمناضلي الحركة ما يفتح أمامهم الأمل بالمستقبل. لا يزال هناك متسع من الوقت على محدوديته للمعالجة، لكن ما يصدر من قرارات، وأفعال يشير إلى قدر من القناعة الراسخة التي تصل إلى حد العناد من أن ما تعيشه حركة فتح، يذهب في الاتجاه الصحيح، فإن كان الأمر كذلك، فليس لدينا سوى الصلاة والدعاء من أن يحمينا الله ويحمي شعبنا وحركة فتح والحركة الوطنية مما تحمله قادم الأيام والأسابيع.

