ببالغ الحزن والأسى يعاود وفد السلطة زيارته المرتقبة الى دمشق، مرات ومرات يصل الوفد ويعود أدراجه ، فلا العصابات المسلحة تستجيب له ولا أكناف بيت المقدس تعطيه أذان صاغية ، يذهب تعبه لمجرد تفاهمات لا أكثر ولاأقل، مع القيادة السورية يمسحها بجرة قلم رئيس السلطة الفلسطينية، الذي حاول أن ينأى بنفسه وكأن أبناء شعبنا من الفلسطينيين في اليرموك ليسوا من أبناء جلدته لكثرة ما غير وبدل بها.
وها هو الوفد يحتار في أمره هذه المرة من أين يدخل للمخيم، أي من البوابات ستقوده الى منطقة آمنة هذا إن بقي ثمة مناطق تقف على قدميها هناك وهذا إن بقي ثمة أرواح تحاول النجاة من طوق الموت المحكم من قبل داعش وعائلتها الممتدة وأكناف بيت المقدس ، الطريق الذي حاولت القيادة الفلسطينية أن تنأى على سلوكه عندما كانت الطريق ما زالت ممهدة للدفاع عن المخيم بات اليوم صعب ووعر وفيه مطبات ملغومة بفضل عناصر الهندسة للأكناف الذين فقدوا بوصلة فلسطين من رمال سيناء الى زواريب المخيم ، والوفد الفلسطيني القادم من تحت نير الإحتلال بات قاب قوسين أو أدنى من أن يترجى ثلل من الفصائل المتقاتلة من العصابات على أزقة وحارات مخيم لم يبقى منه تقريباً سوى الإسم، متناسياً الوفد أن يسأل بداية عن أي مخيم يدور الحديث، ماذا بقي من مخيم اليرموك عاصمة اللجوء الفلسطيني، وبات الوقت متأخراً للندم فقد عضت كل الأصابع وأدمى القتل الممنهج للمخيم أهله وبات مؤلم الى حد الموت الى حد لم يعد بمقدور الوفد القادم أن يقوى على مفاوضة أحد ولا التفاهم مع أحد فقد سبق الموت أهل المخيم وضرب بوجودهم أدراج نأي القيادة التي ماتت مبادراتها في الأرض وعلى الطريق الضيق الذي سلكته من بداية الأزمة لدرجة إنه يقال أن وفد السلطة ينأى عن التنسيق مع اخوته بالدم والقضية الفصائل الفلسطينية المدافعة عن المخيم حتى رمقها الأخير، فماذا ينتظر بعد الوفد القادم ؟ هل سيكون بمقدوره أن يعيد من تشردوا الى دورهم؟ وهل سيكون بمقدوره أن يجد طريقة ما عبر وساطات خليجية في الضغط على العصابات المسعورة في المخيم بالإنسحاب والسماح لفرق الإغاثة بالدخول لمن يموتون جوعاً وخوفاً؟ كثيرة هي الأسئلة وأكثر منها إيلاماً والحاحاً هو السؤال المنتظر متى ستصحو السلطة من سباتها الشتوي والصيفي لتعلم إنها طالما تتعامل بعقلية السلطة وتنسى إنها أيضاً تمثل شعباً يرزخ تحت الإحتلال وبات يرزخ تحت احتلالات متعددة من التطرف والإرهاب في مخيمات اللجوء في سوريا ولبنان و ليبيا والحبل على الجرار، لطالما بقيت كذلك فليس عليها ملامة من أن تبقى تمني النفس بأجمل صور الخيال حول مصير القضية وشعبنا المقاوم ، لكن في نفس الوقت عندما تصحو على أخبار القتل والتهجير والتصفية للمخيم والتواجد الفلسطيني حيثما وجد الرجاء منهم أن لا يمنون علينا ببيانات النعي والاستنكار والإستهجان للمجازر والذي تقع، بل عليهم أن يوفروا عناء السفر ومشقات الطريق التي لم يعد هناك أمل كبير بوجودها سيصبح الوقت متأخر جداً في الوصول الى حيث لم يبقى من المخيم شيء يذكر سوى بعض العواطف التي ستسكب في خزان الذاكرة الفلسطينية .لم يكن هناك ثمة من بعد نظر لدى القيادة الفلسطينية في التعامل مع ملف المخيم بذكاء وجدية أكثر مما أقدمت عليه؟ أم أن الاصطفافات المحلية والإقليمية هي من دفعت بالنأي عن القتال والدفاع المستميت عن المخيم في وجه الإرهاب القادم من الخليج وغيره كي يبيد وبضربة قاضية من أحلام تمسك بها أهل المخيم ودافعوا عن وجودهم. على القيادة الفلسطينية أن تسرع بترتيب البيت الفلسطيني واعادة الوحدة الوطنية من أدراج المكاتب الى أرض الواقع لم يعد هناك من متسع لمزيد من الهجرات واللجوء لقد ضاق صدر الفلسطيني ذرعاً بكل من حوله، لهول ما باق به العربي الغريب والأخ الصديق القريب، وبوابات المخيم باتت مشرعة للريح تصفر بين أزقته فيما تبقى فيه من نبض ربما لن يلحق الوفد القادم سماعه ولو عن بعد.

