Menu

إضراب الأسرى: هل ستتجاوز القوى السياسية الفلسطينية مصيدة الفكر اليومي!؟

نصّار إبراهيم

لقد حذرنا المفكر الشيوعي اللبناني المبدع الشهيد مهدي عامل في كتابه "نقد الفكر اليومي"من خطورة إدارة السياسة والصراعات السياسية والاجتماعية بمنطق الفكر اليومي، أي الفكر المبني على الحدث اللحظي، لأن ذلك معناه فقدان منصة ارتكاز راسخة للفعل السياسي، واستبدالها بسياسة هشة ورخوة بما يشوه الوعي الشعبي والاجتماعي ويفقد الحزب السياسي القدرة على رؤية حركة التناقضات وإدارتها بطريقة خلاقة وإبداعية.
 اليوم ينهي آلاف الأسرى الفلسطينيون يومهم الثالث عشر في إضراب الكرامة والتحدي... ويتهيأون ليوم جديد، لأيام جديدة، الآن تتخطى أجساد الأسرى المعقول، وتذهب إلى مستوى الشهادة، الآن تصبح كل لحظة لها معنى وقيمة تعادل حياة... 
 هذه المواجهة والمقاومة المفتوحة ليست نبتا عبثيا، كما ليست مجرد حركة مطلبية لتحسين حياة الاعتقال، قد تبدو كذلك، أو لنقل أن مدخلها هو ذلك.. لكنها في الجوهر والأصل، من حيث البداية والسياقات، هي حلقة باسلة في سلسة التاريخ الفلسطيني المقاوم... فكل يوم يسقط في فلسطين ومن أجلها الشهداء والجرحى والأسرى... رجال ونساء وشباب وأطفال بعضهم بعمر الزيتون وبعضهم بعمر الورد وبعضهم بعمر الياسمين... يسقطون على مساحة الوطن كلها... يصعدون منذ بدايات القرن الماضي... مئات الآلاف من الشهداء والجرحى والأسرى (فلسطينيين وعرب وأمميين)...
 وأنا أتذكر كل هذه التضحيات وأتخيلها انبثق في عقلي سؤال مُلِح: ما هي الأهداف الكبرى التي قدم الشعب الفلسطيني كل هذه التضحيات من أجلها؟ بمعنى ما هي الأهداف الوطنية الإستراتيجية الثابتة...أين أصبحت... وكيف نحميها؟.
 الهدف من طرح هذا السؤال هو: هل يا ترى يحق لأي قائد أو تنظيم أو حزب سياسي فلسطيني أن يساوم أو يتخلى عن تلك الأهداف أو بعضها؟.
 قد يبدو للبعض أن هذا السؤال خارج السياق وليس له أي علاقة بما يخوضه الأسرى من مواجهة بطولية مع منظومات الاحتلال الإسرائيلي، لكنه بالنسبة لي سؤال وطني سياسي وإجتماعي وأخلاقي ومعنوي حاسم بكل المعايير والمقاييس.
ذلك لأن البعض يهبط بما يجري ليصبح مجرد حركة احتجاج  من قبل الأسرى على ظروف اعتقالهم... لهذا يتم التعامل مع إضراب الأسرى وكأن ليس له علاقة بالسياسة والخيارات السياسية الفلسطينية، وكأن ليس له علاقة بالخيارات واستراتيجيات المقاومة، هذا يعني أن سقف ما يمكن أن تتمخض عنه هذه المجابهة الضارية هو بعض التحسينات على حياة الأسرى... لا أكثر.
الاحتلال الإسرائيلي، بالمناسبة، لا ينظر للمسألة هكذا أبدا، فهو  يعرف جيدا ويدرك عميقا أن لا مشكلة في التحسين النسبي لحياة الأسرى، لكنه لا يقوم بذلك ليس غباء، بل لأنه يرى في تلك المجابهة حركة سياسية ومقاومة وطنية، المسألة ليست مجرد وجبة طعام أفضل قليلا أو رعاية صحية أفضل نسبيا، أو زيادة عدد دقائق الزيارة، المسألة في العقل الاستراتيجي للإحتلال الإسرائيلي هي الخوف من أن يعيد الأسرى بمقاومتهم وقوة شكيمتهم وبأسهم التذكير ببديهيات الصراع، أن يعيدوا كنس ثقافة المساومات الهابطة، أن يعيدوا إحياء خيار المقاومة كخيار شعبي استراتيجي شامل.. المشكلة عند الاحتلال أنه يرى في هذه الحركة نوعا من رد واع قد توقظ العقل الفلسطيني المنقسم سياسيا على جلد الدب قبل صيده من غيبوبته، المشكلة أو الخطورة عند الاحتلال أن معركة الحرية والكرامة التي يخوضها الأسرى يمكن أن تعيد بناء الوعي بأن هناك طريقا آخر لانتزاع الحقوق غير الرهانات الفاشلة المتواصلة منذ أكثر من عشرين عاما، ومع ذلك فإن كل ما وصلت إليه هو ما نحن فيه من يأس وإحباط والتباس .. فيما إسرائيل تواصل فرض حقائقها في الميدان.
المشكلة عند الاحتلال الإسرائيلي أنه يتخوف أن تعيد  مقاومة الأسرى الجماعية طرح سؤال يشكل ضربة عميقة في قلب الاستراتيجيا الصهيونية التي نجحت في الترويج بأن الأفق بات مغلقا أمام الشعب الفلسطيني، فلا مجال لتغيير موازين القوى.. وأن كل ما هو متاح هو الجلوس فقط على طاولة التفاوض وفق شروط علاقات القوة التي يمسك الاحتلال بزمامها.
 لهذا فإن أكثر ما يخشاه الاحتلال هو أن يشكل إضراب الأسرى حالة نهوض وطني تؤدي إلى إعادة التفكير بأن هناك خيار آخر اكثر فاعلية وجدوى، فإذا كان بضعة آلاف من الأسرى بمقدورهم وهم في معتقلاتهم هزيمة الأحتلال وسياساته.. إذن لماذا لا يمكن أن تصبح هذه هي الاستراتيجية في العمل السياسي الفلسطيني!؟.
 أكثر من ذلك... إن مقاومة الأسرى الفلسطينيين بأجسادهم وجوعهم يدفع بالنقاش إلى مستوى آخر أكثر أهمية وخطورة، وهو أن نضالات ومعاناة الأسرى الفلسطينيين وأسرهم ومئات آلاف الشهداء تعيد التذكير والتكثيف بثوابت الحقوق الوطنية الفلسطينية التي ناضلوا وضحوا من أجلها، وبالتالي ليس من حق أحد مهما كان الاعتقاد بانه يملك حق اعتماد خيارات تمس تلك الأهداف الكبرى، هذا يعني أن أي خيار أو ممارسة سياسية، بما في ذلك خيار التفاوض في مرحلة ما، يجب وبالضرورة ان تستند لثلاث ركائز حاسمة: تضحيات الشعب الفلسطيني؛ المقاومة كحق وخيار إستراتيجي ثابت ما دام الاحتلال قائما؛ وثالثا: حماية حقوق الشعب الفلسطين الثابتة بثبات وجود هذا الشعب بتضحياته ومقاومته... 
 هذا يعني أن ليس هناك من هو مطلق اليدين في تغيير الاستراتيجية والثوابت الفلسطينية بناء على موازين قوى داخلية أو خارجية مؤقتة... هذه الإشكالية تشكل اليوم إحدى أعقد معضلات الحركة الوطنية الفلسطينية... ولكن أين وكيف بدأت هذه المعضلة أو التناقض العميق؟.
 لقد بدأ هذه المأزق وتعمق حين جرت الإزاحة النوعية في الممارسة السياسية والثقافية الفلسطينية من مفهوم حركة التحرر الوطني إلى مفهوم "التفاوض من أجل السلام" كخيار وحيد. والمعضلةهنا تتعلق بجانبين:
الأول: تحديد  "السلام" كهدف وطني فلسطيني، في حين أن مهمة التحررالوطني وإنهاء الأحتلال هي الهدف الستراتيجي الوطني في هذه المرحلة، بمعنى أن التحرر الوطني هو المدخل للسلام، وليس العكس، إذ من غير المنطقي والعلمي الحديث عن السلام مع شعب تحت الاحتلال؛
 الثاني: جعل المفاوضات في حالة تناقض مع شروط ومتطلبات حركة التحرر الوطني، بمعنى أنها تقوم بضبط إيقاع حركة الشعب الفلسطيني ومقاومته تحت سقف متطلبات عملية التفاوض، أي بالضبط كجعل عملية البناء الاجتماعي وتلبية حقوق الناس وكأنها في تناقض مع التحرر الوطني، كلا المقاربتين خاطئتين.
 ذلك لأن أي خيار تكتيكي يجب أن يكون في خدمة الأهداف الأستراتيجية وليس العكس، بمعنى أن خيار التفاوض في لحظة معينة يجب ان يبقى تابعا لخيار التحرر الوطني، ويخدم استراتيجية المقاومة... بالضبط كما عملية البناء الاجتماعي يجب أن تكون في خدمة استراتيجية التحرر الوطني وليست بديلا لها أو متناقضة معها. 
 الاختلال في هذه المعادلة هو الذي قاد إلا حالة الانحباس والاختلال السياسي في الواقع الفلسطيني، بمعنى أنه حين تم تبني خيار التفاوض تحت يافطة "السلام" بمعزل عن ربطها بشروط ومهام واستراتيجية التحرر الوطني، تحولت العملية بمجملها إلى عملية مساومات وتنازلات قبل إنجاز التحرر الوطني... بهذا انزاحت الإستراتيجية من مستوى أهداف التحرر الوطني بكل اشتراطاته، إلى استراتيجية عنوانها عملية السلام... بما يعنيه ذلك من خضوع لموازين القوى وضغوط القوى الراعية لهذه العملية. 
 كان القبول بهذه المعادلة هو بداية الإنقلاب الدراماتيكي في الممارسة السياسية الفلسطينية... وهو ما شكل البيئة لولادة منظومة كاملة من المفاهيم التي تستهدف تطويع الواقع وتدوير الزوايا بعيدا عن حقيقة الصراع الفلسطيني – الصهيوني... فظهرت مفاهيم: السلام، مفاوضات السلام، المرحلة الانتقالية، تحسين حياة السكان الفلسطينيين، التنسيق الأمني، حل النزاع، العقلانية، البراغماتية، التطبيع، التعايش، الحلول الخلاقة، تبادل الأراضي، تبادل السكان، تسهيل حركة المواطنين، وغيرها الكثير من المفاهيم السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية.
 لقد مثلت هذه الإزاحة انقلابا جذريا في الممارسة السياسية والوعي الفلسطيني، فبدلا من أن يكون السلام هو التتويج لعملية التحرر الوطني... اصبحت عملية السلام هي الهدف بذاتها، وبالتالي على الطرف الضعيف أن يعيد تدوير أهدافه بما يلاقي شروط عملية السلام كما تحددها وتفرضها موازين القوى القائمة.
 هكذا بدأت الدينامية وتعمقت بصورة متواصلة إلى أن ضاعت التخوم والفواصل والثوابت، فأصبح كل شئ هلاميا ومائعا لا شكل له... من السياسة إلى الثقافة إلى الخطاب والسلوك اليومي... 
 الأهداف الإستراتيجية، كما أعرف، تتسم بالثبات... نعم قد تتغير وتتحرك أساليب تحقيقها... لكن الأهداف بذاتها وجوهرها تبقى ثابتة... ذلك لأنها ليست ملكا لجيل بعينه في مرحلة تاريخية بعينها... كما لا يحددها تنظيم سياسي معين بناء على تقديراته وقوته في لحظة معينة... فالأهداف الإستراتيجية هي تلك الأهداف التي تعبر عن حقوق الشعب التاريخية الممتدة في الزمان والمكان... هي حقوق كل الأجيال.
 وعليه فإن حق أول شهيد سقط وهو يناضل من أجل تلك الأهداف الإستراتيجية يعادل حق آخر شهيد... أو أي شهيد لم يسقط بعد كما أن من حق أي أسير فلسطيني أن يقول ليس من أجل هذا أنا هنا وراء القضبان.

هذه الحقيقة لا تتناقض ولا تتعارض بطبيعة الحال (كي لا أتَّهم بالجمود) مع ما يتطلبه التكتيك والمتغيرات وموازين القوى من مرونة في التطبيق والممارسة... كما لا تتناقض مع المرحلية التي قد يتطلبها تحقيق تلك الأهداف الإستراتيجية... ولكن بشرط أن تبقى الحقوق الإستراتيجية ثابتة... وفي حال حصل أي تناقض فإنه يجب يُحَل لصالح الحفاظ على الأهداف الإستراتيجية.
هذه الأسئلة وما تثيره من نقاش ليس من باب الترف أو المشاكسة... بل تستحق التفكير... وتستحق الوقوف أمامها بجدية لأنها تقع في قلب معادلات الصراع والعملية الوطنية التحررية التي يخوضها الشعب الفلسطيني بلا هوادة. 
هذه الأسئلة هي بالضبط ما يخشاه الإسرائيلي اليوم من تداعيات إضراب آلاف الأسرى الفلسطينييين الشجعان... فيحاول قطع الطريق عليها... إنه يخشى أن تتحول الحركة إلى ولادة جديدة للوعي الفلسطيني بما يضرب في العمق كل ما حققه من إنجازات ومن تشويه للواقع والوعي. 
لهذا نلاحظ أن الاحتلال يقود المواجهة مع الإسرى بصبر ودقة.. لكنه لا يغامر... فأكثر ما يقلقه هو أن يسقط الآن شهداء من بين الأسرى، الأمر الذي سيشعل حقل الشعب الفلسطيني كله... فيسقط الشهداء وراء القضبات وخارجها وهكذا تنفلت المعادلات... فيعود الصراع لخط البداية... 
ولهذا كله تأخذ مقاومة الأسرى اليوم معنى إعادة بناء الوعي وإعادة والاستراتيجية الوطنية... فهل تعي القوى السياسية الفلسطينية والحركة الشعبية المتضامنة مع أسرانا هذه المهمة الكبرى فتهئ لها شروط الانتصار!؟.