Menu

هي أم المعارك

طلال عوكل

يُخطئ من يعتقد أن ما يجري في المسجد الأقصى ومحيطه على أنه ذريعة يهرب إليها بنيامين نتنياهو من ملف الفساد، الذي نشطت الأجهزة القضائية مؤخراً في ملاحقته على خلفية ملف صفقة الغواصات الألمانية. فتح معركة السيادة على القدس والمسجد الأقصى، تحظى بموافقة الحكومة، وقد يكون كهدف ثانوي، قد وفر الفرصة لنتنياهو، لكي يهرب مؤقتاً من أزمته غير أن ما يجري لا يخرج عن سياق عام وسياسة منهاجية اتبعتها اسرائيل منذ كثير من الوقت، وتستهدف مرحلياً فرض التقسيم المكاني والزماني على المسجد الأقصى في طريق الاستيلاء عليه بالكامل.

معركة المسجد الأقصى الدائرة رحاها اليوم، هي معركة ملف القدس بكل ما ينطوي عليه من حقوق، وهي ليست بالتالي معركة هامشية بتداعياتها واستخداماتها. لا يمكن أن تكون الحكومة الإسرائيلية قد أقدمت على فتح هذه المعركة بدون دراسة معمقة لكل ردود الفعل المُحتملة، وهي تعرف المكانة التي يحظى بها المسجد الأقصى بالنسبة للفلسطينيين والعرب والمسلمين. المعركة ليست أبداً سهلة، ومن غير الحكمة أن يبقى الأمل بإنقاذ المسجد الأقصى بالاعتماد على أهل القدس فقط، والفلسطينيين من الأراضي المحتلة عام 1948.

معركة شاملة تفتح على صراع شامل مديد، يحتاج من الفلسطينيين أولاً، وقبل غيرهم أن يخوضوا غمارها بكل ما لديهم من إمكانيات وفي إطار وطني عام. لا يمكن الارتكان أيضاً على السياسات والمواقف التي تتخذها الدول العربية، أو منظمة التعاون الإسلامي، بدون أن يكون الفلسطينيون قد قرروا خوض المعركة بصورة موحدة.

خوض المعركة بصورة شاملة وموحدة، يحتاج إلى تغييرات عميقة في الحالة الفلسطينية، التي تعاني من الانقسام، والصراع الذي في حال استمراره، يجعل الفصائل تركض وراء الجماهير التي تتقدم الصفوف وتفرز قياداتها الوطنية من خلال الميدان. إن العامل الأهم في حشد كل طاقات الشعب الفلسطيني داخل وخارج الأراضي المحتلة، هو تحقيق الوحدة الوطنية، التي يتشدف الجميع بالتزام السعي إليها، بدون أن يتحقق شيء. الخطابات التي صدرت عن الطرفين فتح وحماس بهذا الخصوص لم تخرج من دائرة الخطابات والمواقف السابقة، والكل يلقي باللائمة على الآخر في رحلة البحث عن أصل القضية "البيضة أم الدجاجة".

لن تفيد كل التبريرات التي تسعى إلى تبرئة الذمة الخاصة بهذا الفصيل أو ذاك بعد أن تكون القدس وأقصاها، قد خسرت الكثير. وبصراحة شديدة، إن لم تكن القدس، قد فرضت على أطراف الانقسام مغادرة عنادهم فإن أي قضية أخرى لن يكون بمقدورها تغيير الحسابات والأجندات الفصائلية. ما لا يدركه البعض أن معركة المسجد الأقصى، هي البوابة التي تنقل الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي إلى ساحات الصراع المفتوح، وأن التاريخ لن يرحم من يتخلف عن القيام بدوره في الإطار الوطني، والوحدة، التي تشكل العامل الأهم في تعزيز حالة الصمود والتصدي للإرهاب الإسرائيلي، الذي يزداد شراسة، تحميه مظلة أمريكية، توفر له كل أسباب الدعم والحماية.