نعوم تشومسكي المفكر وعالم اللسانيات المشهور، هو أحد أكثر من شغلوا الناس طوال الثلث الأخير من القرن العشرين، وصولاً إلى القرن الحالي، ليس في بلاده أمريكا؛ بل في العالم كله. هو عالم وأكاديمي ينتقد الصهيونية والكيان، الذي يعده منشقاً، ويهودياً كارهاً لنفسه، حتى أنه مُنع من الدخول إلى الضفة الغربية المحتلة قبل بضعة أعوام لإلقاء محاضرة في جامعة بير زيت. تشومسكي شخّص استراتيجيات التضليل العشر، التي تهدف الأوساط الحاكمة الأمريكية إلى تسيّدها من خلال وسائل الإعلام. جاء ذلك في مقالة حديثة له في إحدى الصحف الأمريكية، نشرت ترجمتها العديد من الصحف العربية. قارئ المقالة يلاحظ بلا أدنى شك انطباق هذه النقاط على الإعلام الصهيوني. يأتي ذلك في الوقت الذي صدر فيه كتاب جديد للمؤرخ اليهودي المشهور إيلان بابيه بعنوان «عشر خرافات عن «إسرائيل». بابيه هو من المكروهين صهيونياً و«إسرائيلياً» وهو يُحارَب أيضاً في الكيان، سبق له أن نشر كتاباً مهماً بعنوان «التطهير العرقي للفلسطينيين»، الذي رفضت دور النشر الصهيونية طباعته سواء في الخارج أو في الكيان، وقام بنشره بالإنجليزية في دار نشر بريطانية.
بالطبع، في عصرنا الحالي، فإن وسائل الإعلام قادرة على تشكيل رأي عام حول فكرة أو ظاهرة عادلة، لتقلبها عكساً؛ حيث تصبح ظاهرة إجرامية بشكل عام أو يجري التشكيك بها في أقلّ الحالات! فمثلاً ظاهرة مقاومة الاستعمار والاحتلال، عملت الآلة الإعلامية الغربية والصهيونية للترويج لها باعتبارها «إرهاباً»! أما استراتيجيات التضليل وفقاً لتشومسكي فهي: استراتيجية تشتيت الذهن (الإرباك/ الحيرة أو الإلهاء) باعتبارها أهم آلية للسيطرة على المجتمع، وحرف التفكير عن حدث إلى قضية أخرى. استراتيجية خلق المشاكل ثم طرح الحلول الموائمة للهيئات الحاكمة، لتعبيد الطريق أمامها لتصبح مقبولة. استراتيجية التدرج في الهدف؛ حيث يجري الحد من دور الحكومات لصالح الخصخصة، وهي الطريقة التي استعملت لفرض «النيوليبرالية» خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي. استراتيجية المماطلة والتأجيل، من أجل تقبل المجتمعات لخطوات ستطبق لاحقاً، ويجرى تصويرها بأنها قد تكون قاسية ومؤلمة. التعامل مع الشعب وكأنه طفل قليل النضوج!؛ حيث يجري الترويج لمواقف تخترع لها مفردات خاصة، ثم إشعال جدال مجتمعي ركيك حولها؛ حيث لا يتم نقد الخطوة بطريقة علمية. اللعب على العواطف. إبقاء المجتمع مغيباً وترسيخ الانطباع لديه بمحدودية قدراته. تشجيع العامة على الرضوخ والقبول بالأمر الواقع. إلقاء اللوم على الذات؛ حيث يقبل الناس لوم أنفسهم. خلق شعور عام بأن السلطة تفهم الفرد أكثر مما هو يفهم نفسه.
أما أولى خرافات بابيه، فهي: أن « فلسطين كانت أرضاً بلا شعب»؛ إذ يؤكد المؤلف في الفصل الأول، أن الفضاء الجيوسياسي الذي يطلق عليه اليوم فلسطين هو بلد معترف به منذ العصر الروماني، مضيفاً أنه منذ القرن السابع فصاعداً، كان تاريخ فلسطين يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعالمين العربي والإسلامي. الخرافة الثانية تكمل الأولى، ف«أرض فلسطين التي هي بلا شعب «تحتاج حتماً إلى» شعبٍ يهودي وهو الشعب الوحيد في العالم الذي لا أرض له». يعالج الكاتب سؤالاً يبني عليه، أن اليهود الذين وصلوا فلسطين عام 1882 هم أحفاد أولئك الذين طردهم الرومان منها عام 70 للميلاد، لكن المؤلف يدحض ذلك قائلاً: إن ما قبل عهد الصهيونية كانت الرابطة بين المجتمعات اليهودية في العالم -بما فيه فلسطين- علاقة روحية ودينية وليست سياسية.
الخرافة الثالثة، تتناول تعدد مواقف اليهود تجاه الصهيونية، ويتطرق للخداع الذي مارسته هذه الحركة إن بتحوير الديانة اليهودية لأسباب استعمارية أولاً واستراتيجية لاحقاً، أو خداعها لليهود أنفسهم بالأساطير التضليلية التي اخترعتها. الخرافة الرابعة، تدّعي الحركة الصهيونية أنها «حركة تحرر وطني لليهود» وليست «حركة استعمارية»!، لكن المؤلف يبين الحقيقة الاستعمارية للحركة الصهيونية، يشبهها بالمشروع الاستعماري الذي جرى في جنوب إفريقيا وأستراليا والولايات المتحدة ضد السكان الأصليين.
الخرافة الخامسة، تدّعي الحركة الصهيونية أن «الفلسطينيين غادروا وطنهم وأرضهم طوعاً»، يدحض المؤلف هذا الافتراء. الخرافة السادسة، يؤكد بابيه أن الاستيلاء على الضفة الغربية وقطاع غزة يمثل إنجازاً واستكمالاً للعمل الذي بدأ في عام 1948. الخرافة السابعة، ينقلنا المؤلف إلى الأساطير الصهيونية في الحاضر، وخرافة أن «إسرائيل» هي «الديمقراطية الوحيدة» في الشرق الأوسط، ويكذب هذه المقولة الثامنة؛ حيث تستعرض ما سماه محقاً ب«أساطير أوسلو». التاسعة تتطرق إلى «الأكاذيب حول غزة» يتناول الفصل العاشر، ما يراه المؤلف حلّاً خرافياً يجري الترويج له من آلة الدعاية الصهيونية، وهو أن «حل الدولتين» هو الطريق الوحيد للمضي إلى الأمام. يشبّه الكاتب هذا الحل بجثة ترقد في المشرحة، وبين الحين والآخر يجري إخراجها وتزيينها وتقديمها على أنها شيء حي، ثم عندما يكتشف الجميع زيف ذلك يعاد إدخالها إلى المشرحة لتعاد الكرة.

