Menu

في الذكرى السادسة عشر لرحيل القائد أبو علي مصطفى

طلال عوكل

في الذكرى السنوية السادسة لاستشهاد ابو علي مصطفى (47)

فليعذرنا الشهداء، القادة منهم، الذين حفروا في وعينا لهم مكانة وأولئك الذي لا ننساهم رغم أننا لا نحفظ أسمائهم لأنهم أكثر من أن تستوعبهم الذاكرات المتعبة من هول المقارنات.

فليعذرنا الشهداء من ضعف قدراتنا اللغوية، بعد أن أرهقتها وبدلتها خطابات ولغة الاتهامات والتخوين والتكفير والشكوى، فلم يعد فينا محمود درويش، أو سميح القاسم، أو اميل حبيبي أو غسان كنفاني، حتى يقوموا بواجب العزاء والوفاء بلغة غير مسمومة فهم أيضاً يحتاجون من يرثيهم بما يستحقون وبلغة تليق بقاماتهم. الذكرى السادسة عشرة لرحيل القائد الوطني الجبهاوي أبو علي مصطفى ، تصر على أن تطرح علينا الأمر في صورة مقارنات بين أولئك المؤسسين، الكبار الذين رحلوا مبكراً، قبل أن تتحقق أحلامهم. لكأن استشهاد أبو علي مصطفى كان بداية مرحلة جديدة تتطلب عناوين ورموز جديدة مختلفة عما سبق. هي مرحلة الصغار، الذين ما فقدوا البوصلة نحو فلسطين لكنهم فقدوا الطريق والخارطة، وغرقوا في صراع البحث عن مزايا سلطات هشة. أجزم أن أبو علي مصطفى كان يعرف المصير الذي سيلقاه حين يعود إلى أرض الوطن في ظل وجود وسيطرة الاحتلال. أجزم أنه كان يعرف، لكن كان مصمم على ان يكون بين شعبه حتى لو لم تتح له الفرصة الكافية للعودة إلى منشأ طفولته وذكرياته الأولى في عرابة. من يعرفه كان يعرف بأنه من النوع الذي لا يمكن له بحكم طبيعته وجوهره، أن يتكيف مع طبيعة المرحلة التي تحكمها وتحدد ملامحها اتفاقية أوسلو. كان مصراً على أن يعبر النهر إلى الضفة الأخرى، بدون أن يقابل أي إسرائيلي والإصرار ذاته حين عبر من الضفة إلى غزة، رغم وجود الجنود وأجهزة الأمن الإسرائيلية. كان يعرف أن لا مكان لأمثاله بقناعاته وإرادته، وثوريته، على ارض يستبيحها الاحتلال ويفرض جبروته على خلاياها. كان بإمكانه أن يبقى في دمشق حيث بقي العدد الأكبر من أعضاء المكتب السياسي للجبهة، وبدون أن يتعرض لنقد، لكنه أصر على أن يعود إلى منبته وأصل نشأته وأن يمارس من هناك دور القيادة كتتويج لطفولة لم يكن يحظى خلالها، بمتع الطفولة، وألعاب الأطفال. أبو علي مصطفى لم يكن مثل أولئك النفر الذي يعتد بنفسه حتى لا يرى إمكانية لغيره أن يواصل دوره، فلقد آمن بتتابع الأجيال، لكنه كان يدرك أن رحيله هو مؤشر على نهاية مرحلة، وبأن من يقفون على مستوى قامته إما رحلوا قبله أو أنهم سيرحلون تباعاً وخلال فترة قصيرة.

لقد خططت إسرائيل على نحو دقيق لاغتيال كل القادة الكبار، الذين تتخوف من أدوارهم في مقاومة الاحتلال. ظناً منها أن الكبار يموتون والصغار ينسون، لكنها قد تدرك اليوم أن الصغار أشد تمسكاً بالحقوق.

أبو علي مصطفى كان واحداً من أولئك القادة الكبار الذين يندر وجودهم لما يتمتع به من صفات، وكاريزما القائد الإنسان، الثوري الصلب، المتمسك بعقل واعٍ بحقوق وأهداف شعبه، بدون أن تنحرف بوصلته عن طريقها نحو تكريس الجهد في مواجهة التناقض الرئيس مع الاحتلال. من عرابة انطلقت رحلته الأولى وهو في سن مبكرة، وإليها عاد وهو محمولاً على أكتاف المجد والكرامة.