Menu

«م. ت.ف » الحاضر والآفاق

أبو علي مصطفى

بقلم / أبو علي مصطفى

"تعيد بوابة الهدف نشر دراسة بعنوان: منظمة التحرير الفلسطينية : الحاضر والآفاق، كان قد اعدها الشهيد القائد أبو علي مصطفى ، منذ ما يقارب من ربع قرن مضى ولعل نشرها يأتي تزامنا مع الذكرى السادسة عشر لاغتياله على يد العدو الصهيوني، وتصاعد الجدل فلسطينياً من مسألة عقد المجلس الوطني الفلسطيني واستعادة مكانة ودور المنظمة برنامجاً وميثاقاً وتمثيلاً".

تميزت الثورة الفلسطينية المعاصرة عما كانت عليه المحطات التاريخية في نضال الشعب الفلسطيني. في كونها انطلقت من حالة مجتمعية موزعة ما بين فلسطيني الداخل بمواقعه الثلاثة: 1948 والقطاع والضفة، والشتات الموزع في أكثر من قطر عربي، وخارجي، توزعاً يختلف تبعاً للحجم وأنماط النظام من بلدٍ إلى آخر.

إذاً هي ليست على شاكلة الثورات المتعاقبة للشعب الفلسطيني منذ العشرينات وحتى الإعلان عن قيام «الكيان الصهيوني» مروراً بأكثر الثورات الفلسطينية بريقاً ومعاني ودلالات وهي ثورة 1936 – 1939.

إلا أنها (أي الثورة المعاصرة) تكتسب امتدادها من ذات القضية والمعاني في الصراع الاستراتيجي مع المشروع الصهيوني ودعاته وداعميه. كما وتكتسب ذات المهمة المتلخصة بحسم هذا الصراع لمصلحة الشعب الفلسطيني والأمة العربية وهو الهدف الذي يتجسد في شعاراتها في التحرير والاستقلال والتقدم الاجتماعي، ويمتاز الحاضر عن الماضي، بأن القضية قد تجاوزت أخطار المصادرة والتبديد للهوية الوطنية الفلسطينية والسعي لإلغائها من خريطة الصراع (على ضعفه)، وهي الصفة أو الطابع الذي وسم السياسة الرسمية العربية منذ عام 1948 والتي قامت على عملية شرعنة القمع والملاحقة والاحتواء للفلسطينيين.

إنَّ إشادة البناء الفلسطيني اتخذ مساراً صراعياً مزدوجاً، من جهة مع الحالة الرسمية العربية، بغية إلغاء سياسة المصادرة والتبديد، ومع العدو الصهيوني وكيانه الاغتصابي التوسعي العدواني لإلغاء مشروعه بإدامة وتطوير العملية الصراعية التناحرية، وحتى يقوم مكانه المشروع الوطني الاستراتيجي الفلسطيني – العربي، والفلسطيني أساساً بكونه كحاضر وفعل النقيض المادي للمشروع الصهيوني وهو في نفس الوقت (أي المشروع الوطني الفلسطيني) الحلقة التي لابد منها لربط السلسلة في الحالة الصراعية العربية ضد ذات المشروع (أي المشروع الصهيوني الكولونيالي).

إذاً هي اللوحة التي أشيد عليها البناء الفلسطيني من واقع رؤية التواصل وتلمس التمايز وإدراك الترابط، بما يؤدي إلى الوعي لشمولية الصراع مع العدو الصهيوني وكيانه المادي المسمى «إسرائيل».

إن التداخل الذي وقع في منتصف السبعينات على تعيين البناء الفلسطيني بمادته الظاهرة بالبرنامج المرحلي، لا يجب ولا يجوز أن يتحول إلى إلغاء للأساس البنائي الذي أقيم على لوحة شاملة مرتبطة في البعد الاستراتيجي للمشروع. وكي لا يفهم البعض أن إحداهما إلغاء للآخر، فالاستراتيجي هنا هو أساس البناء ودعامته الرئيسية، والمرحلي هو الصعود عبر سلالمه وصولاً لطوابقه المتعددة.

الجهلة وحدهم يعتقدون بإمكانية نزع إحدى الطبقات من مجمل الإنشاء البنائي، إلاَّ إذا لجأوا لهدم البناء بكامله، وعندها لن تكون حظوظهم في نيل أحد الطوابق السلمية ممكنة.

السؤال الآن ما هو هذا البناء؟ ما هو مضمونه؟ ما هو شكله؟ أين موقعه في الراهن الوطني؟

لا يتجادل اثنان حول تعريف هوية هذا البناء، المنجز الوطني، الذي هو منظمة التحرير الفلسطينية، والتي اكتسبتها العملية الكفاحية الوطنية لشعبنا بعدها العربي والدولي باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، كتعبير عن هوية وطنية لشعب عانى من سياسة المصادرة والتبديد والتشريد.

- إن مضمون ذلك البناء يتحدد بركيزتين: الأولى برنامج الإجماع الوطني الذي انطلق أساساً من أرضية الميثاق، والثانية أداة الفعل التي هي محصلة المجموع الوطني (أي الجبهة الوطنية) بكل ما تمثل من فصائل وقوى ومنظمات جماهيرية وشخصيات سياسية واجتماعية فلسطينية.

أما الشكل فيتلخص في العملية الكفاحية السياسية والعقائدية والتي حملت في المقدمة البندقية واعتبرت الكفاح المسلح وحرب الشعب المكون الأساسي للأشكال الأخرى في الصراع. لقد أصبح هذا الشكل فعلاً المنارة التي أضاءت أوسع مساحة لحضور القضية الفلسطينية في كل المواقع والمحافل.

- ففي صفوف شعبنا وفصائله تتصارع الآراء في الكثير من المواقف تعلو وتهبط وتيرتها، وفقاً للظروف واللحظة والمعطى السياسي، تتعدد الآراء بتعدد التلاوين السياسية الوطنية، إلا أن هذه الصورة والتي هي مظهر رئيسي لا تختلف على الموقع الذي تمثله م. ت. ف لشعبنا وقضية الوطنية.

إذاً، عندما نتحدث عن الموقع تنقلب الصورة بين الماضي والحاضر بزاوية حادة جداً، فقد اكتسبت هذا الموقع مكانته من ثوريته التي جسدت الرد على العجز العربي الرسمي، والرد على الهزيمة، والرد على المصادرة والتبديد وانطوت أجنحتها على الآلاف من المناضلين الأخوة من كل الأقطار العربية، بل وجيشت قوى وحركات تحرر، ألهمها الكفاح الوطني الفلسطيني بالروح الوثابة، والسعي لخلق حقائق جديدة في الحياة الشعبية العربية، بينما الحاضر يحدثنا عن حالة شكلانية رسمية بُهت فعلها القومي وضاقت أجنحتها، وهزت الرياح الباردة مفاصلها، إلى الحد الذي نجزم فيه بالقول: إن الحالة الوجدانية الوطنية والقومية تجاه قضية فلسطين وشعب فلسطين، هي المحرك الوحيد لها، بالنظر إلى بنائنا الذي لا يزال واقفاً بشروخه رغم كل الأعاصير والكوارث التي أصيبت بها الأمة. كما النظر أيضاً في حالنا الذي انتقل من حالة التحدي، إلى وضعية التكيف.

الانتفاضة.. قارب النجاة:

لقد اندلعت الانتفاضة في لحظة ضعف شابها من الملابسات الكثير الكثير، انحدرت فيها أوضاع بيتنا الوطني إلى وضع التردي والانقسام الداخلي، لأسباب سياسية، لاسيما منذ الخروج من بيروت ومفاعيل ذلك الحدث، وما شابه من انحناءات حادة وصاخبة تمثلت بالممارسة اللاحقة للقيادة المتنفذة في م. ت. ف وهي:

1- النظرة للدور الوطني الفلسطيني ما بعد بيروت، حيث تصرفت القيادة من على خلفية نهاية مرحلة كفاحية، استعداداً لاستحقاقات سياسية.

2- التعاطي مع مشروع فاس، من مواقع القابل بمشروع ريغان الشهير.

3- وضع مهمة الكونفدرالية بدلاً من التركيز عل البرنامج الفلسطيني في دورة ما بعد بيروت للمجلس الوطني.

4- الانفتاح على نظام «كامب ديفيد» وحمل راية الإفراج عنه كسياسة وحضور في المحافل العربية والإسلامية. الأمر الذي غذّى لدى النظام الأردني طموح العودة لخياره في محاولة وضع اليد على الإرث الفلسطيني عبر مشروع التقاسم الوظيفي، واتفاق عمان 1985 ثم اتفاق لندن (نيسان 1987)، وصولاً إلى قمة عمان تشرين 1987 التي أريد لها أن تكون أداة الإعلان عن دفن م. ت. ف وبرنامجها الوطني ووحدانية تمثيلها للشعب الفلسطيني.

في تلك اللحظات الدقيقة، اشتعل لهيب الانتفاضة في الوطن معلناً عن الإمساك بالراية جاعلاً من الداخل الأساس ومن الخارج الرديف. ومجدداً الصراع مع العدو الصهيوني وحلفائه واشياعه من أصحاب المشاريع المشبوهة.

بهذا الفعل الذي قاد إلى التفاعل عادت الروح الفلسطينية إلى جسد بنائها مرة أخرى لتعيد له مكانته وتحميه من التشققات والانحدارات الأرضية. وكم أبدعت الانتفاضة، (قارب النجاة الفلسطيني)، في خلق المتراس المتقدم وإدامة الصراع وتلوين لوحته بالدم والعظم واللحم، كم رسخت من القيم وأثارت الهمم. وحفزت السياسة، والثقافة، وأكدت على رسوخ حقائق وحدة الشعب والأرض والقضية، كم هي عظيمة هذه الانتفاضة الشعبية الباسلة، إلاَّ أنها أخفقت في أن تجعل من هذا الفعل في إطار المؤسسة روح فعل وحياة نابضة، وبدلاً من أن تكون السلاح الأمضى في مقارعة الاحتلال في كل الميادين داخل وخارج الوطن، استعجلوا في تحويلها إلى ورقة خفيفة الوزن قليلة الأثمان. وهكذا كان العامل الديبلوماسي محاصراً للشعار السياسي الذي انتظمت تحت راياته جماهير الانتفاضة شعار الحرية والاستقلال ومحاصراً لفعل الانتفاضة في تجذير وتثوير المؤسسة. محاصراً لبعدها في تلوين لوحة الصراع بالجديد المتجدد، بل وأكثر من ذلك محاصراً لقرارها ومبادرتها محجماً لها بالطرق الأوامرية الفوقية وبالتلاؤم مع سياسة القيادة الرسمية وحركتها الدبلوماسية وهكذا شوهوا صفحتها في المجلس التاسع عشر، بالإعلان عن الموافقة على قرار (242) وما استتبع من استجابة للشرط الأمريكي بجهود (اندرسون وشولتز) الذي توج بمحفل جنيف منتصف كانون الأول 1988 كمية كبيرة من الحجارة والتراب التي آهالتها الانتفاضة على جسد الخيار الأردني والتقاسم الوظيفي. وتحت هذا الكم من الحجارة والتراب غابت قمة عمان، وكمية أكبر من الحجارة والسكاكين وملايين القضبان. وصوت كل الأجيال الهادر وآلاف الأعلام التي صفعت وجه الاحتلال. ناظمها شعار الحرية والاستقلال، مجسدة الإرادة الوطنية في الصراع التناحري مع العدو. هذه الإرادة الوطنية تحررت من المصادرة والتبديد.

وأمام هذا العطاء الهائل، استعملت القيادة المتنفذة كل رفوشها لإزالة هذا الركام من الحجارة والتراب من خلال السلوكيات التالية:

أولاً: خلخلة حجر زاوية البناء الفلسطيني:

إذا جاز لنا اعتبار الأساس الذي أقيم عليه بناؤنا الوطني الفلسطيني بثورتنا المعاصرة، فلا يمكن أن يكون هذا البناء بدون حجر زاوية. فما هو هذا الحجر؟ أنه بإيجاز ما تلاقت به وحدة الإرادة والفعل الوطني ألا وهو برنامج الإجماع الوطني (البرنامج المرحلي) والذي نال الإجماع عام 1979 في دورة المجلس الوطني بدمشق، وفيه الربط المحكم ما بين المرحلي والاستراتيجي، هذا البرنامج الذي أصبح الموجه لمجموع الفعل الوطني الفلسطيني وإن لم يترافق معه وبموازاته فعل تنظيمي ديمقراطي توحيدي، إلاَّ أنه حدد الطريق الذي يؤدي إلى الهدف الأشمل.

من أين حدثت الخلخلة؟ وكيف؟

- في البداية حدثت عن طريق الترويج لمشروع فهد، ثم فاس المقترن بمشروع ريغان آنذاك، حيث بدا أنه لم يكن بالإمكان أبدع مما كان كسياسة فلسطينية.

- التشكيك بإمكانية قيام الدولة من خلال الربط النظري لبعدها بشرط الكونفدرالية، مع الأردن.

- الانفتاح المفجوع والمتداعي على نظام «كامب ديفيد» الذي سحق بأقدام اتفاقه المشؤوم الحقوق العربية والفلسطينية، وقدم أثمن هدية لإسرائيل وأمريكا منذ نشأة الكيان الصهيوني.

- لاحقاً اتفاق عمان الشهير، بين قيادة م. ت. ف والنظام الأردني 1985.

- ثم الإقرار الموثق والرسمي من أعلى مؤسسة فلسطينية في الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني، وفي أجواء الانتفاضة ومناخها المعطاء، الإقرار باعتبار 242 أساساً للحل استجابة للشروط الأمريكية. واستكمل الحفل بوقائع المؤتمر الصحفي لرئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير قي منتصف كانون الأول 1988، ودعم بمحفل باريس بعبارة «الكادوك» الشهيرة.

- وأخيراً لا آخراً، انخراط هذه القيادة، واستجابتها للشروط الأمريكية – الإسرائيلية المجحفة والمذلة والمتنكرة للحد الأدنى من الحقوق والتمثيل الفلسطيني، عبر محفل مدريد – واشنطن الأمر الذي هيأ للإدارة الأمريكية فرصة متدرجة في جذب حجر الزاوية الفلسطيني لوضعه جانباً وخارج بنائه الأساسي، كخطوة ضرورية وممهدة لخطوات لاحقة (حتى لو بقي وارداً في الخطاب الفلسطيني وبالمناسبات) كي لا يبقى الأساس والموجه للإرادة والفعل الفلسطيني، تمهيداً إلى سحبه كلياً من التداول السياسي ليسهل بعد سحبه، هدم البناء بكامله وعلى رأس من فيه إن اقتضى الأمر.

ثانياً: سياسة بري الرأس:

من الأساطير الشعبية التي تروى عن شعوب الصين في التاريخ القديم أنهم كانوا يحتجزون أقدامهم في قوالب حتى تتلاءم مع الأحذية، وفي بلادنا كانوا يصفون ولا يزالون صاحب الغفلة أنه يبري قدمه حتى يتلاءم مع الحذاء.

أما في السياسة فنلحظ ما هو أعلى وأهم من القدم يُبرى كي يتلاءم مع الحجر الأمريكي – الإسرائيلي ألا وهو الرأس، والمفعول المباشر لإدخال الرأس في الحجر (الذي يعلن عنه في المسار الحالي) يتمثل في أنهم سهلوا إدخاله إلى الحجر وعقدوا في نفس الوقت إمكانية خروجه.

ما أمتعها من لعبة للسيد الراعي وما أبأسها من مغامرة لصاحب الرأس الفاضل.

منذ أيام الطفولة وفي القرى الفلسطينية، كان يجول في بعض المواسم (حملة صندوق العجب) يغرون أطفال القرى بإدخال رؤوسهم (مقابل خمسة فلسات) في فتحة الصندوق كي يروا حرب الزير سالم وأبو زيد الهلالي، وعنترة الخ.. وما إن يدخل أحدهم رأسه، ليرى بضعة رسوم على أوراق متحركة حتى تنتهي الخدعة الصغيرة، وكي لا يظهر الطفل أنه خُدع، يقول لمن يليه في الدور (يا الله ما أجمل ما نراه في الصندوق) ويليه الآخر. والمفارقة أن الطفل يخرج برأسه سالماً، إلا أن السؤال هل يخرج الرأس الفلسطيني سالماً من الجحر الأمريكي – الإسرائيلي؟ نترك الجواب للقادم من الأيام، مع ترجيح أن ذلك لن يحصل.

بكل الأحوال يبقى السؤال: ما هي السلوكيات التي مورست في ممارسة سياسة بري الرأس؟

أظن أن لا أحد يختلف أو يجتهد أو يتنكر لما قيل وأعلن على لسان أصحاب النهج الهابط في ساحتنا الوطنية. حيث عبروا مؤخراً في خطابهم السياسي بالقول أنهم قبلوا النقاط العشر التي اقترحها النظام المصري ما بعد 1988 (وهي نقاط أمريكية) ولكن لم تستجب الحكومة الإسرائيلية لها، كما وأضافوا أننا قبلنا بنقاط بيكر الخمس 1989 أما الإسرائيليون فلم يستجيبوا (بهذا الصدد من المفيد أن نسجل أن المجلس المركزي الذي عقد في بغداد آنذاك، وضع اشتراطات عليها ليتبين فيما بعد أن الموافقة نقلت للقاهرة وأسقطت الاشتراطات).

وكما كانت التداولات تتم بالأوراق السياسية ويجري الاستجابة لها واحدة تلو الأخرى وكل ورقة تأتي بأهبط مما سبقها، وعلى ذات المنوال (الداخل فقط والأسماء التي توافق عليها إسرائيل) وبالإطار، الذي كانت تبدي القيادة المتنفذة استجابة له، بالتغاضي عن المؤتمر الدولي ومقومات انعقاده.

ولاستكمال عملية التجميل في بروز الجُحر القاتل، لمتابعة عملية الإغراء، شاغلت الإدارة الأمريكية ولعدة شهور قيادة م. ت. ف، بما سمي بجلسات الحوار الأمريكي الفلسطيني عبر سفيرها المحترم في تونس، وبذلك حددت السقف المتداول والذي لا يلزم ولا يغير بواقع الحال من سياسة الولايات المتحدة الأمريكية من م. ت. ف كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني. وغرضها تحدد باعتبارها جولة في العقل الفلسطيني لاستطلاع استعداداته التنازلية، عن مكونات الموقف الفلسطيني باتجاه المسار الذي ترسمه الإدارة الأمريكية لتسوية ما يسمى بنظرها أزمة الشرق الأوسط، ومنذ ذاك الوقت طلبت الإدارة الأمريكية عبر سفيرها قبول مشروع الحكم الإداري إلي قدمه شامير في أيار 1989. ولازال الرأس في الجحر حتى يومنا هذا. فهل يجرؤ على الخروج، أم يبقى حتى الاختناق؟ هذا أمر مرهون بشجاعة صاحب الرأس على أخذ قرار الخروج. مع أن المشهد الجاري لا ينبئ بذلك.

ثالثاً: تحجيم الذات الوطنية:

مثلما علينا جميعاً أن ندخر ونصون إنجازنا الوطني الذي كرس هويتنا واعتبارنا، وشخص محلياً وعربياً وعالمياً قضيتنا الذي هو م. ت. ف، علينا أن نعلن دوماً عن اعتزازنا بعطاء شعبنا واستعداداته التضحوية اللا متناهية، هذا الشعب العظيم المتعملق دوماً فوق الجراح والآلام، لا تهزه الهزائم والنكبات، الشعب الذي امتد سيل دمائه من عمان وجرش وعجلون إلى جنوب لبنان وبيروت نهراً موصولاً من دماء أبنائه من حيفا إلى يافا والجليل وإلى غزة البطلة غزة الانتفاضة والضفة الفلسطينية المقاتلة. إنها ملحمة متواصلة أوجزت أمرها بقول كلمتها (الرقم الفلسطيني الصعب)، بمسيرة العطاء منذ ما قبل الثورة الفلسطينية المعاصرة إلى يوم الانتفاضة الباسلة، بهذه الروح قاتلنا وصفوف شعبنا تتقدم ولا تتوانى رغم كل الظروف المريرة والرياح العاتية التي تهز الجبال، لذا قلنا بعملقة الكفاح الوطني في زمن الهزيمة والردة، لذلك قلنا أن لا سلام، ولا استقرار في المنطقة بدون الشعب الفلسطيني ونيل حقوقه، نتبادل المهمات والمراحل من الداخل إلى الخارج ومن الخارج إلى الداخل، نتبادل حمل الراية بجدارة.

فما الذي دهانا؟ ونحن على هذه الهمة والعطاء، وبحيازتنا قدرة القرار وإن لم يكن فبقدرتنا أن نعطل قرار الآخرين علينا، ما الذي دهى بعضنا وظهرت أعراض الوهن عليه قبل أزمة الخليج وحربها وقبل سقوط القلعة السوفيتية، ومنذ جولات بيكر الأولى، عندما بدأ الترويج لمقولة وماذا نعمل لوحدنا؟ وما قيمة العامل الذاتي؟ لابد من أخذ المتغيرات في القرار الفلسطيني وفق المعطى الراهن! هل يمكن أن نراهن على الانتفاضة لوحدها؟ هانحن لوحدنا؟!

 

هذا المسلسل من التنظير لم يأت من فراغ، ولم يكن بلا غرض، لقد كان تأسيساً لاستجابة لاحقة لها مالها من المتطلب السياسي، وما دام حكام القاهرة عنواناً سياسياً، فمالنا إلا أن نعود بالقول (ما تبقى لكم)!!

هذا في الوقت الذي يلمس عدونا الاحتلالي والإمبريالي. أننا عامل مهم ورئيسي لا يمكن القفز عنه، بل وبعض الغرب يرى أساسيتنا في المنطقة، وليس بعيداً عن ذاكرتنا ما كانت تصدره المجموعة الأوروبية من حين لآخر من مواقف على هذا الصعيد.

إلى أن وقعت جولات بيكر المكوكية (بعد حرب الخليج) في المنطقة في ضوء رسالة بوش العتيدة، ورغم الاستجابة الرسمية العربية للرسالة، هل من أحد ينكر أن بيكر جال في المنطقة بعد استجابة أطراف التسوية لمدة شهرين، من أجل تذليل العقبة الفلسطينية (حسب أقواله) إذاً هي عقبة.

إن من تخلى عن استخدام هذه المكانة في الوقت المناسب وبالقرار المناسب، باعتبار قضيته محور البحث والحل، إن كان هناك حل، هو الآن يقول قبلنا بالشروط المجحفة والمذلة نتيجة الموازين الدولية والإقليمية. متناسياً أمرين، الأول أنه بادر بالقبول في الانخراط في هذا المسار قبل الاختلال الذي يتحدث عنه بسنوات عندما وافق على قرار (242) عام 1988. والأمر الثاني أنه مهد للهبوط وانخرط فيه ليكون غطاء لرداءة الحالة الرسمية العربية، والذي يتجه بعضها لعقد صفقاته، بعد أن توفر له الغطاء الفلسطيني.

ألا يحق لنا أن نردد المثل الشعبي في هذا السياق (من جعل نفسه عظماً أكلته الكلاب). يا لها من مفارقة ذلك الانتقال الدراماتيكي من مقولة الرقم الصعب، إلى تنظير يقود إلى تبعية السياسة والعجز عن الفعل، أو الإيمان بالفعل والتأثير.

إننا لا ندعو إلى إغفال المتغيرات (وإن لم تكن هي الأساس لسياسة الهبوط الحالي) فإغفالها نزعة مضرة، تماماً كما أن الميل للتكيف الإلحاقي وإنكار قيمة الذات الوطنية وقرارها بما يعزز تكتلها السياسي ولا يغيب هدفها الوطني تحت أي اعتبار أكثر ضرراً.

وهنا تتحدد المفارقة في تحديد التخوم بين منهجين، منهج الرؤيا الشاملة للصراع وآفاقه التاريخية وامتداد له، يصبح من البديهي أن يلتزم هذا المنهج برؤيا قومية، كي يحدث الخلل في ميزان القوى شعبياً أولاً ورسمياً آنياً. في مواجهة المنهج الذي صغر الذات الوطنية ويغيب الرؤيا القومية ورابطها الجدلي مع الوطني.

رابعاً: تردي المفاهيم:

كل شعب وأي شعب في سابقه أو في الزمن المعاصر تعرض للقهر والاضطهاد أو الظلم أو الاحتلال، عاش سنوات الهزيمة، وهذا ليس عيب الشعوب في تاريخها، فالهزيمة مفروضة بقوة العامل الخارجي، غزو أو احتلال أو استعمار تعرضت له الكثير من الأمم، إلاّ أن الاستلام للغزوة أو الاحتلال هو المرفوض والعار على أي شعب أو أمة أن تقبل به وتستسلم له كقدر لا مفر منه.

والاعتراف بخلل ميزان القوى لصالح العدو أمر جائز، أما غير الجائز فهو أن لا نسعى ونعمل من أجل مراكمة جهد للصالح الوطني يؤدي إلى إمالة الميزان تدريجياً وتعويض الخلل بتوفير عناصر لا يملكها العدو، بل في حال توفرها (أي كعامل وطني) تبدأ الخطوة الأولى في إضعاف ميزان قوته. وتعديل الكفة للصالح الوطني.

إلا أن هذا لا يمكن أن يحدث بدون امتلاك عنصرين أساسيين في العملية الصراعية وهما:

1- التعبئة المعنوية والسياسية البرنامجية التي تضخ يومياً في عروق الشعب، الثقافة الوطنية، ثقافة الصراع مع العدو وعدم التعايش معه، وتحديده بوضوح، لتوليد شحنة قوية في صفوف الشعب بمختلف فئاته وقواه السياسية والاجتماعية، في مرحلة التحرر الوطني المحددة للهدف بدقة للخلاص من قوى الاحتلال أو الاستعمار، وهنا المسألة لا تخضع لحساب قوة الطرف الآخر العددية الميكانيكية، بل تخضع لمعايير عدالة القضية التي تناضل من أجلها الجماهير، وعدم عدالة الاحتلال أو قوى الغشم والقهر والاستغلال.

وفي حال امتلاك الناس لهذه الروح المعنوية الكفاحية تصبح قوة جبارة هائلة لا تستطيع أن تصمد أمامها للأبد قوة العدو المتفوقة مهما كان جبروتها.

2- التأطير والتنظيم، وهي عملية لابد منها كي تصقل وتنظم طاقات الشعب في العملية الوطنية، سواء أخذ هذا التأطير التشكيل الفصائلي والتنوع والتعددية، أو صيغة الجبهة الوطنية المتحدة، أو الأطر الجماهيرية الشعبية (اتحادات، نقابات) وغيرها، والأشكال الثلاثة لا تقع في دائرة التعارض، بل هي ضرورة وطنية وعملية متكاملة.

عملية الصقل والتنظيم تقطف ثمار التعبئة والحشد وتتواكب معها وتغذيها، وترقي أساليب عملها وأدائها دوماً، من أجل تأدية مهام وطنية تجمع عليها الناس والقوى المنظمة لتحقيق الهدف الأشمل.

والسؤال أين نحن من هذه الصورة؟

لابد من الإقرار أن انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة أتت لتلبي هذا الغرض ببراعة وجدارة شديدتين، ولقد أمضت سنواتها الأولى على هذه السكة صوب الاتجاه (الهدف) وواصلت هذه العملية (رغم إخفاقات سياسية) إلى ما بعد أيلول الأردن الذي خسرنا بخسارته، كموقع وحضور شعبي، بعداً استراتيجياً في الصراع مع العدو، وفي التأسيس لفعل حرب تحرير شعبية، مع ذلك نستطيع القول أن الانحناءات، والانعطافات السياسية هنا وهناك لم تحل دون استمرار هذه العملية التعبوية التأطيرية حتى حرب عام 1982 والخروج الشهير من بيروت.

أتساءل هل يمكن القول إن بداية لعبة تبديل المفاهيم حول الثورة وآفاقها، بدأت منذ لعبة يوري آفنيري وحضوره الصارخ إلى بيروت والذي ضمنه كتابه الشهير (صديقي العدو) مع أن هناك إشارات سبقت هذا الوقت والشخص، إلاّ أن الأمر تسارع كثيراً، واتخذ خطاً صاعداً باتجاهات ثلاثة:

1- إلغاء سياسة التحريم عن العلاقة مع قوى أسقطت مقولة لا صلح لا اعتراف «بإسرائيل»: وهو ما جرى مع نظام «كامب ديفيد» في مصر. الأمر الذي أدى إلى فتور مناخ التحريض والتعبئة ضد سياسة الخنوع والاستسلام من جهة، وفتح باب الاحتمال لإقدام أكثر من نظام عربي على ذات السلوك دون خوف أو وجل من الحالة الشعبية أو الرسمية العربية. من جهة أخرى.

2- الترويج لعلاقات مع القوى اليهودية الديمقراطية: ليجري التسلل من خلالها إلى علاقات قوى وإفراد وأوساط رسمية صهيونية، لازالت تحمل رايات مشروعها المعادي لمصالح شعبنا وأمتنا العربية والمتتبع لتسلسل العملية في قرارات المجلس الوطني بدوراته المتعاقبة سيلاحظ التراجع الذي حصل من مجلس إلى مجلس في النظر لهذا العنوان، إلى الدرجة التي أصبح الإعلان عن لقاء يعقد هنا أو هناك مع الصهاينة أمراً عادياً، بما فيهم من حمل السلاح في وجه شعبنا وقاد جنوده في حروب الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني والعربي، وارتكب الجرائم البشعة ضدهما، وهو يمارس فعلياً حالة عدوانية احتلالية قهرية لوطن غيره.

بينما ويا للمفارقة لازالت قوى الاستعمار والإمبرياليين والصهاينة يطاردون ومنذ عشرات السنين وحتى اليوم كل من وصم أنه كان نازياً، أو خدم في صفوف الجيش الألماني أو تعاطف معهم. ويقدمونهم لمحاكمات على جرائم ارتكبوها أو لم يرتكبوها، حتى وصلت هذه المطاردة السياسية من السخف إلى درجة النيل من رئيس النمسا كورت فالدهايم الذي سبق وأن كان الأمين العالم للأمم المحتدة، بتهمة العمل كضابط صغير في صفوف الجيش الألماني، والحقيقة أن المطاردة هي بسبب محاسبته عن قرار 1975 الذي يساوي بين الصهيونية والعنصرية، لأنه اتخذ في زمن رئاسة للأمم المتحدة.

والسؤال هنا ماذا فعل أصحاب هذه السياسة التصالحية، هل أكسبت سياستهم نتائج لصالح الشعب الفلسطيني؟ أم أعطت من مكاسبها للصهاينة؟ نعم إنها أعطت، وأجزل عطائها إنها مهدت الأرض من أجل شطب قرار الأمم المتحدة عام 1975 الرقم /3379/ الذي ساوى بين الصهيونية والعنصرية. هذا عدا عن إسقاط جدار اللا تعايش مع الصهيونية من عقول قطاع من الناس، بغرض الترويض تمهيداً لسقوط المحرمات.

3- التعامل مع السياسة الأمريكية: لم يعد من الجائز أن نشرح للناس ماهية الإمبريالية، وخاصة دور زعيمتها الولايات المتحدة الأمريكية في قهر شعبنا ودعم عدونا الصهيوني المحتل، ونهب خيرات أمتنا والعدوان على كرامتها وحقوقها، فهذه أصبحت من حقائق سياستهم في الماضي والحاضر، وهي تسعى لأن تبقى. هذه السياسة المعلنة والممارسة نهاراً جهاراً، تتخذ تمايزها الواضح والفج باعتبار «إسرائيل» أحد مكوناتها الاستراتيجية في المنطقة، على الرغم مما يبالغ به البعض من عربنا الرسميين في التودد لأمريكا والخضوع لسياستها في محاولة لإثبات الجدارة بتأدية الخدمات لمصالحها، إلاّ أن أمريكا تدرك الثابت والمتحول في عالم السياسة وتعلن أن إسرائيل هي ذخرها الاستراتيجي.

لا أظن أن ثمة من يغفل عن رؤية الرابط ما بين المصالح الأمريكية والوجود الصهيوني الممثل بكيانه المادي إسرائيل، إلاّ إذا رغب أن يستغفل الناس ونفسه أولاً، كما لا أظن أن هناك من يغفل عن رؤية لوحة العالم عندما كانت الولايات المتحدة الأمريكية إحدى الدولتين الأعظم، وأصبحت اليوم الدولة الأعظم الوحيدة. ما بين اللوحتين المشهد خطير في السياسة كما هو خطير في المفاهيم، فمن مقولة العدو، إلى الوسيط ومن ثم المحايد، ومن ثم الراعي وغداً يصبح الصديق كما هو حال النظام الرسمي العربي، فتزول الخطوط وتنهار التخوم، في العقل الفلسطيني ما بين العدو واللاعدو، بل ويمكن أن تصبح مقولة سيئ الذكر، الوزير السابق للدولة السابقة «الاتحاد السوفياتي» السيد شيفار ناذرة في مؤتمره الصحفي الشهير في القاهرة، في عام 1988 الذي طالب فيه «بإلغاء كلمة العدو من قاموس الشرق الأوسط». وسعي البعض لخلق أوهام إلى الدرجة التي تدعي الأستاذة عشراوي «أننا علّمنا بيكر اللغة الفلسطينية»!!

وهكذا تنحدر المفاهيم، ويتدرج تفريغ الشحنة من عقول ونفوس الناس ويضعف الحال، وتتراجع الهمة في المقارعة، وتبهت الروح التضحوية وتستبدل كراسات التعبئة الوطنية، بمقولات «الواقعية!» وفن الممكن،! وليس بالإمكان ما هو أفضل!، والعالم تغيّر» الخ.. ولسان حالهم يقول: سلموا بأبدية القدر الأمريكي على شعوبكم، ووجوهكم، ولحومكم، بل وأدخلوها في عروقكم.

وبالتتالي لهذه اللغة السياسية التي تدعي الواقعية: يصبح التسليم بالمشروع الصهيوني وأبديته، واعتباره من حقائق المنطقة مسألة راهنة، ومباشرة ومن مستحقات التسوية التي يعملون لإنجاحها!، وإذا ما تحقق فهو نجاح يقوم على محددات وضعتها المجموعة الدراسية الاستراتيجية لمعهد واشنطن والتي ينص بعضها على ما يلي:

أ - على السياسة الأمريكية أن تبين بوضوح أن هدفها ليس صفقة أمريكية مفروضة على «إسرائيل»، وإنما صفقة عربية – إسرائيلية مكتوبة على أساس الثقة بعلاقات الولايات المتحدة «بإسرائيل».

ب- فإن مصالح الولايات المتحدة وقيمها تظل مهمة بشكل كامل، إن جعل هذه القيم وهذه المصالح أكثر أمناً وأقل خطراً علينا وعلى حلفائنا، يجب أن يكون هدفاً أساسياً للولايات المتحدة في السنوات القادمة، هذه هي الفرصة. وهذا هو التحدي في الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب الباردة مرحلة ما بعد حرب الخليج.

أما عن مصالح الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة فلا ذكر لها. هكذا هي سياسة الولايات المتحدة الأمريكية المنحازة كلياً لإسرائيل أياً تكن الإدارة الحاكمة، وإن حصل تعديلات فهي في ترتيب الأولويات، وليس تعديل للجوهريات.

خامساً: تجويف المؤسسة:

درجنا ومنذ سنوات طويلة على إعادة إطلاق عبارة الإصلاح الديمقراطي في مؤسسات م. ت. ف. وتقدمنا بمشاريع مكتوبة أكثر من مرة. غالبها إن لم يكن كلها نشر، سواء في مجالات فلسطينية، أو في كراسات، مثال ما تضمنه الكراس الصادر عن القيادة المشتركة للجبهتين (الشعبية والديمقراطية) عام 1984. والعديد من الجولات الحوارية الداخلية والخارجية، ثم الاتفاق على خطوط في العديد من دورات المجالس الوطنية، وآخرها وثيقة، عام 1989 التي تقدمت بها الجبهة الشعبية للمجلس المركزي بدورته المنعقدة في بغداد.

وفي كل ما طرحناه وناضلنا من أجله حذرنا من الوقوع بالخطأ بين التاليين أو أحدهما:

الأول: النظر إلى عملية الإصلاح في مؤسسات م. ت. ف باعتبارها مزيداً من المكاسب الفئوية لهذا التنظيم أو ذاك.

الثاني: خطأ الفصل في معالجة الشأن الفلسطيني ما بين البرنامج السياسي والعمل على تحقيقه، وما بين الأداة وآليات العمل في المؤسسة التي تصلح لهذه المهمة. كإطار فعل وطني موحد.

والسؤال الآن ما هي المحصلة التي تحققت عن كل المحاولات الجارية منذ سنوات؟

في الحقيقة المشخصة نحن أمام فجيعة تنم عن عدم الشعور الجماعي أو الجدية في حمل مسؤولية المعالجة لشؤون البيت الفلسطيني، هذا الذي وصفناه كثيراً بالقلعة، نشهد نخره وتسوسه من داخله ومن ذاته، ولا علاقة للأمر بالقوى الخارجية، بل هو كله شأن فلسطيني.

فالمؤسسة في حالة اهتراء وشيخوخة تتآكل يومياً أمام أعين الجميع، ولم يبق من م. ت. ف سوى مكانتها المعنوية، وما تحمله من معاني القضية في نفوس الناس عموماً، أما إذا نظرنا إليها من الداخل، فالداخل مأساة، فما هي شواخص هذه المأساة أو أسبابها؟

1- غياب المفهوم الجبهوي للعلاقات الوطنية في إطار المؤسسة، وإذا حضر المفهوم غاب التطبيق، وتحولت الآراء والمواقف إلى سجلات الحفظ وغابت عن الحياة.

2- تهزئة الديمقراطية بأشكال كاركاتيرية وأساليب عمل فوقي أرادوي، وغياب كلي لمعاني الديمقراطية في الحياة السياسية والتنظيمية والشعبية، وبالتالي تغييب اللوائح ومؤسسات العمل الجماعي.

3- الهيمنة الفئوية على المؤسسة، وسيادة عقلية الدكان والحصة، بل هي عقلية الإقطاعية التي لا يجوز لأحد اقتحامها إلا بإذن المالك الواحد الأحد، واستتباعاً تحول منظومة أعمال الفئة السائدة على القرار السياسي، وحتى المال إلى احتكار الفرد، المصادر للمؤسسة وللفئة ذاتها والتي تمحورت كلها حول الشخص.

4- تشجيع الفساد والإفساد في المؤسسة، حيث سادت متطلبات الفرد على المؤسسة، وأصبح نيله لهذه الحصة مرهوناً برضى صاحب البيت، وهذا الرضاء له شروطه ومترتباته اللاحقة، على قاعدة الإيماءة «بنعم سيدي» دائماً وفي كل المحافل، وغاب الولاء للبرنامج ليحل محله الولاء للشخص.

5- تحول العمل في المؤسسة إلى حواجز فعلية سواء بآليات العمل أو بالامتيازات، بينها وبين الناس، واستتباعاً تحول هذا السلوك والرضاء الشخصي عنه، إلى حالة متورمة، ثم متسيبة، ثم بيروقراطية، لا يهمها سوى مصالحها والحديث عن الخاص أكثر من العام، وإذا ما أتت الاستجابة النافرة للعام، فهي موسمية أو تحت ضغط الظروف، وبذلك غابت عن طواقم العمل منها حتى الضروري وهي الروح الثورية والمبادرة الخلاقة، وحلت محلها روح النفعية والانتهازية الفردية والنفاق. وسادت وظيفة الولاء محل الكفاءة.

من المسؤول؟ الرأس الفرد، والهيئة النصف واعية، والمغيب منها، وعموم المشاركين القابلين باستمرار لهذا الحال.

يمكننا أن نسجل في هذه المقالة الكثير من الشواهد التفصيلية بدءاً من أمانة سر اللجنة التنفيذية ولوائحها، نهاية بالنظام الأساس (طويل العمر) لمنظمة التحرير، وما بينهما عشرات المشاهد المأساوية، من آلية اتخاذ القرار، إلى كيفية التعامل مع المؤسسة والتقيد بالأصول، إلى النظر للعلاقة مع الناس إلى أولويات المال، إلى الهدر في الإمكانات، إلى البنية العسكرية، الخ.. والآن ما العمل؟

كنت أسعى لأضع نقاطاً عديدة تجيب على هذا السؤال، إلاَّ أنني أحجمت، لأن ما احتوته الأوراق السابقة من أفكار كثيرة أصبحت كافية، وهي مازالت صالحة حتى اليوم، لأنني متشائم من أن تنقذ هذه المؤسسة على يد من خربها، وظني أن العقلية السائدة على رأس الهرم، كانت وستبقى سداً منيعاً في وجه الإصلاح الديمقراطي للمؤسسة.

إلاَّ أنني لا أدعو لليأس والانكفاء، بل لابد من المثابرة وقرع الجرس، والعامل الجديد الذي يجب أن تستثار يقظته في لعب دور فعال من أجل الإصلاح، هو عامل القوى الشعبية وممارسة رقابة على المؤسسة، أي بمعنى أن تصبح مسألة الإصلاح الديمقراطي، مسألة شعبية عامة وليست حكراً على هذا الفصيل أو ذاك، دون تغييب دوره، وبالذات على الفصائل الديمقراطية أن تنظم قيادة هذه العملية حتى تحقق المطلوب. ولا يفوتني أن أسجل نقطة أخيرة، بالنظر لخطورة الحال وما نراه ونلمسه، إن ما يجري من تجويف لمؤسسات م. ت. ف ليس بعيداً عن خدمة غرض سياسي في ذهن البعض الذي يستخدم المؤسسة لاتجاه معين. حتى لا نجرد التنظيمي عن السياسي.

بكل الأحوال قد تكون النقطة المفتاحية في عملية الإصلاح التي أشرنا لها أي أن تصبح مسألة الإصلاح الديمقراطي، مسألة شعبية، قد لا تجد طريقها إلاَّ عبر البدء بطريقة الانتخاب للمؤسسة من القاعدة الشعبية أساساً، أي نبدأ بالإمساك بسلسلة الديمقراطية من حلقتها الرئيسية، وهذا يتناول العضوية في المجلس الوطني أساساً، كما يتناول الأطر والاتحادات الجماهيرية والنقابية من على قاعدة التمثيل النسبي، كما يتناول تكريس مبدأ الاستفتاء للشعب في القضايا المصيرية.

فهل نبدأ؟ سؤال برسم الإجابة.

المستقبل:

في محصلة القول تجاه المسألتين السياسية والتنظيمية، يتحدد الجواب عن مستقبل هذه المؤسسة باعتبار أنهما الركيزتان اللتان يقوم عليهما بناء م. ت. ف، والباقي يتفرع عن السياسي، وقوة أو ضعف البناء الداخلي للبيت الفلسطيني.

والمستقبل رهين الحاضر في التأسيس له، ولا انفصال بينهما حيث لا يصلح الحال في مناشدات وحدوية، تهبط وتيرتها إلى حالة تعايش وطني، في غياب الجدية والالتزام ببرنامج الإجماع الوطني والعمل بموجبه ومن أجله.

كما لا يصلح الحال إذا أخذ السياسي بمعزل عن التنظيمي في تقوية الأداة والأداء بما يستجيب للبرنامج، وبما يجعل البيت الفلسطيني قلعة حقيقية، تصمد أمام الأنواء والرياح السوداء.

ومن ذلك نخلص إلى عنوانين يشخصان حال المؤسسة:

أولاً: في السياسي:

إنَّ العلة كل العلة تكمن في المنهج السياسي السائد والمعتمد، في العقل القيادي المتنفذ في م. ت. ف، والذي يتشكل من العناصر التالية:

أ - الفصل القسري بين المرحلي والاستراتيجي في الشأن الوطني الفلسطيني، وإضعاف العامل القوي في الصراع المصيري مع العدو الصهيوني.

ب- تجزيء العمل السياسي ومياومته في المهمات والعلاقات مع الآخرين.

ج- إخضاع الشأن الوطني السياسي للقدرة الخارجية، بإثارة الفزع من تأثيره، المقرر والحاسم حسب رأي القيادة المتنفذة.

د- الاستعداد الجاهز للاستجابة لشروط العدو، تحت ذريعة تكتيك كشف الأوراق، والنظرة الوحدانية للتكتيك، دون التمعن بتكتيك الطرف الآخر، (العدو).

هـ- التعامل مع الجماهير كجمع كمي، وليس كفعل نوعي سواءً بالنظر للأطر الشعبية والاتحادات وغيرها، أو في المسألة الديمقراطية، وفي حمل المسؤولية الجماعية للشأن الوطني.

و- وضع الثقافة الوطنية التعبوية، في دائرة الحسابات التكتيكية اليومية.

ثانياً: في التنظيمي:

أ- سيادة العقل الفردي وتغييب العقل الجماعي، والرأي والرأي الآخر في الحياة والعلاقات، والتصرف بروح الإقطاعية، تجاه المؤسسة.

ب- غياب المفهوم الديمقراطي بكل قيمه ومعانيه، ودلالاته، الجبهوية، والتنظيمية والمؤسساتية. بما فيها النظر لمسألة الانتخابات كأحد أشكال الديمقراطية.

ج- الخلط بين المؤسستين التشريعية والتنفيذية، وسيادة التنفيذي على التشريعي.

د- التلطي وراء عبارات، من نوع: ظروف القضية، واقع الشتات، الحالة السياسية، للهرب من ممارسة أعضاء الهيئات المسماة حسب النظام الأساسي لدورهم في بلدانهم.

هـ- جمود الوثيقة النظامية للمنظمة (النظام الأساسي) عند حدود ما قبل عشرين عاماً، وعدم الاستعداد للنظر فيها، لوضع صيغ تجانس ما بين النصوص وما أفرزته الحياة وضرورات أخذ الجديد.

أخيراً في حال معالجة هذين الشأنين السياسي والتنظيمي، تكون منظمة التحرير حاضراً ومستقبلاً حاملة لمهمة نبيلة لشعب مكافح دفع آلاف الشهداء من أجل هذه المهمة في تحرير وطنه فلسطين.

واليوم وأكثر من أي يوم، مطلوب أن نحمي م. ت. ف ونصونها من عدوها، ومن ذاتها، فهي أحد استهدافات المشروع التصفوي والساعي لشطب هذا المنجز الوطني الفلسطيني، الذي حققه شعبنا بالتضحيات، ولا يمكن حماية هذا المنجز مجرداً عن مضامينه البرنامجية الوطنية ولا عن بنائه التنظيمي الديمقراطي. 

من كتاب "في عين العاصفة"