التعامل الفلسطيني والعربي الرسمي مع القرار الأمريكي بخصوص القدس ، لا زال يحمل جملة من الإشكاليات الخطيرة، تنذر بما هو أسوء وبما يفتح الباب واسعاً أمام تمادي قوى العدوان والهيمنة في سياساتها تجاه الشعب الفلسطيني وقضيته والمنطقة بأكملها.
لم يكن الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن مفاجأة لأحد، باستثناء من استمر في الرهان على الإدارة الأمريكية واعتبر أن قرارها بخصوص القدس هو زلة عابرة، في حين أن الحقيقة تؤكد الانحياز الأمريكي، بل إن تخيل أن السلوك الأمريكي العدائي تجاه الفلسطينيين يرتبط بهذه الإدارة الأمريكية أو تلك هو كارثة على مستوى بناء المفاهيم، في الإدارة والمنظومة الأمريكية والمنظومة الرأسمالية التي تقودها الولايات المتحدة هي عدو يشهر عدائه للشعب الفلسطيني ولكل الشعوب الحرة ويمارس هذا العداء جهاراً نهاراً بلا خجل أو وجل، والحقيقة في هذا الشأن أن هذه المنظومة لها اسم واضح وهو معسكر الأعداء، وعلى ذلك يجب التعامل معها بموجب هذا التصنيف.
وعلى نحو موازٍ إن تخيل أن مهمتنا كعرب وفلسطينيين ومناصرين للنضال الفلسطيني هي الدفاع عن فرص الحل على حدود 1967، وآفاق التسوية التفاوضية مع الكيان الصهيوني هو أيضاً تغييب خطير لجملة من الحقائق الهامة، أولها أن المسيرة التفاوضية بات من الواضح بحكم التجربة الطويلة في مسار أوسلو سيء الصيت والتأثير لن تفضي على الإطلاق لإقامة الدولة الفلسطينية بل هي أداة أساسية لتقويض أي فرصة لأي دولة فلسطينية في يوم من الأيام، وأن الخلل في مسيرة التسوية لم يكن "خطأ فني" في شكل هذه العملية، ولكن خلل جوهره الانحياز الدولي والأمريكي الفاضح للكيان الصهيوني، والقبول الفلسطيني في المساومة على الثوابت الأساسية، وقبول تقديم أضعاف القدرة الفلسطينية والعربية على المواجهة كسلعة في عملية التفاوض.
إن المسار الحقيقي للعمل الفلسطيني والعربي والذي تفرضه الوقائع والحقائق وإرادة الجماهير الفلسطينية والعربية، هو بناء القدرة الفلسطينية على المواجهة، عبر استنهاض طاقة الجماهير في فلسطين وتعزيز قدراتها وإعطائها الفرصة لخوض هذه المواجهة ضمن سقف نضالي حقيقي يلبي طموحاتها، هذا بجانب رفدها بالدعم العربي الحقيقي رسمياً وجماهيرياً.
هذا يتطلب بدوره مراجعة فلسطينية لكل الحقبة السابقة، والقطع نهائياً مع أي ارتباطات باتفاق أوسلو أو رهانات على منظومة التسوية ورُعاتها، ابتداءًا بتنفيذ قرارات المجلس المركزي ذات الصلة، وصولاً لإيجاد منظومة قيادة فلسطينية موحدة عبر منظمة التحرير الفلسطينية، تستطيع خوض هذه المواجهة وتدعم صمود شعبنا في إطار صراعه واشتباكه مع الاحتلال.

