رغم التوضيح الصادر عن مجلس الوزراء العراقي، الذي أشار فيه لعدم الإخلال بوضع اللاجئين الفلسطينيين في العراق، وعدم تأثير قانون المقيمين الأجانب "القانون 76/2017" الجديد عليهم، إلا أنه أصر على التأكيد على إلغاء القرار الصادر عن مجلس قيادة الثورة " القرار 202 لعام 2001".
مجلس الوزراء العراقي اعتبر أن القانون الجديد يعالج مسألة المقيمين الأجانب، وأن اللاجئين الفلسطينيين عولج ملفهم في العراق بموجب القانون " 51/ 1971"، ومع ذلك يثير قرار العام 2001 تساؤلات هامة، أولا حول دوافع إلغاء هذا القرار، وتأثير ذلك على وضع اللاجئ الفلسطيني في العراق، والأهم تساؤلات حول التوقيت، وتزامنه مع صدور نتائج مفاجئة لأول حول عدد الفلسطينيين في لبنان، بعد ما قيل عنه انه أول تعداد رسمي لهم في لبنان، وهذا بالطبع ينسحب على سوريا بشكل أو بآخر في ضوء الأزمة المستمرة.
يأتي القرار الجديد في وقت متزامن مع هجوم صهيوني - أمريكي مشترك على الملفات الرئيسية للحقوق الفلسطينية، في مسعى واضح لتصفية القضية الفلسطينية، وإذا كان إعلان الإدارة الأمريكية عن الاعتراف ب القدس كعاصمة للكيان الصهيوني، يهدد الأرض والهوية وعلاقة السكان بوطنهم ومقدساتهم في فلسطين المحتلة، فإن قضية اللاجئين تمثل أحد موازين ومقاييس الدعم العربي للقضية الفلسطينية، لموقعها كمحور أساسي ثابت في سلة الحقوق الوطنية الفلسطينية، وكسد منيع في وجه محاولات تصفية القضية الفلسطينية .
المساعي الخطرة لتصفية الوجود الفلسطيني في مخيمات اللجوء قديمة، إما عبر اجراءات التوطين المشبوهة، أو عبر اجراءات تخنق الفلسطينيين في هذه المخيمات وتمس بحياتهم على نحو خطر لدفعهم للهجرة لبلدان بعيدة وتجنيسهم في هذه البلدان، هذا حدث بالفعل لجزء من اللاجئين الفلسطينيين في العراق بعد الغزو والاحتلال الأمريكي، هؤلاء الذين انتقلوا لمخيم الرويشد مؤقتا ثم تم تهجيرهم لعدد من الدول الأوروبية .
في الأعوام الماضية وجهت ضربات مختلفة للجوء الفلسطيني، حيث تم إفراغ مخيم اليرموك من سكانه وتهجيرهم، وقبله تعرض مخيم نهر البارد للتدمير، وفي كل مرة كانت العصابات التكفيرية حاضرة لتلعب دورها في استدعاء التدمير والخراب للمخيمات وسكانها.
من المؤكد أن من حق كل بلد عربي تنظيم أوضاعه وأوضاع المقيمين فيه بقوانينه الخاصة، ولكن المؤكد أن قضية اللاجئين ستبقى تخضع للمعايير والقوانين الدولية التي تحدد أوضاعهم وواجبات البلدان المضيفة تجاههم، وكذلك إن توقيت إصدار مثل هذه القرارات، يشكل عامل بالغ الحساسية.
العراق بالنسبة للشعب الفلسطيني هو بلد مختلف عن غيره، فهذا البلد مهما تغيرت نظمه منذ إسقاط الملكية الرجعية فيه، بقي مساند حقيقي لثورتهم وحقوقهم ونضالهم، وبقي عدو حقيقي للكيان الصهيوني، وأي كان الموقف من النظم المتعاقبة في العراق فمما لا شك فيه أن الموقف العراقي من القضية الفلسطينية مستهدف، وقد بلغ هذا الاستهداف خطورة أعلى في مقامات اخرى كما رأينا في المساعي الصهيونية لمحاولة فصل إقليم كردستان العراق.
الموقف الفلسطيني من التطورات المختلفة في قضية اللاجئين والتعامل معهم من البلدان المضيفة لا زال متلعثما، تشوبه الكثير من المشاكل، شأنه شأن الموقف الفلسطيني من العديد من القضايا، ذلك بتأثير التفرد القيادي الذي لم يورثنا إلا الارتباك والعجز وقلة الحيلة وضعف الأدوات، وبدل أن يكون القرار الرسمي الفلسطيني سندًا للاجئين وقضيتهم بات بموقع الشاهد الصامت، الذي يعجز عن قيادة مشروع التحرير الوطني والعودة للاجئين، ويعجز كذلك عن حفظ ظروف حياة كريمة لهم في بلدان اللجوء، وهذا الأمر يتطلب معالجة وطنية كبرى تليق بحجم هذه القضايا والتحديات والأخطار المحدقة بها.

