Menu

الحقيقة فقط

تعبيرية

بوابة الهدف

تستند المقاومة الشعبية بكافة أشكالها إلى ما يمكن وصفه بنبوءة علمية، تقول بحتمية انتصار الشعوب والجماهير على القامعين والمحتلين، أي أن هذه المقاومة هي بنت سياق يبدأ بتحديد معسكر الأعداء والأصدقاء، فيعادي القوى المهيمنة ويؤمن حقاً بإمكانية هزيمتها ولا يبني أي رهانات عليها.

على ذلك لا يتسق الرهان على القوى الامبريالية مع فلسفة عمل الهبات الجماهيرية، فهذه القوى جاءت لتخنق الشعوب وتضمن استمرارية السيطرة عليها، ولن تكافئ تحركاتها بأي تنازلات مهما كان حجم هذا الحراك أو درجة التزامه بمراعاة معايير هذه القوى.

في السياق الفلسطيني توالت الهبات والانتفاضات الشعبية، واستخدمت سلة هائلة من الوسائل التي أبدعها الشعب ضمن سياق نضاله، ولكن باستمرار جرت محاولات لحشر هذا النضال في سقف الرهانات العبثية على عملية المفاوضات والدور الأمريكي فيها، وهو ما استتبع وضع قيود كبيرة على الحركة الجماهيرية، لكي لا تزعج الرعاة الغربيين، بما يفقد هذا الحراك زخمه وقدرته على ابداع وسائله الخاصة في مواجهة الاحتلال.

فعليا ما يجري منذ سنوات هو قمع وتقييد للحراك الجماهيري المتوثب للاشتباك مع الاحتلال، يتخذ هذا القمع احيانا شكل المنع الكامل وفي أحيان أخرى يتخذ معاني الاحتواء أو التقييد والتضييق، هذا يُفرّغ الفعل الجماهيري من محتواه ويحيله لأداة احتجاج رمزي تفتقد القدرة الحقيقية على استنزاف المحتل والضغط على مفاصل منظومته الأمنية والاستيطانية، وكأن المطلوب من الجماهير النزول للشارع والاكتفاء بدور الضحية حيث تقدم الدماء ويحظر عليها القيام بردود الفعل.

يُقدّم اليوم من البعض خطاب فلسطيني متهاوي لا زال يدين علناً أو ضمناً أي محاولة جماهيرية لاستخدام العنف لصد عدوان وجرائم الاحتلال، متناسياً أن الفعل الشعبي هو كل متكامل الأركان، يحضر فيه العنف كرسالة ردع للمحتل عن جرائمه اليومية، كما يتجاوز هذا الخطاب عن طبيعة الصراع مع العدو الصهيوني، والذي لا يمكن فهم الفعل الجماهيري في سياقه كأداة احتجاج، بل هو أداة صراع يفترض ان تلحق أوسع أذى ممكن بالعدو.

التساؤل عن عجزنا في تحويل الهبات الجماهيرية لحالة دائمة ومتسعة من المقاومة الشعبية واسعة النطاق، أو لنموذج فلسطيني من "حرب الشعب" ضد الاحتلال بات معروف الإجابة، فلا يوجد أي استعداد لدى القيادة الرسمية للشعب الفلسطيني على الانغماس في مواجهة من هذا النوع، بل وأكثر من ذلك تعمل المنظومة الفلسطينية الرسمية بمؤسساتها ونخبتها على منع مثل هذه المواجهة، وتنطلق في ذلك من تقديراتها الخاصة، المرتبطة برهانات التفاوض التي ثبت خسرانها وبطلانها طيلة الأعوام الماضية، ومن تفرد في اتخاذ القرار السياسي وتحديد مصير الشعب الفلسطيني.

هذه المأساة على المستوى الفلسطيني ليست من صنيعة مجهول، بل هي نتاج طبيعي للخلل في النظام السياسي الفلسطيني، وفي طبيعة منظومة اتخاذ القرار فيه، وفي نخب اختارت حماية التفرد مستندة لإرث من الارتزاق من المال العام، تنامت وضخمت مصالحها منذ اتفاق اوسلو المشؤوم.

الحد الأدنى من الوفاء للشعب والقضية، وللجماهير العربية المؤمنة بهذه القضية يتطلب فضح هذا الزيف، فنحن ليس لدينا من الدولة إلا الحق بإقامتها وهو ما قد يهدره البعض، وليس لدينا نظام سياسي حقيقي أو حتى شبه حقيقي، ونضيع في متاهات طويلة من التعطيل السياسي يستفيد منها المتفرد في القرار السياسي الفلسطيني، باختصار أن المطلوب اليوم هو الحقيقة، الحقيقة الكاشفة والواضحة التي يجب أن توضع أمام الجماهير من كل القوى السياسية.