كان الملوك ذات يوم يحكمون الشعوب بموجب مقولات عن "الحق الالهي" في الحكم الذي اعتبروا انهم ورثوه، هذا النمط من الحكم المتعالي والمتفرد بالسلطة والقرار كان يجرد المواطن من أي حقوق له، بل وكان يجرد الدولة من أي صفة لها بعيداً عن صفات الملك ورغباته، هذا عهد كنا نفترض أن ثورات الشعوب قد طوته للأبد، وأن الجميع في عصرنا الحالي بات يفهم ويتفق على أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم هي علاقة تعاقدية، أساسها تفويض من الشعب لمجموعة من الأشخاص بقيادة مؤسسات الدولة، ومحاسبتهم على أدائهم في هذه القيادة من قبل الشعب، والقاعدة في ذلك أن الشعب مصدر السلطات.
في حالتنا الفلسطينية اليوم يبدو أن البعض لديه حنين لزمن الملوك الطغاة المتفردين، فيتم تعطيل المؤسسات واختزالها في شخص الفرد، فتصبح قراراته ورغباته سياسة ومصالح عليا ومبادئ لا يجوز مخالفتها، و الأسوأ أنه لا يجوز محاسبته على ما يترتب على هذه السياسات، فلو اجتهدنا في هذه السطور بحثا عن أسم لسياسي فلسطيني تمت محاسبته في السنوات الأخيرة لما عثرنا عليه، فالواقع اليوم أننا أمام حكم الفرد الذي تعطل المؤسسات لأجله وفي المقدمة منها مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية.
يتحمل رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وفريقه الرئاسي مسؤولية تعطيل تنفيذ قرارات المجلس المركزي الفلسطيني المتعلقة بوقف التنسيق الأمني والعلاقة مع الكيان الصهيوني، ويأتي ذلك على بعدين أيسرهما وطأة هو كون اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ورئيسها لم ينفذوا قرارات المجلس المركزي، والأكثر فداحة هو تعطيل هذه القرارات وعدم تنفيذها وتصرفت على نحو معاكس لها بشكل واضح.
هل يمتلك فرد أي كانت درجة أهميته أو أهليته الحق في تعطيل دور المؤسسات، واختزال إرادة ومصالح شعب بأكمله في رغباته؟ وهل تحتمل الحالة الفلسطينية بأي شكل من الأشكال سياسات التفرد والاقصاء والتهميش، وما يترتب على هذه السياسات من تعزيز الانقسام وهدر لحقوق الشعب الفلسطيني.
الاجتماع المقبل للمجلس المركزي الفلسطيني يفترض به أن يكون أداة وهيئة اتخاذ القرار الفلسطيني في مواجهة قرار الادارة الأمريكية الأخير بشأن القدس ، وسلسلة الاجراءات الصهيونية والمساعي الاقليمية لتصفية القضية الفلسطينية، فهل ستمضي الأمور بذات المنطق السابق، الذي تجتمع فيه المؤسسات شكليا فيما تمرر القرارات في موقع آخر.
المطلب اليوم هو مغادرة منطق التفرد، بدءاً بمراجعة القرارات والسياسات التي اتخذت طيلة السنوات الماضية، ومحاسبة المسؤول عنها، أي كانت مكانته أو وظيفته، فالوضع الطبيعي في حكم المؤسسات أن يخضع الهرم السياسي بأكمله لمبدأ المحاسبة ولا يستثنى من ذلك رأس هذا الهرم، وكذلك أن تختط السياسات ضمن المؤسسات لا خارجها، وبرضى الشعب لا رغما عنه.
إن تضحيات شعبنا، وطبيعة المرحلة التي تهدد وجوده، تلزم الاخوة المشاركين في اجتماع المجلس المركزي بالتحلي بمسؤوليتهم الوطنية، واتخاذ القرارات الملائمة التي تعلي مصلحة الشعب الفلسطيني وحقوقه على أي اعتبار آخر.

