" السعودية ثرية جدًا وستعطينا جزء من هذه الثروة".. نطق دونالد ترامب بهذه الجملة في مؤتمره الصحفي مع محمد بن سلمان بلا أدنى مواربة، فلم تكن طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وخدّامها من الحكام العرب الرجعيين، أوضح وأكثر افتضاحاً من هذه المرحلة، حيث يقدم هؤلاء الثروات والأموال العربية طوعاً لسادتهم في الولايات المتحدة، مقابل البقاء في عروشهم.
في ذلك المؤتمر الصحفي تحدث ترامب طويلاً عما سيحصل عليه من أموال السعودية، محددًا ما قيمته حوالي 200 مليار دولار من الصفقات والاستثمارات، أبرزها في صفقات جديدة للسلاح، بخلاف 400 مليار دولار كان قد حصل عليها ترامب من السعودية بنفس الطريقة في زيارته للرياض. وللتمثيل على طبيعة هذه " الصفقات" كعملية غير محسوبة تهدف فقط لنقل المال من ولي العهد السعودي الشاب "32 عاماً"، إلى خزائن وشركات الولايات المتحدة، اشترت السعودية صواريخ مضادة للدبابات من نوع TOW 2B "تاو"، وهو جيل آخر من صواريخ " التاو" التي بدأ إنتاجها في العام 1970 في الولايات المتحدة، وخصص لمواجهة الدبابات السوفييتية التي كان يحتمل أن تجتاح أوروبا الغربية في أي مواجهة عالمية مع حلف الناتو.
المثير للانتباه في صفقة مثل هذه، هو غياب وجود أي عدو محتمل للنظام السعودي يمتلك أو ينوي اجتياحها بالدبابات، فأي من الدول الخليجية المحيطة بها لا تمتلك أعداد وفيرة من الدبابات كما أن النظم الخليجية المختلفة ترتبط مع السعودية بتحالفات وثيقة، إلا إذا استثنينا قطر ، الدولة الصغيرة، وتخيلنا أنها ستحاول اجتياح السعودية، شاسعة المساحة ببضعة آلاف من جنودها ومواطنيها، وطبعاً تدلل هذه الصفقة على العقلية العسكرية الاستنزافية للموارد والإمكانات، التي تسيطر في "مؤسسات الدفاع السعودية" وفي نظام الحكم العائلي أساساً. فمثلاً، إيران التي تصنفها السعودية كعدو، لا تعتمد على الدبابات كأداة قتالية رئيسية في جيشها، وتستخدم خليط مختلف من الأسلحة الهجينة في استراتيجيتها القتالية، وبالتالي ربما يظن البعض أن السعودية قد اشترت صواريخ "تاو" بقيمة 670 مليون دولار لتواجه دبابات "إسرائيل"، في إطار دافعها عن فلسطين وشعبها، فهي دولة احتلال، وتحتل "أول القبلتين، وثالث الحرمين بعد الحرم المكي، الذي يسيطر عليه ابن سلمان، وكذلك هي (أي إسرائيل) من الأكثر امتلاكاً للدبابات في المنطقة، من يظن بهذا عليه أن يعيد قراءة تاريخ وحاضر آل سعود جيداً، كي يعرف من أين أتتنا الهزيمة؟!
الحقيقة يعلمها الجميع بأن ابن سلمان لم يكن يشتري السلاح، بل يعطي المال لترامب فحسب نظير حصوله على دعمه، أي أنه يشتري العرش السعودي من دونالد ترامب، والاحتمال الأسوأ بخصوص مصير هذه الصواريخ، هو استمرار السعودية وغيرها من نظم الرجعية العربية في العدوان الغاشم على اليمن وتزويد الحركات التكفيرية بها، التي تحرق بلداننا العربية، وبالطبع يعطي شركات التصنيع الامريكية المال والفرصة لإطلاق برامج جديدة لتصنيع الصواريخ المضادة للدبابات من أجيال وأطوار أحدث.
هذه الصفقة ليست الأكبر قيمة بين الطرفين وليست الأولى وبالتأكيد لن تكون الأخيرة، فولي العهد السعودي، الذي يدعي قيادة بلاده نحو التحديث، لديه مفهوم واحد لهذا التحديث وهو الالتزام بالشروط والتعليمات الأمريكية، ومن يظن أن لدى هذا الرجل هموم حقيقية بخصوص تحديث بلاده وحفظ مصالحها وبناء مستقبلها، ليتابع مساعيه لبيع شركة أرامكو (الأمريكية) القابضة على نفط المملكة الخليجية الثري، وبالطبع جميعنا نعلم أين ستذهب السيولة النقدية المتأتية عن عملية البيع هذه.
باختصار نحن نتكلم عن أبشع تجليات سلوك حكام النظم الرجعية العربية، وهي استخدام أموال العرب في تمويل الحملات الأمريكية العدوانية ضد المنطقة، وتمويل سياسات تصنيع السلاح الأمريكي المخصص لقتل وقهر وإبادة الملايين حول العالم، وليس من الهامشي أن نذكّر أن هذا يتم في ذكرى الحرب الأمريكية على العراق، التي مزقت ذلك البلد العربي وقتلت وجرحت الملايين.
أخيراً، لن يُشفى الجسد العربي، إلا إذا استؤصل منه هذه الرجعيات وما تمثل.

