بينما تمضي جماهير شعبنا في خياراتها الكفاحية، ومقاومتها الشعبية، مقدمة التضحيات والشهداء، يتصاعد النفس المهزوم من ذات الشرائح صاحبة المشاريع المأزومة، لتكيل طعناتها في ظهر جماهير شعبنا المنتفضة، بداية من الانتقاص من فعل الجمهور وتضحيات الشهداء، وليس انتهاء بفتح قنوات التطبيع العلني مع العدو الصهيوني.
ليس هناك طريق أقرب للسقوط السياسي من الهزيمة من الداخل، وهذا هو ما حكم تصريحات أولئك المراهنين مجدداً على قنوات اتصالهم مع العدو الصهيوني ووسائل إعلامه، وفي الوقت الذي يعمل فيه شعبنا على عزل الكيان، ويزداد التفاف أحرار العالم حول هذه الدعوة، يتقدم ساسة فلسطينيون ممن يدعون أنهم على النقيض مع نهج المفاوضات ليقوموا بأنشطة تطبيعية مع الإعلام الصهيوني، في خرق فاضح لمعايير وأدبيات مقاطعة العدو، هذه المعايير التي يطالب الشعب الفلسطيني والمتضامنين معه أحرار العالم بالالتزام بها، على أمل الانتقال لمرحلة فرض العقوبات على الكيان الصهيوني.
جهود التطبيع تأتي مجدداً ضمن سياق متصل يستخدم فيه الإعلام الصهيوني بعض الفلسطينيين ممن ضلوا الطريق كأداة لشرعنة التطبيع العربي وصد محاولات مقاطعة وعزل الكيان الصهيوني، ولا نعرف هنا حقاً إذا كان بإمكاننا عزو هذا الاندفاع نحو التطبيع مع العدو للجهل، فالحديث هذه المرة عن شخصيات تحضر في المشهد الفلسطيني بحجة خبرتها السياسية، هذه الخبرة التي يبدو أنها تقتصر في الاستعلاء على خيارات جماهير شعبنا، هذه الجماهير التي قالت كلمتها بالدم والشهادة وأوضحت أنها اختارت المواجهة والاشتباك مع هذا العدو أي كان الثمن.
ويبدو أن هناك فريق فلسطيني وعربي لم يشبع بعد من الرهانات الإقليمية الخاسرة، القائمة على بناء تحالفات معادية لشعوب المنطقة، لا تستثني الكيان الصهيوني، بل وتؤيد احتلال مواز لأراض عربية أخرى على يد الحلفاء الإقليميين لهذا الفريق، كما لو أن الرهانات الاقليمية الخاسرة لهذا الفريق بالذات لم تكن كافية بكل ما جلبته على شعبنا من ويلات وخسائر.
ولا يمكن تجاهل هذه الرهانات الخاسرة في الساحة الفلسطينية عن نظيرتها العربية، فقد كان اعتراف ولي العهد السعودي بالكيان الصهيوني وبيهودية هذا الكيان، تعبيراً واضحاً عن رغبة النظم الرجعية العربية في التطبيع الكامل مع الكيان الصهيوني، بل والأسوأ في التعاون الكامل مع هذا الكيان ضد شعوب المنطقة، وهو ما يضعنا كفلسطينيين وعرب أمام تحدي أساسي يتمثل في ضرورة إسقاط المخططات التصفوية التي تنسجها هذه العصبة لتصفية القضية الفلسطينية، وذلك يبدأ بتحصين البيئة الشعبية فلسطينياً وعربياً من الاختراق، والانتقال من إدانة المطبعين مع الكيان الصهيوني لمحاسبتهم، فليس التطبيع إلا مدخل للتعاون مع هذا الكيان، وعداء سافر للشعب الفلسطيني وقضيته وكذلك للشعوب العربية على اختلاف أقطارها.
إن العنوان الذي رفعته جماهير شعبنا يستحق العمل لحشد الجميع حوله في وطننا العربي وفي مختلف دول العالم، وما أثبتته هذه الجماهير من صلابة وقدرة على المقاومة وابتداع للبدائل في مواجهة العدو، يستحق الاحترام والتقدير والالتفاف حوله، وبالحد الأدنى يستحق وقف المحاولات الانتهازية الضيقة والرهانات الإقليمية التي قوامها وركيزتها الأساس إهدار مركزية الصراع مع العدو الصهيوني، والبحث عن أوهام لمستقبل من التبعية لبعض دول الاقليم وأوهامها في استعادة امبراطوريتها الزائلة، وكأن شعوبنا قد قاتلت كل هذه السنوات للتخلص من المستعمر ليأتي فريق عربي أو فلسطيني ويستثمر في استجلاب مشروع هيمنة استعماري آخر.

