منذ مطلع هذا العقد تبارى المحللون السياسيون في تفسير السياسة الأمريكية تجاه “الشرق الأوسط”، ليعلن بعضهم على عجل أن أمريكا ستنسحب من المنطقة، ذلك في عهد إدارة باراك أوباما، ويؤكد بعضهم مجددًا أن أمريكا ستعود للمنطقة بعد انتخاب ترامب رئيسًا للولايات المتحدة.
هناك خلل أساسي في هذا السياق من التنبؤات، فهو يستند أساسا لتخيل السياسة الأمريكية والإمبريالية في المنطقة عبر تحليل استجابتها لمطالب نظم الرجعية العربية، فهذا العنوان حينما طرح على موائد التحليل السياسي لم يكن إلا احتجاج سعودي مارسه الكتَّاب، ف السعودية ونظم الرجعية العربية خشيت فعلا من انسحاب أمريكي يتركها في مواجهة شعوب المنطقة، أو في مواجهة إيران كما يحلو لها أن تقول، ومارست احتجاج حقيقي يطالب ببقاء أمريكا عسكريا في المنطقة وتوسيع عدوانها على شعوبها، وهو ما كان عليها أن تدفع ثمنه بكثير من المال في عهد ترامب، وهو أيضا ما يتنافس فيه بعض هذه النظم من خلال استضافة القواعد الأمريكية.
ذلك ليس بالجديد على القارئ وليس المقصد من هذه السطور شرح المزيد عن سقوط هذه النظم و ارتهانها التام للعدو الإمبريالي ورأس حربته الولايات المتحدة وجيوشها و اساطيلها ، ولكن الغرض هو مقاربة التطورات الطارئة على أنماط التواجد الغربي العسكري وأدوات العدوان في منطقتنا وعلى أراضينا وشعوبنا.
صفقات السلاح الكبرى لنظم الرجعية العربية ليس هدفها فقط جني المال للخزائن الأمريكية من هؤلاء الحكام، ولكن يجري على نحو متزامن زيادة القدرات التسليحية لهذه النظم، وتشكيل تحالف أمني بينها وبين الكيان الصهيوني، ذلك في إطار منظومة أمنية يجري تحضيرها لتقوم بمهام حراسة المنطقة بتوجيه وإشراف أمريكي.
النماذج المختلفة لعمل العربي مع عدوه ضد أمته وشعوب المنطقة حاضرة، وواحد من أسوئها على الإطلاق كان في فلسطين، حيث تعمل الأجهزة الأمنية الفلسطينية بتنسيق أمني مع جيش الاحتلال وأدوات أمنه، بإشراف أمريكي، مما سمح بتشكل منظومة أمنية تحرس مصالح الاحتلال دون أن يضطر الاحتلال بنفسه للقيام بذلك، الآن يتم تعميم هذا النموذج على المنطقة ككل، او استنباط نموذج تعمل فيه الجيوش والنظم الأمنية العربية بتنسيق مع العدو الصهيوني في خدمة السياسة الأمريكية في المنطقة.
سيدفع العرب ثمن العدوان الأمريكي ليس من دولاراتهم فحسب كما جرت العادة، ولكن من دماء أبناء الجيوش العربية، الذين تسوقهم نظم الخزي للعمل مع كل أشكال العدوان و دوله، وهو ما أعلنه بلا أي لبس الرئيس الأمريكي الحالي، ويبدو أن هناك استعداد من هذه النظم للشروع فيه في سوريا، بعد أن قدمت نموذجًا له في اليمن حيث حظيت قوات العدوان باستشارات ودعم وتسليح وبإشرافٍ استخباري غربي وصهيوني.
يبدو أن الحديث عن ضرورة تشكيل جبهة مقاومة موحدة، إزاء جبهة العدوان المتشكلة غير كافي، بل بات المطلوب وضع هذه المهمة على طائلة المحاسبة لكل الساسة في معسكر المقاومة وكل القوى المعادية للاستعمار في هذه المنطقة، فكل هذا التأجيل والتباطؤ يعني مزيدًا من الدم المسفوك على مذبح المصالح الأمريكية.

