Menu

قانون القوميّة: استهداف الكُل الفلسطيني

رازي نابلسي

أثارت مصادقة الكنيست الإسرائيليّ على قانون القوميّة أسئلة عدّة، حول القانون وإسقاطاته وتأثيراته. وعلى الرغم من أن غالبيّة التحليلات والقراءات بدأت تشير إلى إسقاطات القانون على الفلسطينيين في الداخل إلّا أن هذه الورقة ستعمل على قراءة القانون وتأثيراته على الفلسطينيين عامّة، كقضيّة ورواية وسياسة.

كما تركز الورقة بالموازاة، على إيضاح أهميّة دحض مقولة أن القانون يؤثّر أساسًا على الفلسطينيين في الداخل، والخطورة الكامنة في حصر تأثيرات هكذا قانون أساس، جوهريّ، على الفلسطينيين داخل أراضيّ العام 1948، وخاصة أنه لا يحدّد حدود "دولة إسرائيل" التي يكون فيها حق تقرير المصير حصريًّا لليهود، بل يذهب إلى اعتبار "أرض إسرائيل" في بنده الأول "مولد الشعب اليهوديّ" التي بنى عليها "دولة إسرائيل".

لا يحدّد القانون حدود دولة إسرائيل، ولكنّه يحدّد موقعها في أرض إسرائيل، التي تشمل الضفّة الغربيّة والجولان السوريّ المُحتل، والخليل مع الجليل. وهذا ما يجعل من حدود سريان القانون على كامل فلسطين التاريخيّة وليست محصورة في الداخل، أو الضفّة، أو غيرها، بل ينظر إلى أرض إسرائيل كوحدة واحدة.

لا إسقاطات مباشرة عينيّة يمكن الإشارة إليها على أنّها ناتجة عن القانون، وفي ذات الوقت يؤثّر القانون على جميع الإسقاطات المباشرة العينيّة لأي قانون، أو حالة أخرى.

ليس هذا القانون كباقيّ القوانين التي تؤثّر على منحى من مناحيّ الحياة، ولا يُعنى بشأن واحد، ولا يمكن حصره في جانب أحاديّ من جوانب الحياة، فهو يؤثّر على كافة القوانين، والقرارات القضائيّة، وكُل ما ينظّم الأمور الحياتيّة والسياسيّة. وبصورة أدق، فإن القانون فوق دستوريّ، يدخل في تفسيرات وتعديلات جميع القوانين اللاحقة له، والسابقة له أيضًا. إذ مثلًا، في كُل حالة سيكون في السؤال "الديمقراطيّة" أو "اليهوديّة" سيكون الجواب تفضيل المصلحة اليهوديّة على مبدأ الديمقراطيّة، بدءًا من الميزانيّات والتمييز في توزيعها بين عربي ويهوديّ، وصولًا إلى تهجير العربيّ من منزله لأجل توطين اليهوديّ.

أمّا على صعيد عمليّ، فإن هذا التوازن لم يكن موجودًا البتّة، والسعيّ له بحد ذاته، أو المُطالبة بتحقيقه، لعبت عليه كافة المؤسسات الحقوقيّة تقريبًا في عموم فلسطين، وتحديدًا في قضايا الأرض والمسكن والحريّات والحقوق، ونشطت من خلاله وعبره كافة النخب السياسيّة في الداخل الفلسطيني.

من هذا الباب، عندما يكون النقاش حول مبدأ الديمقراطيّة ويهوديّة الدولة، فإن القانون يرجّح كفّة اليهوديّة على حساب الديمقراطيّة في كافة مجالات الحياة تقريبًا، منها الحقوقيّة والسياسيّة أيضًا. وهنا تحديدًا يقسم القانون الحالة الفلسطينيّة إلى اثنتين: أولًا، مواطنة فرديّة منقوصة للفلسطينيين في الأراضيّ المحتلة العام 1948، حيث تقوم اليهوديّة في حال تعارضها مع الديمقراطيّة بإلغاء الثانية لصالح الأولى؛ وثانيًا، إلغاء كافة الحقوق الجماعيّة للفلسطينيين عامة في أرض فلسطين، وعلى رأسها حقهم في تقرير مصيرهم السياسيّ، ويعتبر البناء الاستيطانيّ في عموم فلسطين، في النقب كما هو في الخليل، ذا قيمة قوميّة عليا.

ومن هذا الباب أيضًا، فكما أن القانون لا يمكن حصره في منحى واحد من مناحيّ الحياة، ويعمّم على كافة السلوك السياسيّ والقضائي الإسرائيلي تجاه الفلسطينيّ، فإن حصر إسقاطاته على تجمّع واحد فلسطينيّ في أراضيّ 1948 يعد تقليلًا من شأن القانون وإسقاطته، ويحمّل الفلسطينيين في الأراضي المحتلة مسؤوليّة التصدّي له، في الوقت الذي يؤثّر القانون في صلب الرواية الفلسطينيّة أساسًا التي ينطوي تحتها الفلسطينيّ في كُل مكان.

على الرغم من أن القانون لم يحدّد على سبيل المثال حدود "الدولة اليهوديّة" وحدّد أرض إسرائيل الممتدّة على فلسطين التاريخيّة حتّى الأردن ليتم عليها توسّع الدولة اليهوديّة، وبضمنها القدس الكاملة التي تشكّل مساحتها 10% من مساحة الضفّة، إلّا أن تركيبة السياسة الإسرائيليّة التي دعمت القانون وقدّمته وأقرّته، لها أجنداتها وطموحها وسياساتها الواضحة: إسرائيل الكبرى. وهذا ما يؤكده: السعيّ المستمر لضم الضفّة قانونيًا للسيادة الإسرائيليّة؛ الاستيطان في الضفّة والجولان والنقب؛ توصية أعضاء مركز الحزب الحاكم "الليكود" بالعمل على ضم الضفّة الغربيّة؛ سيطرة المستوطنين على مفاصل الحكم والسياسة؛ مُعارضة ترفض الانسحاب من الضفّة وتؤيد ضم الكُتل ... إلخ من المؤشّرات التي تدلّل على أن إسرائيل تنويّ تعميم سيادتها القانونيّة على عموم المناطق الفلسطينيّة، ما يجعل القانون أداة أخرى على طريق تحقيق "إسرائيل الكبرى".

في المقابل، أشار مؤيّدو القانون إلى تكامله مع كُل ما هو ناقص في وثيقة الاستقلال التي تنص على أن "دولة إسرائيل ستكون مفتوحة للم شمل اليهود في العالم؛ تطوّر الأرض لجميع المواطنين؛ تعمل على تحقيق المساواة الاجتماعيّة والسياسية لجميع المواطنين بدون تفرقة في الدين واللون والعرق؛ تحفظ حرية التعبّد، والمبدأ والتربية والتعليم...".

للوهلة الأولى، يبدو التعارض قائما ما بين تفضيل اليهوديّة وما تنص عليه وثيقة الاستقلال من حقوق متساوية لجميع المواطنين، إلّا أنه وفي الحقيقة فإن القانون والوثيقة يكمّل كُل منهما الآخر: الحقوق الفرديّة محفوظة، ولكن الحق في تقرير المصير الجماعيّ حصريّ لليهود. وهذا ما يدل على أن لا مشكلة لدى إسرائيل في أن يُطالب العربيّ الفلسطينيّ في حقوقه لطالما لا تزال حقوقه، وطموحاته، ووجوده، ومطالبه، وحتّى أحلامه لا تتعارض مع الصهيونيّة.

وهنا، يتطرّق القانون مرّة أخرى إلى الفلسطينيين في الداخل، وإلى محدوديّات المواطنة التي يحملونها على أنّها مواطنة فرديّة. ولكنه وبالموازاة، يضرب من الجانب الآخر الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة عمومًا حين يختزل الحق بأنّه فرديّ للفلسطينيّ في أراضيّ 48 ويلغي الحق كليًا للفلسطينيّ عمومًا، خاصة في الضفّة والشتات وغزّة، إذ ينص القانون مرّة أخرى على حق اليهود الحصريّ بالعودة إلى دولة إسرائيل، ولكّنه حين يتعامل مع غير اليهوديّ من المواطنين فإن له الحقوق الفرديّة لا غير، أمّا غير اليهوديّ الذي لا يتمتّع بالمواطنة فهو بحسب القانون غير مرئيّ كليًا.

إذا كان القانون يكرّس المواطنة المنقوصة للفلسطينيين في الداخل، فإنه في ذات الوقت يكرّس الإلغاء الكلّي للفلسطينيّ في مناطق غير 1948. وإن لم تكن الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة برمّتها لم تفهم حتّى اللحظة أن القانون يشرعن إلغاء وجودها السياسيّ وحق شعبها الذي تمثّله، فعليها أن تفهم ذلك وتفهم أن جوهر القانون إلغاءَ الرواية الكاملة التي تستند إليها السياسة الفلسطينيّة: الحق في أرض فلسطين وتقرير المصير عليها.

من هذه الرسائل، يُفهم أن القانون لا يستثني أحدًا من الكُل الفاعل الفلسطينيّ، لا الضفة ولا القطاع ولا الشتات ولا الداخل، بل على العكس تمامًا يتوزّع ليشمل الكُل الفلسطينيّ الذي يعيش تحت سطوة الاحتلال ومنظوماته المختلفة كُل حسب الظرف السياسيّ الذي يعيشه.

في هذا الموقع، فإن حصر القضيّة في أراضي 1948 يجعل من الرد عليها، والتصدّي لها، والتحضير للقادم بحسبها غير مُكتمل وغير كامل وغير مجدٍ أيضًا. فلا يمكن، ولا بأي شكل من الأشكال، التصدّي وفق قراءة مغلوطة. وفهمنا للقانون، يعني بالضرورة، فهمنا لآليّات التصدّي له، والعكس صحيح. ومثل هكذا قانون، يشكّل في الحقيقة خطوة إضافيّة ومهمة، على طريق إلغاء الوجود الفلسطينيّ وبطرق مُختلفة: رواية؛ مكانة؛ حق؛ سياسة وأرض وسيادة.

أمام مثل هكذا رسالة متعدّدة العناوين، يشكّل البقاء في حالة الجمود السياسيّ دربًا من دروب الانتحار. فإسرائيل، وبعد تجربة عاشها الفلسطينيون معها تقوم بالتالي: تستوطن ثم تفاوض؛ تبني وتبني ثم تبحث الشرعيّة؛ تنشر السلاح في الداخل ومن ثم تبنيّ مراكز الشرطة؛ تبني البنى التحتيّة والطرق السريعة من غور الأردن حتّى الساحل، ومن ثم تبدأ بالحديث عن "قانون الضم"؛ تهجّر أكثر من 500 قرية فلسطينيّة ومن ثم تُعلن دولة القانون الديمقراطيّة؛ومن ثم تأتي في نهاية المطاف لإعلان شرعنة هذا كلّه عبر "قانون القوميّة".

ومن هنا يأتي السؤال: ما القادم إذا كان الآنيّ إعلان وقوننة الحق في تقرير المصير على أرض فلسطين التاريخيّة على أنّه حكر لليهود؟ إن هذا لا لبس به، فلا دلالة عليه إلّا أن حق تقرير مصير كُل من هو غير يهوديّ على أرض فلسطين محصور في يد دولة اليهود وهي تقرّر مصيره، وهذا ما قامت إسرائيل بإثباته أيضًا على مدار أكثر من 70 عامًا من استعمارها أرض فلسطين.

إن حصر إسقاطات القانون في الداخل، أو تهميش إسقاطاته على الضفّة وغزّة والشتات، يحمل في جوهره تنصّلا من المسؤوليّة الملقاة على عاتق كُل من العناوين، بالإضافة إلى البعد الأهم: إن التعامل مع قانون جوهريّ فوق دستوريّ من باب خصوصيّة الداخل وخصوصيّة ظرفهم السياسيّ، ما هو إلّا تعميق للأزمة التي يجب الخروج منها أصلًا.

إن الرسالة الأساسيّة من القانون: وحدة اليهود واحتكار السياسة اليهوديّة على أرض فلسطين. والرد، على هكذا رسالة بالمزيد من التفتّت، والمزيد من السلوك السياسيّ الفردانيّ المقسّم بحسب المناطق والتجمّعات، ما هو إلّا هروب إلى الوراء بحثًا عن ديمقراطيّة إسرائيل من جديد، وليس عن وحدة المصير السياسيّ، مع التشديد على السياسيّ للفلسطينيين حيث: مصير واحد، قرار واحد، إستراتيجيّة واحدة وهدف واحد متّفق عليه، بالإضافة إلى مؤسّسة واحدة سياسيّة فلسطينيّة يصدر عنها قرار واحد، يحدّد مصير الفلسطينيّ في النقب والجليل وبيروت والأردن وغزّة. وهذا ممكن، إذا توفّرت الإرادة السياسيّة لأجل مراجعة الخطأ الأكبر تاريخيًا: إخراج الفلسطينيّ بالداخل من الحالة، والنظام السياسيّ الفلسطينيّ برمّته وتركه للسياق الإسرائيليّ حتّى تكريس المواطنة المنقوصة بقانون "قومية اليهود" ونفي "قومية العرب" على أرض فلسطين.