كان لى شرف المشاركة فى ورشة العمل الأولى عن «العلاقات السعودية- المصرية» التى نظمها معهد الدراسات الدبلوماسية التابع لوزارة الخارجية السعودية بالتنسيق مع المعهد الدبلوماسى التابع لوزارة الخارجية المصرية ومركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية. عقدت هذه الورشة يومى 1 و2 يونيو الحالى بالعاصمة السعودية الرياض وشارك فيها نخبة من أعضاء مجلس الشورى (البرلمان) وأساتذة الجامعات والمحللين السياسيين فى عدد من الأجهزة الحكومية السعودية. وللحق من الواجب أن أؤكد أن الأشقاء السعوديين كانوا على أعلى مستوى من التأهيل والاستعداد لإجراء حوار علمى يحكمه الصدق والمكاشفة وحرية الرأى باعتبار أن هذه الأمور من أهم مرتكزات إنجاح الحوار الذى نريده والنتائج التى نبتغيها.
وإذا كنا قد اتفقنا على أن تكون جلسات هذه الورشة مغلقة وبعيدة عن التداول الإعلامى، وأن تكون استخلاصاتها أمانة فى يد وزارتى الخارجية فى البلدين، على أن يتوالى انعقاد مثل هذه الورشة بالتبادل بين الرياض والقاهرة لاستكمال مشوار التأسيس لمشاركة إستراتيجية مصرية- سعودية باتت حتمية لتقوم بدور «القاطرة» القادرة على مواجهة التحديات الهائلة التى تواجه الأمة العربية، فإنني، وإن كنت غير مفوض بالحديث عما دار داخل هذه الورشة من حوارات وما طرح من رؤى وأفكار، لكننى استطيع أن أقول إنها كانت بداية موفقة لحوار مسئول كشف عن وجود فجوة بين البلدين فى إدراك أولوية مصادر التهديد بين ما هو آجل وما هو عاجل، فالسعودية تعطى الأولوية لمواجهة ما تعتبره «خطراً إيرانياً» وهى فى سبيل ذلك تخوض مواجهات ضد إيران فى سوريا وفى العراق وفى لبنان وأخيراً فى اليمن، فى حين أن مصر، وإن كانت لا تهون أبداً من خطر المشروع الإيرانى وأطماع إيران «الإمبراطورية» فى وطننا العربي، فإنها تعتبر هذا الخطر الإيرانى خطرا آجلاً، فى حين تعطى كل الأولوية لمواجهة خطر «الإرهاب التكفيرى»، الذى يتهدد ثلاث أولويات مصرية وعربية فى آن واحد.
ف مصر ترى أن هذا الإرهاب خطر يتهدد وحدة الأوطان، يتهدد الدول العربية ويسعى إما إلى تفكيكها وإسقاطها، وأما إلى تحويلها إلى «ولايات إسلامية» ضمن دولة الخلافة التى يسعى إليها مشروع هذا الإرهاب التكفيري. كما أن الإرهاب خطر يتهدد الدين الإسلامى ويشوهه، ويطلق الحرب الطائفية التى تمزق وحدة العقيدة ووحدة الدين، وهذا الإرهاب يهدد فوق ذلك الأمن القومى العربي، لأنه يسقط الجيوش ويفكك الأوطان وما حدث وما يحدث فى العراق وسوريا وليبيا واليمن أكبر دليل على فداحة هذا الخطر، ولذلك تعطيه مصر كل الأولوية، وترى أن مواجهته والقضاء عليه ستعطيان لنا على مواجهة كل مصادر التهديد الأخرى وفى مقدمتها إيران.
وكما استطاعت حوارات هذه الورشة أن تكشف فجوة إدراك أولوية مصادر الخطر والتهديد بين القاهرة والرياض، فإن هذه الورشة كشفت أيضا عن أن الإعلام المرئى والمكتوب لعب ويلعب دوراً مهماً فى تشويه الإدراك المتبادل للقضايا المركزية والحيوية العربية بين القاهرة والرياض، وعلى الأخص ما يتعلق بكل من الأزمتين السورية واليمنية.
الأزمة السورية تعد أبرز النماذج سواء بالنسبة لما يتعلق بتباين الإدراك المصرى والإدراك السورى لمعالجة هذه الأزمة بين أولوية الحل العسكرى كما تراه السعودية وأولوية الحل السياسى كما تريده مصر، أو بالنسبة للدور السيئ الذى يقوم به الإعلام فى تعميق فجوة الإدراك هذه ومحاصرة فرص التلاقى المصري- السعودى لحل هذه الأزمة، وقد تأكد ذلك فى التشويه الإعلامى السعودى المتعمد لمؤتمر المعارضة السورية الذى دعت إليه مصر. فقد استبق بعض الإعلام السعودى انعقاد مؤتمر المعارضة السورية يومى 8 و9 يونيو الحالى فى القاهرة بالترويج لأفكار خاطئة تدعى أن مصر تريد من هذا المؤتمر إيجاد بديل لـ «الائتلاف الوطنى السورى» الذى مقره اسطنبول بتركيا، وأن هدف هذا المؤتمر، وكما تريده مصر «هو قطع الطريق على دعوة سعودية لعقد اجتماع واعد للمعارضة السورية بموافقة قطر ية تركية، بمشاركة الائتلاف الوطنى السوري، والجيش الحر، والقوى المقاتلة الفاعلة على الأرض خاصة المنضوية فيما يسمى «جيش الفتح» الذى يضم بين ما يضم من تنظيمات جهادية ما يسمى «جبهة النصرة» وهى تنظيم القاعدة فى سوريا.
المتأمل فى تلك القوى المدعوة لذلك الاجتماع يكتشف أنها القوى التى مازالت ترى أن الحل العسكرى للأزمة السورية هو الحل الأمثل لإنهاء الأزمة السورية عبر إسقاط بشار الأسد ونظامه، فى حين أن المؤتمر الذى نظمته القاهرة لم تكن له أية علاقة بكل ما جرى الترويج له من أكاذيب، فهو لم يسع لتأسيس تنظيم أو خلق قيادة بديلة للمعارضة السورية تخضع للقاهرة كما أكد ذلك وزير الخارجية المصرى سامح شكرى فى كلمته الافتتاحية بذلك المؤتمر، الذى ضم فى عضويته القوى المؤمنة بالحل السياسى للأزمة السورية وبالحفاظ على سوريا موحدة والحيلولة دون انهيار الدولة السورية، كما أن عنوان المؤتمر كان «من أجل الحل السياسى فى سوريا»، فضلاً عن أنه استهدف التوصل إلى «خريطة طريق للحل السياسى التفاوضى من أجل سوريا ديمقراطية»، والتوصل إلى مشروع «ميثاق وطنى سوري» يتضمن رؤية سوريا الجديدة كما يريدها هؤلاء المعارضون.
مصر انحازت إلى هذه الرؤية ونجح مؤتمر القاهرة فى إقرار «خريطة طريق الحل السياسى التفاوضى» ومشروع «الميثاق الوطنى»، على الرغم من تعمد المعارضة الموالية لتركيا والسعودية وقطر مقاطعته، وكل ما أرادت مصر تأكيده أمام هذا المؤتمر، وكما جاء على لسان وزير خارجيتها، أن التجربة أثبتت أن مواجهة خطر التنظيمات الإرهابية وإعادة توحيد الأراضى السورية لن تتحققا دون التوصل إلى تسوية سياسية مبنية على وثيقة «جنيف»، كما حرصت مصر على كشف المحددات الحاكمة لموقفها من الأزمة السورية ورؤيتها لذلك المؤتمر بتوضيح أن الوجود المصرى فى الأزمة السورية يتأسس على «دعم شعب شقيق ورعاية خياراته وتطلعاته وطموحاته المشروعة للتغيير وبناء دولة تعددية ديمقراطية تساوى فى الحقوق والواجبات بين كل السوريين أياً كانت انتماءاتهم.. دولة مؤسسات موحدة، وذات سيادة على جميع الأراضى السورية».
هذا ما تريده مصر من خلال الانحياز لحل توافقى أوضحته بجلاء وثيقة «خريطة الطريق للحل السياسى التفاوضى من أجل سوريا ديمقراطية» التى أقرها مؤتمر القاهرة، وهى الوثيقة التى ارتكزت على قاعدتين؛ أولاهما، استحالة الحسم العسكرى ومأساويته واستحالة استمرار منظومة الحكم السورية الحالية. التى لا مكان لها ولا رئيسها فى مستقبل سوريا. وثانيتهما، اعتبار الحل السياسى التفاوضى هو السبيل الوحيد لإنقاذ سوريا. ومع ذلك كان هناك من حرصوا على تشويه الموقف والدور المصرى وتوسيع فجوة الخلاف بين القاهرة والرياض.
ما حدث من تشويه متعمد ومسبق لمؤتمر المعارضة السورية الذى عقد بالقاهرة، وما تكشف قبله فى الورشة الأولى للعلاقات السعودية- المصرية التى عُقدت بالرياض من وجود بعض التباين فى إدراك أولويات مصادر الخطر والتهديد وطرق مواجهتها يفرض على البلدين ضرورة إبداء الحرص الكافى على الحوار المسئول والمكاشفة والمصارحة فى التعامل مع كل القضايا الخلافية إذا كنا نريد فعلاً تأسيس مشاركة باتت حتمية لتأمين «العبور الآمن» للعرب من كل ما يواجهونه من مخاطر وتهديدات.
نقلاً عن: الأهرام

