Menu

الهدنة مواقف ومحاذير

محمد حجازي

بدون أدنى شك أن الانقسام الفلسطيني أحدث خراباً في بنية الحالة الفلسطينية ، لدرجة أن تصحيحها بات أمراً  صعباً ، تحولات عميقة حدثت في بنية حركة فتح ، من فتح الثورة إلى فتح السلطة حيث المصالح والامتيازات ، خلقت واقعاً رديئا في البنية السياسية الفلسطينية ، سيطرت السلطة على منظمة التحرير الفلسطينية أفقدها هويتها الجامعة ، وتحولت إلى بنية رديفة من بنى السلطة ،  التي تعيش تحت الاحتلال تتحكم بها قائمة طويلة من الالتزامات التي فرضها إتفاق أوسلو.  حماس من الجهة الأخرى التي سيطرت على قطاع غزة منذ أكثر من أحد عشرة عاماً ، قدمت نموذجاً  ردئياً وفاشلاً في الحكم ، باتت لا تتخيل نفسها خارج الحكم أو معارضة له ، أدخلت نفسها في معادلة صعبة وهي تعلم أن زمن الإسلاميين في الحكم تراجع كثيراً، وأن العالم والإقليم وخاصة العرب يرفضونها ، وتعلم أيضا أن "إسرائيل" تعتبر حكم حركة حماس في قطاع غزة هو مصلحة خالصة لها ، وخيارات "إسرائيل" ما زالت تراهن على ذلك لضمان انقسام الفلسطينيين والمس بوحدتهم السياسية، لضرب حل الدولة الفلسطينية المستقلة، ولكن هذا لا يكفي لضمات حكم حركة حماس أمام حالة التدهور غير المسبوق في حالة القطاع  من الناحية الإنسانية ، حيث وجدت نفسها أمام خيارات صعبة ، وكانت مسيرة العودة والبالونات الحرارية فرصة لتحسين صورتها وامتلاكها لورقة هامة لفك الحصار عنها وفك العزلة , ووضعت ذلك في مواجهة المصالحة، حيث حسنّت شروطها كثيراً.  ووصلت الأمور إلى مفاوضات غير مباشرة بينها وبين "إسرائيل" من خلال وسطاء مثل مصر والسيد ممثل الأمين العام للأمم المتحدة  نقولاي ملادينوف ،  الذهاب لهدنة طويلة  أو تهدئة  رأت الحركة فيهما فرصة أولاً للتغلب على العزلة الدولية والعربية، وثانيا للاعتراف بها  كقوة فاعلة ومؤثرة ، وثالثاً حل مشاكل قطاع غزة الكبيرة،  مثل: الماء والكهرباء و البنية التحتية و استكمال إعادة الإعمار .... إلخ،  ومن ضمن هذا أنه سيكون لها علاقة مباشرة بالإشراف على  كل المشاريع التي ستدخل للقطاع ، وأعتقد أن السبب الأكثر أهمية هنا هو رابعاً، تجنب شطبها من خلال قيام "إسرائيل" بحرب قد تطيح بحكم حركة حماس  في القطاع ، هذا فيما لو اهتزت مسألة قدرة "إسرائيل" على التعايش مع  مستوى إطلاق المقذوفات والصواريخ من قطاع غزة ، ويبدو أن حركة حماس استفادت من الموقف الأمريكي ومن موقف السلطة وخاصة الرئيس أبو مازن  من صفقة العصر التي رفضها بشكل واضح ، من خلال تحرك الإدارة الأمريكية نحو قطاع غزة لمحاولة إضعاف الموقف الفلسطيني ، ومن بوابة المساعدات الإنسانية حيث عُقد أكثر من مؤتمر لذلك، وأخص بالذكر اجتماع واشنطن .

برزت في هذه المعادلة قضية أثارت جدلاً واسعاً لدى الأوساط الفلسطينية، وهي  ذهاب حركة حماس لمفاوضات غير مباشرة مع "إسرائيل" من خلال وسطاء للوصول إلى هدنة طويلة أو تهدئة قصيرة " هدوء مقابل هدوء " أو العودة لتفاهمات 2014، التي عقدت بين حماس وبمشاركة الفصائل وبوجود السلطة وبوساطة مصرية و أممية ، وصدر أكثر من موقف للحركة يتحدث عن ذلك صراحة ، في البداية حركة حماس ذهبت منفردة ويبدو أنها توصلت إلى تفاهمات مع مصر والسيد ملادينوف ولكنها اصطدمت بتعديلات من قبل نتنياهو رئيس "الحكومة الإسرائيلية" ، وحدثت مواجهة بين المقاومة و "إسرائيل" على خلفية اغتيال الأخيرة لعنصرين من القسام ، وكادت الأمور تنزلق إلى مواجهة شاملة، لولا تدخل مصر و ملادينوف ، وكانت تجري مفاوضات تهدئة تحت صفيح ساخن  أو تحت النار.

مواقف الفصائل تباينت وخاصة موقفا الجبهتين الشعبية والديمقراطية من قضية التهدئة الرافضتا لها واشترطتا إنجاز المصالحة وتحقيق الوحدة أولاً. حاولت حماس إطلاع الفصائل بما جرى، محاولة استمالة الفصائل لها ولرؤيتها في قضية التهدئة ، ولكن بانتظار نتائج ما ستسفر عنه حوارات القاهرة بهذا الشأن .

الحديث الذي ورد في مقال لصديقنا السيد غازي حمد بأنه لا مانع ديني من ذهاب حركة حماس لمفاوضات مع "إسرائيل" ، و أن حركته لن تكرر أخطاء حركة فتح في مفاوضاتها معها ، لكن أخي غازي نسي أن ياسر عرفات فاوض "إسرائيل" وكان أغلب العرب والعالم معه وكان يسعى إلى تحقيق الهدف المرحلي الذي توافق عليه الفلسطينيون وهو الحصول على دولة فلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية ، حيث اختلفت معه فصائل فلسطينية عديدة حين ذاك، ووصفت مسعاه بأنهوهم، و أن الاستناد إلى الانتفاضة الشعبية  لتحقيق حلم الدولة،  لا يكفي إلا ضمن اختلال في موازين القوى لصالحنا، واتضح لاحقاً أن المفاوضات الماراثونية  المنفردة و المتعددة ، وصلت إلى طريق مسدود، بل وصل حالنا وقضيتنا إلى أسوء مما كانت عليه قبل اتفاق أسلو.. إلى جانب أن الفلسطينيون وجدوا أنفسهم عالقين في سلطة مقيدة ضعيفة وهشة. فإذا كانت قيادة المنظمة فشلت وهي تحظى بهذا الدعم الكبير فهل حركة حماس المعزولة ستنجح؟!  

الفرق السياسي كبير وهو أن حماس تفاوض على قطاع غزة الشريط ضيق معزول ومحاصر و مليء بالتناقضات والمشاكل ، حيث أن هذه المفاوضات ستمس وحدة الفلسطينيين السياسية والتمثيل السياسي إلى جانب ضرب مبدأ حل الدولة الفلسطينية بعاصمتها القدس الشرقية .

باعتقادي، أن ما يجري ما هو إلا إعادة إنتاج فشل المنظمة، ولكن هذه المرة بشكل مريع ، ولتجنب كل ذلك علينا أن نذهب لإنهاء الانقسام حيث التكلفة أقل بالنسبة لحركة حماس ولكن الفائدة عظيمة للكل الفلسطيني.