Menu

القضية الفلسطينية تتراجع عربياً!

د. ناجي صادق شراب

نقلاً عن الخليج الاماراتية

لم تعد القضية الفلسطينية لها نفس الحضور العربي والدولي الذي كانت عليه من قبل. ليس القصد أن القضية الفلسطينية ليست قضية عربية، ولها أبعادها ومحدداتها الدولية. لكن المقصود، أن القضية الفلسطينية لم تعد القضية التي تحدد أولويات الدول العربية أو الدولية.. وهذا هو جوهر التراجع. إنها قضية قائمة وموجودة والكل يعترف بها، لكنها لم تعد القضية التي تصيغ سياسات الدول المعنية. وهذا يعني تقزيم القضية الفلسطينية واختزالها في مكونها الفلسطيني و«الإسرائيلي» فقط. فبدئ يُنظر إليها على أنها نزاع ثنائي بين الفلسطينيين و«الإسرائيليين». 

والسؤال، لماذا هذا التراجع؟ الأسباب كثيرة، تتعلق كلها بالمتغيرات والتبدلات التي حدثت لمكونات القضية، والعلاقة بين هذه المكونات. وهنا لدينا متغيران هما الفلسطيني و«الإسرائيلي»، والمتغيرات التي وقعت عملت لصالح المتغير «الإسرائيلي» في عملية إدارة الصراع أو حله. ولعل أهم هذه المتغيرات على المستوى العربي، هو ما حدث خلال وبعد ما سمي «الربيع العربي»، بعضها نجح في احتواء التداعيات السلبية كما حدث في مصر وتونس. أما أكثر الدول العربية التي تأثرت بها فكانت سوريا والعراق. إذ لم تعد الأزمة السورية داخلية فحسب بل انعكست تداعياتها بشكل كبير على الوضع العربي وتحديداً على القضية الفلسطينية.

تداعيات هذا «الربيع العربي» أدت إلى تراجع واضح في القضية الفلسطينية بالنسبة لعلاقتها العضوية بالدول العربية،إذ لم يعد الصراع عربياً- «إسرائيلياً»، بل تقزم إلى صراع فلسطيني -«إسرائيلي»، وحلت محله القضايا العربية الداخلية والعربية البينية. فالدول العربية باتت تواجه مخاطر تهدد أمنها ووجودها بسبب بروز تهديدات لم تكن قائمة، مثل التهديدات التي تشكلها المجموعات الإرهابية مثل «داعش» و«القاعدة» و«جبهة النصرة»، وبروز خطر جماعة الأخوان. وإلى جانب هذه الحركات ظهرت تهديدات الدول التي بدأت تتغلغل في قلب المنطقة كإيران و تركيا ،مستغلة حالة الضعف العربي. 

هذه التحولات كان من الطبيعى أن تلقي بظلالها على القضية الفلسطينية، وأخطر ما فيها التحولات في التصورات المتعلقة بمصادر الخطر الخارجي. فالخطر الماثل حالياً هو الخطر الإيراني- التركي وخطر الجماعات الإرهابية، ولعل القضية الفلسطينية كانت الخاسر الأكبر من تداعيات هذا «الربيع العربي».ومما زاد الأمور تعقيداً وتراجعاً في أولويات القضية الفلسطينية هي التحولات التي لحقت بالنظام الدولي أيضا، وبنمط توزيع القوة. ولا يمكن التغاضي عن هذه التحولات في قضية تلعب المتغيرات الدولية المتغير الرئيس في التحكم بتفاعلاتها.

ولمزيد من التوضيح فإن المتغيرات التي تحكم القضية هي:المتغيرات الداخلية فلسطينياً و«إسرائيلياً» وهما متغيران مرتبطان بالمتغير الدولي. وهناك أيضا المتغير الإقليمي الذي تراجع بشكل واضح لصالح تأثير المتغير الدولي الذي بات يتحكم في مسيرة القضية ومستقبلها.

ومنذ نشوء القضية الفلسطينية والمتغير الدولي بكل تناقضاته يعمل لصالح المتغير «الإسرائيلي»، وصولا للمرحلة الحالية التي نرى فيها تراجعاً لدور القوى الرئيسية مثل روسيا، وبروز دور المتغير الأمريكي، وخصوصا في عهد إدارة الرئيس ترامب التي عملت على إحداث تغيرات غير متوقعة في موقف الإدارة الأمريكية لمصلحة «إسرائيل» وضد القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني. ولقد نجحت هذه الإدارة في التآمر على القضية الفلسطينية باستغلال التراجع في المنظومة العربية، وانشغالها بقضاياها الداخلية لتحاول تمرير ما يسمى بالسلام الإقليمي بين «إسرائيل» والدول العربية.والتحول هنا واضح، فقديماً كانت القضية الفلسطينية هي المدخل للعلاقات مع الدول العربية، اليوم انقلبت القاعدة ليصبح المنهاج الإقليمي هو المدخل لتصفية القضية الفلسطينية.ولم يقتصر الموقف على الإدارة الأمريكيه، فروسيا الصاعده لتعويض دورها العالمي بقيادة الرئيس بوتين وهي الحليف التقليدي الداعم للقضية الفلسطينيه باتت لها أولوياتها العالمية والإقليمية، فدورها في سوريا وتواجدها للمحافظة على هذا الدور، وبناء علاقات جديدة مع الدول العربية، إضافة لعلاقاتها الوثيقة مع«إسرائيل»، هذا التحول أيضا انعكس سلباً على القضية الفلسطينية وعلى دور موسكو التقليدي تجاهها. 

هذه التحولات في بيئة وتوازنات القوة الإقليمية والدولية المتحكمة في القضية الفلسطينية تفسر لنا التراجع في القضية، والتخوف أن يفرض هذا التراجع نفسه على فرض تسوية سياسية لا تعمل لصالح الفلسطينيين. وعليه فإن هذه التحولات السلبية تحتاح لإعادة العلاقة بين المتغيرات المتحكمة في القضية لاحتواء الضغوطات السلبية من المتغيرات الأخرى، للحفاظ على القضية الفلسطينية كقضية لها أولوياتها العربية والدولية، والحؤول دون تمرير الصفقات المشبوهة مثل «صفقة القرن» الأمريكية -«الإسرائيلية».