Menu

المصالحة.. عفى الله عما مضى ولنبدأ من جديد!

نضال عبد العال

يبدو أن المتابع، فلسطينيًا كان أو عربيًا أو حتى غير ذلك، صار يتعامل مع فكرة المصالحة الفلسطينية، كخبر ممجوج ومستهلك ومقزز. والفلسطيني بالخصوص، استنفذ خزينه من الخيال، عن شكل المصالحة ومضمونها، المتوقعة حينا والمستبعدة أحيانًا، فهي لم تعد شيء يمكن أن يصبح حقيقة ملموسة ومحسوسة، أي واقع حي، يمكن أن يعيشه يومًا ما.

المصالحة كمصطلح اجتماعي، عام متداول في البيئة الاجتماعية الفلسطينية والعربية كثيرًا. فهي تعني ببساطة أن هناك خلافًا ما، حول قضية ما، بين شخصين أو عائلتين، أو غير ذلك، يتبرع وجوه الخير بالتدخل كوسطاء لحله، فيوظفون ما لديهم من مكانة اجتماعية أو "مونة" على الطرفين، لتحقيق نتيجة، نتيجتها تجاوز الطرفين المتخاصمين لأسباب الخصام.

لكن، أن تصبح المصالحة قضية سياسية من الدرجة الأولى، وتعلّق عليها مصير القضية الوطنية الفلسطينية برمتها، وبما تحتويه من معاناة مئات الآلاف من الناس، وقد يصل الأمر إلى ملايين. أي مصير شعب بأكمله، قدم كل ما يملك، في ملحمة إنسانية عظيمة، على مدى أكثر من قرن، كل ذلك يصبح اليوم مرهون لشطارة لاعبين في طرفي خصومة، وما قد يستخدمونه من أوراق ضغط، كل طرف يحاول حشر خصمه. ويبدو أننا جميعًا قد نسينا أنهما ليسا لاعبين على طاولة زهر! بل هما مشروعان سياسيان يتحركان في دوائر تحددها مصالح وتقاطعات تفرض شكل الصراع الدائر وأبعاده، وبالتالي لا يمكن أن تكون المصالحة عند كل طرف، تعني المعنى ذاته لدى الطرف الآخر بل الأطراف الأخرى، وبالأساس هل الدوائر التي يتحرك ضمنها الطرفان الأساسيان منفصلة عن المؤثرات التي يصيغ على ضوئها رؤيته السياسية؟! أي أنهما لن يأتيا إلى المصالحة فقط بدافع حسن النية، وعفى الله عن ما مضى من خصام، لنطوي الصفحة ونبدأ من جديد!.

لقد صودف أن توفرت لدي الدراسة الهامة، والتي تتكون من 87 صفحة، وأعدها معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي في آب 2018، وتتناول ست سيناريوهات على الساحة الإسرائيلية – الفلسطينية، التحديات الاستراتيجية والردود المحتملة.

 تكونت لدي استنتاجات حول المصالحة، لا تقصدها الدارسة، بل هي خارج أهدافها بالأساس، باعتبارها موضوعة من قبل معهد أبحاث الأمن القومي الاسرائيلي. أي أن أهدافها منصبة على تمكين الكيان الصهيوني من التعامل مع الاحتمالات الرئيسية للتهديدات الاستراتيجية وفق معطيات المرحلة الراهنة وتطور الأوضاع في اتجاهات مختلفة.

لأني حاولت قراءة الدراسة من منظور فلسطيني، وتكثيف بعض الافكار واستشفاف بعض الخلاصات من بين سطورها، وجدت أربع عناوين أساسية تتعلق بالقضية الفلسطينية، وهي:

- الوحدة الوطنية / المصالحة على أساس الرؤية الوطنية الفلسطينية لتحقيق الحد الأدنى من حقوق الفلسطينيين.

- إنهاء الاستيطان كليًا أو في الحد الأدنى وقفه.

- مقومات قيام كيان فلسطيني قابل أن يتطور لدولة.

- كيان فلسطيني ديمقراطي حقيقي وفعّال.

هذه القضايا لا يمكن أن تتحقق بوجود السلطة الفلسطينية، بطابعها ومضمونها ووظيفتها الحالية، بل أن تحقيق هذه القضايا يفترض حكما تجاوز السلطة وأجهزتها ووظيفتها، وتجاوز السلطة سيكون لأسباب عديدة ومختلفة، إما لضعفها وتهشمها واهتزاز شرعيتها لدى الجمهور الفلسطيني، مما يجعلها ضعيفة الأداء في وظيفتها الأمنية كما تسميه الدراسة "سلطة فاشلة وغير فعّالة" وتقصد بالفاشلة، تحديدا في تعاونها الأمني مع الكيان الصهيوني، وما يدفع إسرائيل إلى القيام بالمهمة مباشرة عبر تدخلها العسكري والأمني.

إذن، فالمصالحة يجب ألا تؤثر على استمرار قيام السلطة بوظيفتها الأمنية بل وأن يتم تفعيل هذه الوظيفة في غزة، لأن المصالحة في المفهوم الإسرائيلي تعني التماثل في أداء الوظيفة الأساسية للسلطة، في الضفة وغزة، وعدم توفير أسباب تجعل إسرائيل تستخدم أدواتها الامنية والعسكرية مباشرة. والسؤال الذي نطرحه، هل بالإمكان تطبيق نموذج السلطة في الضفة في غزة؟ هل نريد ذلك؟ ومن يستطيع أن يفعل ذلك؟

كما أن السلطة يجب ألا تكون عائقًا أمام استمرار الاستيطان، وألا تشكل خطرًا على المستوطنين، بل وأن تمنع وقوع أي خطر يهدد حياة المستوطنين. فكيف يمكن أن تكون السلطة انتقالية، كمقدمة لقيام دولة ذات سيادة، في الوقت الذي تعمل على حماية المستوطنين، وبالتالي ضمان عدم أي ازعاج للمستوطنين كي لا يؤثر ذلك وتيرة عمليات الاستيطان؟

يدرك الكيان الصهيوني، أن تحول السلطة لكيان ديمقراطي حقيقي، يعني بشكلٍ تلقائي تحوله لكيان معاد لإسرائيل، لأنه وكما تقول الدراسة، أن المزاج الفلسطيني بأغلبيته الساحقة، يرفض التعاون الأمني لو بحدوده الدنيا مع إسرائيل، أي مزاج معاد لإسرائيل.

أما في حال كانت السلطة وطنية فلسطينية، وتقوم بالوظيفة الوطنية الحقيقية لتوفير مقومات بناء دولة ذات سيادة، كما يقول منظرو أوسلو وتؤمن بالديمقراطية الحقيقية، فإنها لن تكون السلطة التي تريدها إسرائيل، وفقًا للتسميه التي تعتمدها الدراسة فهي "سلطة معادية لإسرائيل، لأنها لن تقوم بالتعاون الأمني وحراسة المستوطنين، لأن هاتين الوظيفتين تتعارضان مع فكرة قيام دولة فلسطينية حقيقية وذات سيادة، وفي هذه الحالة فإن الكيان الصهيوني ليس بحاجة لها، مما سيدفعه لتولي المهمة بنفسه عبر احتلال أو ضم على الأقل منطقة "ج" ومسرح عملياته كامل الضفة.

في حال قامت إسرائيل باعتماد سيناريو ضم كامل الأراضي المحتلة عام 67، طبعًا باستثناء غزة، مما سيحول السلطة إلى مجموعة من البلديات تقوم على قاعدة العائلات والعشائر. في هذا الخيار كما في خيارات اخرى مطروحة، ومنها الدولة الواحدة بدون تساوي في الحقوق، أو دولة التمييز العنصري (الأبرتايد)، والدولة الواحدة مع تساوي في الحقوق، "دولة لا قومية" دولة لجميع مواطنيها، حيث يتم إلغاء حق العودة الفلسطيني، مقابل إلغاء "حق اليهود في العودة" فإن التماثل قد تم في إنهاء السلطة، وبالتالي فإن الفلسطيني قد تجاوزها، وتوحد موضوعيا في مواجهة الواقع الجديد.

وبين سطور الدراسة ثمة استخلاص واضح يقول: إن مصالحة حقيقية لن تقوم إلا على أساس مصالحة موجهة ضد إسرائيل.

إن مصالحة موجهة ضد إسرائيل لا يمكن أن تقوم بوجود السلطة الفلسطينية، هي حكمًا ستكون على أنقاض هذه السلطة، لأن الساحة الفلسطينية في هذا الحال تكون قد استعادت مشروعها الحقيقي، مشروع التحرر الوطني.

ويبقى أن أشير، أن غزة وفي كل السيناريوهات الستة المطروحة، لها بحث آخر منفصل عن الضفة، حتى في سيناريو الضم الكامل والدولة الواحدة، لغزة مصيرها الخاص.