(«تعمل دولة«إسرائيل»حسب رؤية وطنية متطرفة، عنصرية، وظلامية. وفي خدمة هذه الرؤية، التي تسعى، في نهاية الأمر، إلى قوانين فصل عنصرية، وترانسفير، يجري، منذ ثلاث سنوات، هجوم منهجي فاشي بصورة واضحة على أسس ومؤسسات الديموقراطية» «الإسرائيلية»).
هذا ما اعترف به، مؤخراً، إيهود باراك، كرئيس سابق لحزب «العمل»، ولحكومة الاحتلال، ولهيئة أركان جيشه، ووزير حرب ٍفي أكثر من حكومة. وهو اعتراف يقدم تأكيداً جديداً، ومن «أهل البيت»، على أن عنصرية «إسرائيل»، قد بلغت الفاشية، كمظاهر، والحقيقة أنها، ولِدت، وهي تحمل كل مقومات الفاشية كنظام. أما عن الديموقراطية «الإسرائيلية»، التي يدعي «باراك» الدفاع عنها، فكذبة العصر، بلا منازع؛ إذ كيف يمكن الجمع، أصلاً، بين الديموقراطية والاستعمار، فما بالك والحديث يدور حول استعمار استيطاني عنصري إقصائي إحلالي؟!
ويجدر التذكير، هنا، بأن إيهود باراك هذا، هو، على سبيل المثال لا الحصر، مَن قاد، (كضابط)، وحدة الكوماندوز الخاصة، التي اغتالت القادة الفلسطينيين: كمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار، في بيروت، عام 73؛ وأعدم بيده، ميدانياً، الفدائية دلال المغربي، عام 78؛ وأنه مَن أفشل، (كرئيس حكومة)، مفاوضات كامب ديفيد المفصلية حول «قضايا الوضع النهائي»، عام 2000؛ وسمح لأرييل شارون بزيارة الأقصى، التي قادت لاندلاع الانتفاضة «الثانية»؛ وأنه، (كوزير حرب)، وإيهود أولمرت وتسيبي ليفني، مَن اتخذوا، في نهاية العام 2008، قرار حرب الإبادة والتدمير على قطاع غزة، وأنه مَن أطلق، (مِن موقع «المعارضة»)، في العام 2005، مقاربة: («إسرائيل» إما أن تبقى دولة يهودية أو أن تصبح كومة نووية)، وهي المقاربة التي لا يضاهيها، لناحية التطرف السياسي والتشدد الأيديولوجي، سوى مقاربة: (ستعيش «إسرائيل» على حد السيف، إلى الأبد)، التي أطلقها، في عام 2015، بنيامين نتنياهو، ما يعني أن الخلاف بينهما، وبالتالي، بين حزبيهما، «العمل»و«الليكود»لا يتجاوز حدود الكمي والتكتيكي، في إطار برنامج واحد، جوهره: («سلطة واحدة بين النهر والبحر»)، و(«إسرائيل»دولة للشعب اليهودي)؛ لكن، ما أهمية كل الكلام أعلاه الآن؟
كثُرت، في الآونة الأخيرة، تقديرات ما يُسمى «المعارضة» «الإسرائيلية»، بأن إيهود باراك، ربما يكون الأقدر على هزيمة نتنياهو، في الانتخابات القادمة، وتشكيل حكومة تقبل ما يُسمى «حل الدولتين»، فيما يقدِّر الأخير، حسب تصريحات أطلقها، مؤخراً، بأن حزبه، «الليكود»، سيفوز بثلث مقاعد «الكنيست». والخشية هي أن تتعاطى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، مع هذه المقاربات الواهمة. وهذا هو مغزى اللقاء الذي عقده، قبل أسبوعين، الرئيس أبو مازن، في رام الله، مع وفد من أحزاب «المعارضة» ل«حكومة نتنياهو»، لأسباب لا تتعلق بمواقفها من الصراع، فضلاً عن اللقاءيْن اللذين عقدهما، على هامش دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة، مع كل من أولمرت، وتسيبي ليفني.
يتمثل الخطر، هنا، في عودة قيادة «السلطة» و«المنظمة» إلى مقاربة، ثبت بطلانها، وهي، أن الائتلاف اليميني المتطرف، الذي يقوده «الليكود»، بقيادة نتيناهو، للمرة الثالثة على التوالي، والرابعة بالإجمال، هو وحده المسؤول عن إفشال «مسار مدريد أوسلو» في التوصل إلى ما يُسمى ب«حل الدولتين»، فيما الحقيقة هي أنه، باستثناء حركة «ميرتس» الهامشية، لا يوجد حزب «إسرائيلي» يهودي قبِل في الماضي، أو أنه سيقبل الآن ومستقبلاً، بمثل هذه التسوية، دون إنكار أن أحزاب الائتلاف الحاكم، هي الأكثر تطرفاً سياسياً، وتشدداً أيديولوجياً.
يحيل الأمر، هنا، إلى أن الاستيطان في الضفة و القدس ، تحول في تراكمه، على مدار 50 عاماً، إلى حالة كيفية صار لها قسماتها وخصائصها المتواشجة مع حالة من السعار السياسي والأيديولوجي اليميني المتطرف داخل المجتمع والفكر والسياسة والأمن في «إسرائيل». ويتجلى ذلك، مثلاً، في انتقال مستوطني الضفة والقدس إلى مركز صناعة القرار في السياسة والجيش؛ حيث بات لهم، ولتيارهم الصهيوني الديني تحديداً، أكثرية داخل مكتب نتنياهو؛ بل، وبات هنالك وزراء ونواب يقطنون المستوطنات، بينما بات يشغل ثلث الرتب العسكرية المتوسطة، ومناصب عسكرية وأمنية رفيعة، مستوطنون. ولا عجب؛ فالاستيطان، كان، ولا يزال، جوهر المشروع الصهيوني، والدفاع عن الأرض وحمايتها محور الكفاح الفلسطيني، ما يتطلب إعادة الاعتبار للمشروع الوطني، وفق ما أكدته التجربة الواقعية.

