سجلت حرب السادس من أكتوبر/1973 التي يتوافق نشوبها مع يومنا هذا، أول انتصار تكتيكي عسكري لصالح العرب ضد إسرائيل، إﻻ أن إسرائيل جنت من وراء هذه الحرب أول اعتراف عربي رسمي كان من مصر الدوله العربية اﻷكبر في المنطقه، وذلك بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد، ثم بعد ذلك بتوقيع أطراف عربيه أخرى: منظمة التحرير الفلسطينيه والأردن لاتفاقيتي أوسلو ووادي عربه، كما حصلت بعد ذلك على اتفاق العرب جميعهم في قمة بيروت (2002)، على الاعتراف بها وتطبيع العلاقات معها في إطار تسويه شامله لقضايا الصراع الصهيوني - العربي عرفت بالمبادرة العربية للسلام، وهي بالأصل مبادرة سعودية صيغت في عهد الملك فهد، يتمخض عنها إقامة دولة فلسطينية في حدود عام 67 ، وحل متفق عليه لقضية اللاجئين حسب القرار الدولي المتعلق بذلك.
هكذا حصل تغيير جوهري على مفردات الخطاب السياسي الرسمي العربي بعد هذه الحرب، وبذلك حقق هذا الكيان الصهيوني الغاصب حلمه التاريخي، الذي كان يسعى إليه منذ النكبة عام 48، وجاءت اتفاقيات التسوية التي أبرمت لتحقق له هذا الحلم.
اتفاقيات التسوية التي أبرمت مع الكيان حررته من كثير من اﻷعباء العسكرية واﻷمنية مع الدول العربية المجاورة، حيث أعلنت مصر بعد توقيع "اتفاقية السلام"، أن حرب أكتوبر هي آخر الحروب، لكنها في نفس الوقت أطلقت يده في مواجهة قوى المقاومه العربية في فلسطين خاصة في جبهة قطاع غزة وفي لبنان، حيث شن جيش الاحتلال الإسرائيلي حروباً دامية متكررة على المنطقتين، كان آخرها الحرب المدمرة على قطاع غزه في عام 2014، والتي راح ضحيتها أكثر من ألفين من الشهداء وآﻻف الجرحى وعشرات آلاف البيوت المدمره، وهذه الحروب الوحشيه الصهيونيه لم تكن لتحدث لوﻻ سياسات الاعتراف الرسمي، والتطبيع الذي قام به البعض تحت عناوين إعلامية وتجارية وسياحية، وكذلك سياسة المراهنة على التسوية والمساعي اﻷمريكية، والانشغال بالصراعات السياسية والطائفية، ومجاراة السياسات الغربيه خاصة اﻷمريكية، فيما يسمى بمحاربة الإرهاب الدولي.
فمن خلال مجمل هذه اﻷوضاع التي تعيشها المنطقه العربية تغولّ الكيان الصهيوني في مواجهة استحقاقات القضية الفلسطينية، ولم يلتزم بنتائج المفاوضات التي وصلت إلى طريق مسدود بسبب تعنته، في ذات الوقت مستمراً في ممارسة سياسته التهويدية العنصرية في القدس والمسجد اﻷقصى، مستغلاً هذا الوضع اﻹقليمي، وانحياز اﻹداره اﻷمريكية له، وعدم بروز موقف دولي مؤثر وضاغط، وهكذا فإن حرب أكتوبر وما أحدثته من تحوﻻت في الموقف العربي الرسمي فتحت الباب واسعا للكيان الصهيوني، كي يصول ويجول ويعربد في المنطقه، كما لم تكن هي الحرب اﻷخيره، ﻷن الكيان الصهيوني هو كيان عنصري ﻻ يستمر في وجوده وأداء وظيفته إلا بالعدوان والتوسع والهيمنة بأشكالها المختلفة، لضمان الحفاظ على المصالح الحيوية للإمبريالية الغربيه في المنطقه.
فالسياسة الصهيونية ترتكز بشكل رئيسي على الميثولوجيا اليهودية، وعلى أكثر النزعات العنصريه والدينية، التي تعتبر وحدة أرض إسرائيل الكبرى، هي مبدأ أعلى وأسمى من أي تسوية سياسية، هذه السياسة السلفيه الصهيونيه تصل اﻵن إلى مستوى القدرةعلى تشكيل تهديداً حقيقياً وخطيراً لفكرة الواقعية السياسية، التي بدأ يتعامل بها الخطاب السياسي العربي الرسمي بعد حرب أكتوبر. فالليكود الحاكم وغيره من الأحزاب السياسية الصهيونية، التي تشاركه الحكم عبر ائتلاف يميني متطرف، ﻻ يريدون جميعهم لإسرائيل، أن تكون فقط بحدودها السياسية واﻷمنية والجغرافية، التي حصلت عليه بالقوة المسلحة، وبمساعدة الانتداب البريطاني وهزيمة الجيوش العربية في حرب عام 48، بل يعملون على ممارسة سياسة التوسع والتهويد للأرض الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية، وكذلك للجوﻻن العربي السوري، وﻷراضي من جنوب لبنان، وهذا التوسع يتناسب مع المخطط الصهيوني اﻹمبريالي في جعل الكيان الصهيوني قوة إقليميه رئيسية في المنطقه لتؤدي دورها اﻹقليمي في إرهاب دول المنطقه وحجز عملية التنميه والتقدم لشعوبها حتى تبقى في دائرة التبعية بكل أشكالها للغرب الرأسمالي اﻹمبريالي.
أخيرا، بعد خمس وأربعين عاماً على نشوب حرب أكتوبر، وما أحدثته من تحوﻻت في السياسة العربية الرسمية تجاه إسرائيل، السؤال الجدير بالطرح هو: هل ثمة أوراق بقت في يد العرب بعد أن قدموا كل شيء بهدف الوصول إلى تسويه سياسيه للصراع ؟! وما فاعلية اﻷوراق إن وجدت في ضوء حقيقة ما يجري في المنطقه من متغيرات نوعية هامة؟!

