لم يحدث طيلة فترة الانقسام السياسي الطويلة التي ما زالت قائمة وتلحق أكبر الضرر بالقضية الفلسطينية وبالشعب الفلسطيني في القطاع بشكل خاص، أن كثر الاهتمام بموضوع التهدئة مع الكيان الصهيوني، كما هو جاري الحديث عنها الآن، وهو ما لم يكن مألوفاً في حركات التحرر التي اعتمدت خيار المقاومة طريقاً وحيداً في مواجهة الاحتلال، حيث نادراً ما سعت أحداها لطلب إبرام اتفاقية تهدئة مع الاحتلال، بسبب التناقض الرئيسي، الذي يحكم بينهما، ومع ذلك فقد حصل هذا في واقعنا السياسي الفلسطيني مخالفا للمبادئ التي تحكم الثورات الوطنية، وذلك بسبب ما طرأ على القضية السياسية الوطنية من تراجعات وانهيارات كبيرة، بالإضافة خطورة الوضع الإنساني المحتاج إلى حلول.
إن ربط قضية التهدئة، وهي قضية أمنية في الجهد المبذول من قبل الوفد الأمني المصري، بقضية المصالحة الوطنية التي هي بالأساس قضية سياسية، تخص إصلاح الوضع الداخلي الفلسطيني، قد عمل على تفاقم أزمة التوصل لإنهاء الانقسام السياسي، بسبب الخلاف الذي دار بين أي القضيتين المصالحة أم التهدئة لها الأولوية في التوصل إلى اتفاق؟ وكذلك من هو الطرف الفلسطيني الذي تقع عليه مسؤولية توقيع اتفاقية التهدئة مع حكومة الكيان الصهيوني، السلطة الفلسطينية صاحبة الشرعية الدولية على القطاع حسب اتفاقية أوسلو أم حكومة الأمر الواقع التي تديرها حركة حماس أم فصائل المقاومة بشكل عام؟
الوفد الأمني المصري يسعى جاهداً لتحقيق التهدئه مع الكيان الصهيوني، بالإضافة طبعاً إلى سعيه المتواصل لتحقيق المصالحة الوطنية، لكنه يصطدم بعقبات كثيرة حيث كل طرف من الأطراف الساعية للتهدئة، يبحث عن تحقيق مكسب سياسي له. فلا يخفى على أحد أن مسيرات العودة وكسر الحصار الأسبوعية، على شرقي القطاع أصبحت تشكل قلقاً سياسياً، وتوتراً أمنياً للكيان الصهيوني، حيث تعيد للرأي العام الدولي طبيعة القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية سياسية تحررية ناجمة عن حالة الاقتلاع القسري والهجرة الجماعية للاجئين للفلسطينيين، بسبب المذابح التي كانت ارتكبها العصابات الصهيونية المسلحة أثناء حرب عام 1948 ، ثم ما يرافق هذه المسيرات من الضرر الذي يلحق بالمستوطنين في ما يسمى غلاف غزة.
لذلك فإن التهدئة أصبحت مصلحة ضرورية للكيان لشرعنة وجوده العدواني الغاصب، الذي أقيم على أنقاض شعبنا الفلسطيني، خاصة أن التوصل إليها يكون مع فصائل المقاومة التي لا تعترف بوجوده أصلاً، وكذلك من أجل توفير الأمن على "الحدود الجنوبية".
أما المكسب السياسي الذي تسعى إلى تحقيقه، كل من السلطة الفلسطينية وحماس، فهو المتعلق بالصراع حول السلطة السياسية نفسها، في النظام السياسي الفلسطيني، فإصرار السلطة الفلسطينية على توقيع اتفاقية التهدئة من قبلها، هو بمثابة تأكيد على شرعية سلطتها على قطاع غزة، في حين سعي حماس لإبعاد السلطة عن التوقيع هي خطوة سياسية، ترى فيها مكسباً هاماً على طريق الاعتراف الاقليمي والدولي بها، كطرف فلسطيني رسمي في أي تسوية سياسية خاصة بقطاع غزة، أو بالقضية الفلسطينية بشكل عام، حيث ما فتأت تطرح نفسها كشريك قوي في قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة.
دوامة المصالحة والتهدئة ما زالت قائمة إذن، ولم تصل بعد إلى نتيجة حاسمة، والرابح الأكبر في استمرارها هو الكيان الصهيوني وحده، لأن بقاء الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة والقطاع، هو مصلحة إسرائيلية لإفشال مشروع حل الدولتين، الذي يحظى بإجماع دولي رغم التراجع الذي حصل له بسبب انحياز الرئيس الأمريكي ترامب للرؤية الإسرائيلية للتسوية. أما الخاسر الأكبر فهو الشعب الفلسطيني وقضيته، الذي يعاني في قطاع غزة من الحصار، وفي الضفة من حالة القمع والاستيطان، وفي مناطق 1948 لأبشع أنواع العنصرية الصهيونية، وفي مواقع اللجوء للتنكيل والاستلاب والهجرة مجدداً، لكن إصرار الوفد الأمني المصري على اختراق هذه الدوامة بالتغلب على المصاعب التي تحول دون تحقيق المصالحة والتهدئة، هو مرده في الحقيقة إلى محاولة تهيئة النظام السياسي الفلسطيني بمجمل مكوناته، للانخراط في عملية التسوية السياسية قادمة بطبعة جديدة.
فمنذ انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة عام 1965، من القرن الماضي والكيان الصهيوني يمارس العدوان تلو الآخر، وأشهره كان الغزو الصهيوني للبنان في يونيو عام 1982، الغير معزولة عن الحروب التي تلتها ضد قطاع غزة، وتصدت لها المقاومة الفلسطينية، دون أن تستحوذ اتفاقيت التهدئة السابقة، بكل هذا الاهتمام الكبير، مما يدل على أن الاهتمام بموضوع التهدئة الآن، هو مجرد مدخل يراد به التمهيد للانخراط في عملية تسوية سياسية قادمة، تعتزم واشنطن أو أطراف دولية أخرى تقديمها.

