Menu

د.رائد حسنين يكتب للهدف : أثر انتفاضة الحجارة الكبرى على نظرية الأمن الإسرائيلي 

د. رائد حسنين

خاص بوابة الهدف

يعتبر الثامن من ديسمبر عام 1987م محطة نوعية جديدة في مسار القضية الفلسطينية والنضال الفلسطيني والصراع العربي الإسرائيلي، فقد شكّل اندلاع انتفاضة الحجارة الكبرى، نقطة تحّول جذرية في العلاقات بين سلطات الاحتلال الاسرائيلي وبين جماهير شعبنا في القطاع والضفة.

فلقد فاجأت هذه الانتفاضة الشعبية الجميع، بما فيهم الاحتلال، والعالم الذي وقف مشدوهاً أمام هذه الملحمة البطولية التي خاضها شعبنا في تلك الفترة والتي تحوّلت من مواجهات تراكمية إلى انتفاضة شعبية عارمة، وتلاحقت تباعاً، لتشكّل هذه المحطة النضالية الهامة من تاريخ شعبنا حلقة من حلقات مترابطة في سلسلة طويلة من النضالات المستمرة ضد سلطات الاحتلال.

لم يكن الحدث في بدايته يوحي بأنه يختلف بشكل جوهري عن المواجهات السابقة من حيث المظاهر المألوفة للمقاومة الاحتجاجية في الأرض المحتلة من اضطرابات ومظاهرات ورشق بالحجارة والزجاجات الحارقة، فقد كانت شرارة  هذه الانتفاضة حادث السير الذي وقع في قطاع غزة يوم 8/12/1987م، وأدى الى  استشهاد أربعة وجرح سبعة فلسطينيين على يد مستوطن يقود شاحنة، فقد كان من الممكن أن تنتهي هذه المواجهة سريعاً كسابقاتها، لولا أنها جاءت نتيجة مخزون التراكمات الكمية والنوعية من المعاناة والرفض والمقاومة للاحتلال الغاصب.

لقد وصلت درجة الوعي والممارسة الفلسطينية داخل الأرض المحتلة إلى مستوى النقطة الحرجة القابلة للانفجار الكامل والشامل والرفض المطلق للتعايش مع الاحتلال، بالرغم من كل المحاولات التي سبقت الانتفاضة لتحسين المستوى الاقتصادي جراء فتح سوق العمل الاسرائيلي أمام الفلسطينيين في قطاع غزه والضفة الغربية.

ساهم هذا الوعي في وجود النخبة السياسية التي تكونت منذ عام 1982م والتي تشكلت من عناصر قيادية لثلاث تشكيلات رئيسية وهي القوى الوطنية والقوى الاسلامية والشخصيات الموالية للأردن، حيث منحت هذه النخبة الانتفاضة قوة وشمولية واستمرارية، في ظل انشداد الرأي العام الفلسطيني لصالح القوى الوطنية وملتزماً بقرارات وتوجهات القيادة الوطنية الموحدة ذراع منظمة التحرير الفلسطينية، والتي أطاحت بالاعتقاد الإسرائيلي بأنها قد استطاعت خلال العشرين عاماً السابقة لاندلاع الانتفاضة إلحاق الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين ومن تحييد سكانها عن الصراع وتحدي السلطات العسكرية المطبقة عليهم.

وقد استمرت الانتفاضة رغم وعد رابين (رئيس وزراء حكومة الاحتلال آنذاك) بالقضاء عليها بسرعة، مستخدماً كل الوسائل القمعية لإخمادها، إلا أن اشتداد الانتفاضة وانتقالها سريعاً إلى كل قرية ومدينة ومخيم ضربت هذا الوعد، وأكدت  عدم قدرة " رابين" على الوفاء بوعده، وفي ظل أن الانتفاضة أحدثت استنزافاً كبيراً وضرراً بالغاً للاحتلال على كافة الصعد الداخلية والخارجية، حتى أن "رابين" اعترف بقوة الانتفاضة وقدرة أبناء شعبنا في الأرض المحتلة على الاحتمال بالرغم من سياسة القتل والاعتداءات الوحشية والاعتقال وسياسة تكسير العظام التي استخدمها جيش الاحتلال، وفي ظل تفاقم مستوى المعيشة، فقد بقيت مستمرة محافظة على زخمها وقوتها، ولم يتمكن جيش الاحتلال من وضع حد لها، صاحبها تدهور في الوضع الأمني وضرب مفهوم الامن الإسرائيلي القائم على حماية مصالحها الحيوية وتحقيق أهدافها وغاياتها القومية في مختلف جوانب الحياة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية للفرد والمجتمع وفقاً لجملة من المقومات الثابتة التي تضم في ثناياها، الهجرة والاستيطان، والمؤسسة العسكرية، ومع الأخذ بالاعتبارات التي بنيت عليها عقيدتها العسكرية عبر الاحتفاظ بقوات حراسة كافية لمنع القدرة على اختراق أراضيها لعدم وجود العمق الكافي، وعلى أن تكون حربها قصيرة لا تطول مدتها، والعمل على عدم نقل المعركة إلى أراضيها و بذل كل الجهود لذلك وتحقيق أكبر المكاسب الممكنة، والمحافظة على الروح المعنوية والهيبة للدولة.

كل هذه المفاهيم الأمنية التي تشكلت منها نظرية الأمن الاسرائيلي تمّ سحقها أمام قوة الانتفاضة، فلم يعود جيش الاحتلال قادراً على حماية المستوطنين، وقد عاشت دولة الاحتلال في جو من الرعب نتيجة العمل المقاوم بدءاً من الحجر وصولاً للعمليات المسلحة والتي تطورت رويداً رويداً من الحجر والسلاح الأبيض إلى السلاح الناري، مما أفقد المستوطن ورجل الشارع الاسرائيلي أمنه الشخصي وبفقدان الثقة بالسلطات الأمنية، وانعكس ذلك في حركة المستوطنين التي شكلت لهم المناطق المحتلة رعباً، مما حدّ من مشروع التوسع الاستيطاني، ومنع توسع الاحتلال والتمكن من أراضي عربية أخرى عبر بناء المستوطنات أو التوسع في حدودها والتهام المزيد من الأراضي، وأحبطت اصرار دولة الاحتلال بأن تكون دولة إقليمية عظمى عن طريق امتلاك اكبر وأقوى قوة عسكرية تقليدية ونووية في المنطقة، والاعتراف بوجودها عبر تفوقها في المجالات الصناعية والاقتصادية والسياسية والإجهاز على القضية الفلسطينية، كما تأثرت صورة دولة الاحتلال أمام الرأي العام العالمي عبر الممارسات العنصرية التي كانت تمارسها صباح مساء بحق الفلسطينيين.

لقد استطاعت الانتفاضة التأثير في الشارع الإسرائيلي وحتى على الأحزاب الإسرائيلية والمؤسسة العسكرية والتأثير النفسي على الجنود وازدياد رفض الخدمة العسكرية رغم إدراك المواطن بأن الخدمة العسكرية هي جواز السفر للحصول على الامتيازات، وإن إقدامه على الرفض للخدمة العسكرية هو بمثابة الانتحار ونهاية لمستقبله، كونه يتنازل عن الامتيازات والحقوق المدنية في مجتمع عسكري.

وأخيراً، لقد حققت الانتفاضة هزيمة للنظرية الأمنية الإسرائيلية ولولا اتفاق أوسلو الاتفاق المسمى باتفاق إعلان المبادئ بين منظمة التحرير ودولة الاحتلال، الذي شكل طوق النجاة لهذه النظرية كان بإمكاننا تحقيق شعارات الانتفاضة التي تم رفعها وهي العودة والحرية والاستقلال، واستطعنا تسجيل انتصار ناجز لمشروعنا الوطني التحرري.