الانتفاضة الأولى: ثلاثونَ عامًا وعامًا من غُربَةِ الروح قَد مَرّت، مَرّت على حدودِ زمنٍ تغاضى عن بعضٍ من رعاياه، بَعضًا من سَجاياه والكثير الكثير من مَواياه وخصالهُ ونُبلَهُ، زَمنٌ يشاقُ لهُ الحَجر حينَ كانَ مَركزَ الكَون ورمزًا بينَ الأمَم للّحُرّية، كانَت النساء، الصَبايا والأمهات والطالبات حَرائر المظاهرات، ليس فقط مهمّتَهُنّ الهتاف أو جمع الحجارة بل الضرب والتصدي وتقدّم الصفوف في المواجهات، زمنٍ كانَ فيهِ الحجر يحملُ إسمَ فلسطين حول العالم ويرفع رأيتها بينَ سُحبِ الدول من ضباب لندن إلى جليد موسكو وحرّ صحاري أفريقيا وأساس وأمريكيا، زمنٌ كان فيه التكافل نهجًا طبيعيًا بينَ الجيران والأهل والحبايب والمناضلين والمقاتلين، زمنٌ كانَ فيهِ لخيط المَصّيص قيمة نوعية تُعادلُ في الردعِ مفاعلًا نَوَويًّا، زمنٌ شبه خالٍ منَ الإستعراضات والفهلوات والفذلكات، على الأرض كانَ يُثَبّتُ أقدامَهُ طفلٌ/حلمٌ فَلَسطينِيّ وفي السَماءِ قيودُ الأسرى تُنشِدُ للحُرّية وعلى أجنِحَةِ الرَصاص بَسماتُ الشُهداء تُضيءُ الدربَ وسراجها الدم وتَمضي نحوَ الأمَل.
يَومَها لَم يَكُن لِكُلّ فَردٍ مِنّا جريدة خاصة ولوحة إعلانات مُتَنقّلة وإذاعة تبث على مدارِ اللحظة، يومها لم يكن الفيس بوك هو بطل المعركة وكانت بعض الصحف والمجلات ممنوعة نتناقلها سرًا ونُخفيها عن العسس، يومها كان البيانُ ممنوعًا وعلم فلسطين ممنوعًا وال PLO ممنوعة وكانت كل هذه الممنوعات ذات شَعبيّة في المظاهرات والمناسبات، يتلقفها الشعب ويحميها.
تَطوّرت الأساليب نعم، إشتَدّ ساعد شعبنا نعم، تَعَمّلَقت المقاومة نعم، ولكنّنا فقدنا الكثير من أنفُسنا، فقدنا ما قد يُعيد للثَورة بريقها وهيبتها، فقدنا روح الجماعة وصدق الآنتماء والعطاء، فقدنا الثَورة حين صارت مكاتب شاهقة وسجون لأبنائها وعملياتها العظمى هي التنسيق الأمني المقدّس.
الإنتفاضة الأولى ليست أرقام سنين وتَمُرّ، هي ليست الافٌ من الأسرى، نساء وأشبال ورجالٌ رجال، هي ليست عدد الشُهداء والجرحى فَحَسب، هي كل هذا وعددٌ كبير من قيمٍ ليتها تعود لِنَعود.
أبو أسعد كناعنة - الجليل/فلسطين

