Menu

حرب ترامب على الصين.. ومخاطر الحرب التجارية الشاملة

هل تكون نقطة تحولٍ نحو عالمٍ متعدّد الأقطاب؟!

موسى عزب

في حملة شرسة ضد الواردات، يطلق الرئيس الأمريكي حرباً تجارية ضد الصين، ويهدد بمضاعفة الضرائب على جميع الواردات الصينية، وتحت شعار "أمريكا أولاً" يفرض مفاوضات على اليابان تستهدف الفائض التجاري لدى "الحليف الياباني"، ويطالب بفرض تعريفات جمركية جديدة، في وقت أصبح فيه رأس المال المالي، هو الحاكم النمطي للعالم، وتحوله إلى قوة متحركة ومركزة ومتداخلة، داخل الولايات المتحدة وفي العالم، حيث يأمل ترامب في تشكيل جبهة مع أوروبا ضد بكين، بينما تسعى الصين بدورها إلى التخلص من قبضة الغرب على اقتصادها.

بدأ الرئيس الأمريكي بتهديد "من سرقونا"، ثم جاء دور نائب الرئيس، ليتهم الصين بأن اقتصادها قائم على النهب، وأنها تمارس عدواناً مسلحاً ضد أمريكا، وتحاول إضعاف مكانة الرئيس، مما دفع الرئيس الصيني بالتصريح: بأنه لا يوجد أحد يستطيع أن يجبر الصين على "إبتلاع الثعابين" على حساب مصالحها.     
من التصعيد اللفظي، انتقل الطرفان إلى العقوبات الجمركية، وبدا بأن البلدين القويين يقفان على طرفي النقيض على المستويات الاقتصادية والجيوسياسية والأيدلوجية، وأنهما يتجهان بثبات نحو حرب باردة جديدة، دون أن يتحرك أحد لدفعهما إلى التعقل  .
على الجانب الأمريكي؛ تم الإعلان عن قائمة تشمل 5745 منتجاً صينياً من أهمها الصلب والألمنيوم والكيماويات والالكترونيات، تمثل 200 مليار دولار، ستخضع لضرائب خاصة، فقامت الصين بتعديل ضرائبها على 5200 منتج أمريكي تعادل 60 مليار دولار.

وصف ممثل للصناعة الأمريكية قرار ترامب بأنه: "من أكثر المراوغات تدميرا للذات"، وتتخوف نخب في واشنطن من أن ذلك من شأنه أن يسرع من تبلور نظام جديد متعدد الأقطاب، خاصة بعد الانسحاب من الاتفاق الإيراني النووي، وتحدي ترامب لكل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين دفعة واحدة. 
في بكين وهونج كونغ، يتخوف رجال الأعمال من أن تكون بكين قد بالغت في رد الهجوم على ترامب، وأساءت التقدير لتفاقم المشاعر المعادية للصين وسط النخب الأمريكية، وأن الصين طوال سنوات لم تفعل شيئا لمنع المواجهة!!
وبعد أن أوقف ترامب اتفاقا وقع في أيار الماضي يعد بزيادة المشتريات الصينية، مقابل تمكين الأعمال الأجنبية وخاصة الأمريكية، بأن تصبح أغلبية في بعض الشركات الصينية، أكدت بكين بأن المفاوضات حول هذا الاتفاق لم تقطع بعد بشكل كامل، مع "هذا التاجر الجلف الذي لا يحسن الحوار".   
هذه العدوانية الأمريكية تعيدنا لحقبة ريغان عندما فرضت أمريكا ضرائب مرتفعة على اليابان بلغت بعضها (100%) على الأجهزة الكهربائية، مما دفع البلد الذي كان يشكل القوة الاقتصادية الثانية في العالم، إلى رفع نسبة الفائدة، قبل الدخول في ركود اقتصادي ما زال يعاني منه حتى الآن.
هل يمكن فرض هذا السيناريو على الصين؟ الصينيون لا يعتقدون ذلك، حيث تعتمد الصين بصادراتها التي كانت لفترة طويلة قاطرة نموها، على وفرة اليد العاملة المؤهلة والمنضبطة، وأجور منخفضة، ورؤوس أموال أجنبية، ومهارة البحث عن أسواق جديدة، في ظل أجواء تشريعات دولية تكسر أقفال الحماية في السوق. وبعد تردد وشكوك، التحقت الصين بمنظمة التجارة العالمية عام 2001، وبسرعة ملحوظة استطاعت تجاوز الاقتصاد الفرنسي والبريطاني والألماني ثم الياباني، حيث بلغ الناتج المحلي الإجمالي 11200 مليار دولار عام 2016، مقابل 18569 مليار للولايات المتحدة.

في واشنطن بدأت النخب السياسية تقر بحماقتها التاريخية، عندما ركزت على استهداف روسيا، بينما كان عليهم أن يقلقوا بشأن الصين. بدؤوا يستدركون تأخرهم عندما قطعوا خطوة في آب الأخير بإقرار الكونغرس قانون "الدفاع الوطني" بمساعدة من الديمقراطيين، حيث أضيفت العناصر التجارية والاقتصادية إلى جانب الدبلوماسية والعسكرية والاستخباراتية، رغم تفوق الأمريكان المعروف في هذه المجالات.

أمريكا تدفع بكل أسلحتها لإخافة الصين، بينما الفائض التجاري الصيني يبلغ 375 مليار دولار، اي ما يساوي 47.2% من فاتورة أمريكا للتجارة الخارجية، ورغم ادعاء ترامب بأن صناعته قد تعرضت إلى هجوم تجاري متعمد تسبب في إقفال مصانع وتسريح ملايين العمال، إلا أن الجميع يعرف بأن تراجع التصنيع الأمريكي بدأ قبل وصول الصين إلى الملعب الدولي.   
تتباهى الصين من جانبها بأن سياساتها كانت عادلة وأنها نجحت بتخليص 800 مليون صيني من الفقر الشديد، عندما وظفت لمصلتحها القواعد التجارية التي أملتها القوى العظمى على العالم، وأنها ليست هي من ألغى أدوات التدخل الاقتصادي ونشر العولمة!       
اليوم هناك أربعة صناعات صينية من عشرة، تشكل 42.6%، تتم بواسطة مؤسسات أمريكية والأمثلة الأكثر وضوحاً هي  APPLEو iPhone، يتم تصنيعها داخل الصين وتعود معظم قيمتها المضافة لصالح الولايات المتحدة، هنا يكون رأس المال سعيداً بالذهاب لاستغلال يد عاملة رخيصة، ونظام يتجاهل التبعات البيئية المكلفة للإنتاج المكثف.      
لم تكتف الصين بذلك، بل طورت تقنيتها الخاصة، وبرعت في الانترنت وغوغل وأمازون.
رغم اعتقاد مستشارو ترامب بأن الصين ستخضع في النهاية بعد انهيار الاستثمارات، إلا أنه لا يوجد مؤشرات تؤكد ذلك؛ فالواردات الصينية استمرت بالتزايد، بينما الصادرات واصلت تصاعدها بنسب معقولة بلغت 12.2% في عام واحد.       
تؤكد الصين بأنها تواصل عمليات الإصلاح بالوتيرة والطريقة التي تريدها مع إعطاء أولوية لدمج الحزب الشيوعي الصيني بآليات الحكومة للحد من الفساد وضبط الحركة، وتتجه إلى اقتصاد أكثر تخطيطاً وتأهيلاً، وتعلن عن نسب نمو تبلغ 6.7% في الفصل الثاني لهذا العام. ومنذ فترة طويلة لم تعد الصادرات تشكل قاطرة الاقتصاد، بل أن الاستهلاك الداخلي والاستثمار يشكلان بالتتابع 43.4% و 40% من العائد القومي الإجمالي، بالإضافة إلى سوق داخلية من 1.4 مليار نسمة، من الصعب المس بها.     
تطرح بكين سلاحاً آخراً لمواجهة الركود؛ وهو خطة "صنع في الصين 2025" والهادفة إلى تطوير صناعة تجديدية مستقلة في قطاعي التكنولوجيا والمعلومات، ولكن أيضا في الروبوتات والفضاء والطيران وهندسة المحيطات والعربات الكهربائية والمعادن الجديدة والطب الحيوي. وتأمل أن تنافس الاحتكار الأمريكي عندما تطرح في الأسواق بضائعها بأسعار تفضيلية. كما تسعى الصين لتعزيز ثقة العالم بها من خلال إرباك ميزة التبادل بالدولار وإحلال الإيوان في التبادلات، خاصة تجاه الدول التي تتعامل مع إيران، وإخراجها من مصائد التبعية والحصار، وتؤكد بأنها لا تصدر أيدلوجيتها إلى الخارج، وتحترم حق الجميع باختيار منهجه الخاص بالتطور.

تتوجه الصين للتعاون مع شركاء آخرين؛ بداية من جيرانها بمن فيهم أؤلئك الذين يتخوفون من سطوتها، فالتجارة البينية الأسيوية تشكل 43% من قيمة التبادل بين دول المنطقة، وتستغل الصين اهتزاز الثقة بين ترامب وحلفاء أمريكا التاريخيين في طوكيو وسيؤول، لتدفع بشراكة إقليمية كاملة تصل إلى استراليا ونيوزلندا والهند، بينما ستحمل بعض المنتوجات الصينية علامات صناعية من بنلغاديش وفيتنام. وأيضاً تتوجه بقوة لتجعل من طرقها الأسطورية مشاريع متعددة الأطراف، فتدفع بإحياء طريق الحرير للوصول براً إلى أوروبا مروراً بوسط آسيا وروسيا، وتأسس البنك الأسيوي للاستثمار، وتقيم جسراً بحرياً إلى أفريقيا.        
تدرك بكين بأن مواجهة خطوات واشنطن التصعيدية ستترك بعض الآثار خاصة في موضوع الحبوب واللحوم، فتفتح لها أسواقاً تبادلية مع محيطها والبرازيل، وتقدر بأن التراشق سيكون مؤلماً أيضا للأمريكيين، وتتوقع بأن هؤلاء سيعودون لطاولة الحوار بعد الانتخابات النصفية التي جرت مؤخراً.  
على كل، المواجهة بين القوتين تتجاوز المسألة التجارية لتأخذ أبعاداً عسكرية واستراتيجية توثر في وضع كل من بحر الصين وتايوان.       
علامات فشل الولايات المتحدة بتدمير نمط المجتمع الصيني واستبداله بنمط غربي يمنع توفبر مساحة كافية للنمو الإنتاجي، أصبحت واضحة، وقد تراخت سيطرة القوة العظمى، وبدأت آلة حربها في التداعي عندما فشلت بالإطاحة بكوبا، وهزمت في فيتنام، وغاصت في حروب أفغانستان و العراق وسورية، وهذا خبر سعيد لكل من بكين وطهران وغيرها بكل تأكيد. 
تدفع واشنطن إلى خفض إنتاج الصين من الالكترونيات والنسيج والفولاذ، وتراهن على معاقبة الصين بترك ملايين العمال والموظفين "على البلاطة"، وما يترتب عليه من آثار اجتماعية غير محسوبة!
من المؤكد بأن نمط العولمة في التخصيص الإنتاجي الذي كان سائداً منذ عقود سواء في الغرب أو الصين، أصبح ثقيلاً، كما أن استبدال النظام الاقتصادي القائم على تبادل السلع، بعالم يقوم على المساواة الاجتماعية والثروة المشتركة ما زال بعيداً. 
ولكن هل ستسبب الجرعة الأخيرة من تعريفات ترامب للاستيراد، بدفع العالم إلى حرب تجارية شاملة؟
القادة الصينيون يؤكدون بأنهم قادرين على منع وقوعها، ولكن إمكانية تسخين حرب متعددة الأقطاب، وعالم يتجه نحو نظام دولي متعدد، ما زالت قائمة.

*عضو المكتب السياسي لحزب الوحدة الشعبي الديمقراطي الأردني