Menu

الغرب و ميثاقه الأعظم

جيمس زغبي

في صيف العام 1971، قضيت وقتاً قصيراً في لندن عندما كنتُ في طريقي إلى لبنان للتحضير لإعداد أطروحة بحث جامعية. وكنت قد غادرت الولايات المتحدة وهي غارقة في حربها المريرة والطويلة في فييتنام. وما إن ابتعدت قليلاً عن فقاعة الحرب الأميركية هذه، حتى اكتشفت «أبواب الجحيم المفتوحة» على بقاع أخرى من العالم. وكانت هناك انقلابات عسكرية وحروب ونزاعات عرقية في أيرلندا الشمالية و السودان ، وبين الإسرائيليين والفلسطينيين، وبين الهند وباكستان.

وبما أني كنت قد أدمنت متابعة الأخبار، فقد كنت أحرص على مطالعة أكبر عدد ممكن من الصحف. وقد اكتشفت من تلك المطالعات، أن العناوين الرئيسية للصحف وأعمدة الرأي فيها وافتتاحياتها ورسومها الكاريكاتيرية، كانت في غالب الأحيان مُفعمة بالعنصرية.

وكثيراً ما كان يُنظر إلى الأيرلنديين والأفارقة والعرب وشعوب جنوب آسيا نظرة «سلبيّة». وكان البعض يرى أن الصراعات التي تخوضها تلك الشعوب «مؤسفة»، وغير متوقعة إلا من قبل أجناس أقل تطوراً من البشر! إلا أن هذه الدول «المنكوبة» جميعاً كانت في ما مضى مستعمرات بريطانية، وكانت شعوبها خاضعة للنفوذ البريطاني (ولا يزال هذا الوصف ينطبق على أيرلندا حتى الآن). صحيح أن الإمبراطورية البريطانية اندثرت، إلا أنّ الغرور والصلف الاستعماري ما زال ينعم بالحياة، وهو في صحة جيدة!

وخلال الأسبوع الماضي، تراءت إلى ذهني هذه المسألة عند احتفال الدول الغربية بمرور 800 عام على صدور لوائح «الميثاق الأعظم»

Magna Carta في عهد ملك إنجلترا جون لاكلاند في العام 1215 وأقرّته «أسقفية كانتربوري»، والذي كان يهدف لصيانة الحريات العامة والحدّ من سلطة الملك. ولم تكن للكتّاب والمحللين الذين تناولوا هذا «الميثاق» نظرة متطابقة حوله. فمنهم من اعتبر أنه «يمثل أساس التحرر الغربي وحجر الأساس لمفهوم سلطة القانون»، ومنهم من رأى أنه «وثيقة فقدت معناها» أو تمّ تحريفها أو بالغ البعض في تقدير أهميتها.

ويمكن الزعم بأن «الميثاق الأعظم» وما تلاه من مواثيق، لم يقدّم في حقيقة الأمر إلا «القشرة الخارجية الخادعة» للتحرر والتعايش وسيادة سلطة القانون. وهي القشرة التي ضمنت حقوق الدول الغنية وأخفت الوجه الحقيقي للرعب والظلم والاضطهاد الاستعماري الذي عانت منه الشعوب الأخرى. وعندما ارتدت بريطانيا عباءة «تحرير الشعوب»، ما كانت تهدف من وراء ذلك إلا إلى «شرعنة» غزوها وإخضاعها لما يزيد على خمس سكان الأرض، استناداً إلى زعمها بأنها تقود حملة التنوير والتحضير.

وغالباً ما كان تاريخ الأيرلنديين والعرب وبعض شعوب جنوب آسيا، يعجّ في العهد الاستعماري بقصص المذابح والمجاعات والتنكّر للحريات والزجّ الجماعي للناس في السجون والتعذيب. هكذا، يمكن القول إن الحقوق التي أعلنها البريطانيون لأنفسهم (من خلال ميثاقهم العظيم) ضنّوا بها على أولئك الذين يعتقدون أنهم لا يستحقونها.

على أن هذا الطرح ليس تاريخياً بحتاً، بل هو قائم حتى في يومنا هذا، حيث حافظ «الغرب» على نظرته نحو «الشرق»، باعتباره الأقل تحضّراً والأكثر ميلاً إلى العنف، والأقل احتراماً وتقديراً لأرواح البشر وحرياتهم.

 

نقلاً عن: السفير