Menu

فلسطين وتداعيات الانقسام

هاشم عبد العزيز

بعد أن كان على حالة من الجمود المتصلب والمراوحة الطفيفة في بعض الأحيان، انتقل الانقسام السياسي بين حركتي «فتح» و«حماس» إلى حالة التداعي المحكومة بردود الأفعال والانتقام المفتوح على غير احتمال، فما يجري لا يعجز أي طرف عن سوق المسببات والأسباب، لكنها لا تقدم سوى برهان على أن الانقسام بما كان عليه خلال أعوام لم يعد قابلاً للاحتمال.
من المفارقات التي قادت إلى هذا الوضع الذي يبدو عليه المنقسمون، كما لو أنهم هيأوا كل سبل الانتحار، أن الطرفين أسهما وإن بتفاوت الأدوار في إقران اتفاقات إنهاء الانقسام، بتجديد وترديد الخلافات وليس بتحويل الاتفاقات إلى أفعال.

ومن أبرز ما أدى إلى ما يجري الآن، تمكن الإشارة إلى:
أولاً: عجز السلطة عن إعادة مؤسساتها وإدارتها لقطاع غزة أمام سيطرة «حماس» على كامل الأوضاع، والمسألة هنا تعود إلى الحسابات القاصرة والخاسرة في آن، فمن جهة ترى السلطة أنها يجب أن تستعيد إدارتها للقطاع بمعزل عن استيعاب ما ترتب منذ حدوث الانقسام، وهو أمر ترى فيه «حماس» محاولة جديدة لاستعادة «فتح» لهيمنتها الكاملة على القطاع، كما هي في الضفة. وفي المقابل لم تخرج «حماس» من دوامة «التقاسم» تحت مظلة الاستحقاقات، وفي كلا الحالين لم يكن لاستعادة الوحدة الوطنية أدنى اعتبار.

ثانياً: لقد جرت محاولات عديدة للخروج من هذا المأزق النفعي، وكانت الاتفاقات التي رعتها مصر حددت المسار المناسب للانتقال من الحالة الانقسامية، ومن ذلك تشكيل حكومة وحدة وطنية، وإجراء الانتخابات البلدية والبرلمانية والرئاسية، لكن المنقسمين وإن بتفاوت الأدوار منحوا أطرافاً إقليمية ودولية اللعب والتلاعب بهذه القضية، وهو ما أوصل الأمور راهناً إلى حالة الهروب من مواجهة القضايا، التي تهم الشعب الفلسطيني في حقوقه ووحدته ومصيره.

في هذا الشأن كان قرار الرئيس الفلسطيني بحل المجلس التشريعي بأغلبيته المعروفة من «حماس»، القشة التي قصمت ظهر البعير؛ إذ بعد هذا القرار الذي جاء تحت مظلة الشروع في البدء بتنفيذ اتفاقات المصالحة، دخل الانقسام بين الطرفين المناطحة المفتوحة الناسفة لكل ما جرى لاحتواء الانقسام، فالاعتقالات المتبادلة في الضفة والقطاع، وتعطيل نشاط المؤسسات، ومن ثم إعلان «فتح» إغلاق مقراتها التنظيمية ومؤسساتها الإعلامية في القطاع، وسحب السلطة موظفيها من غزة، أعاد الوضع الانقسامي إلى أسوأ مما كان.

ما الذي أدى إلى هذا التداعي؟
في الأساس لم تعد هناك خلافات جوهرية في المسار السياسي بين «فتح» و«حماس»، لكن هناك مصالح ضيقة وتدخلات خارجية يرتبط كثير منها بتصفية القضية الفلسطينية، وعند هذه النقطة تمكن الإشارة إلى نقطتين رئيسيتين: 
الأولى: أن كلتا الحركتين تمنحان نفسيهما الحق على حساب حقوق الشعب الفلسطيني في وحدته وإرادته وفي استقرار أبنائه، ودعم صمودهم في مواجهة الاحتلال في حربه المفتوحة على وجود الفلسطينيين. ف«فتح» مسكونة بالاعتزاز بأنها صاحبة السلطة، و«حماس» مشحونة بالاعتقاد أن قطاع غزة «حقها»، وبين هذا وذاك تتداعى الأمور باتجاه الضياع.
الثانية: غياب فاعلية الفصائل والمنظمات الفلسطينية الأخرى، ومنها فصائل مقاومة شبابية واجتماعية وثقافية، وإطارات ذات هوية وطنية، في الوقوف الحازم ضد الانقسام، على أنه أمر لا يُقبل تجسيده على الأرض؛ إذ إن الانقسام في الاتجاهات والآراء أمر وارد في أي مكان وزمان، لكن التعبير عنه على أرض الواقع جريمة تحت أي ذريعة كانت. وما يجري اليوم هو صفعة مذلة ومهينة لكل فلسطيني أمام ما يحاك ضد القضية الفلسطينية التي تدور حولها المخططات، والمبادرات والصفقات المزعومة.
في الزمن الغابر قيل: «رب ضارة نافعة»، وما يجري في شأن الانقسام السياسي الفلسطيني الآن، قد يذهب إلى إنهاء الانقسام ذاته، بعد أن استنفد كل مبررات وجوده واستمراره على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته، والأمر هنا ليس مجرد حلم؛ بل إن ما يترتب عليه في الداخل الفلسطيني هو النبذ والرفض، وليس بمستبعد مواجهة الانقسام.

إن الطريق إلى المستقبل أكان ل«فتح» أو «حماس»، لن يمر من هذا النفق المظلم والظالم للشعب الفلسطيني، بل يأتي من إعلاء المصلحة الوطنية الفلسطينية التي لا تحتمل أبوية عباس، ولا لعبة خلط الأوراق من جانب «حماس»؛ بل العودة وإعادة الاعتبار إلى الأعمال لتنفيذ اتفاقات الوحدة الوطنية التي رعتها مصر، والتي ستبقى بوابة الانتصار الفلسطيني حقوقاً وسلاماً.

المصدر "الخليج"