Menu

آمال إسرائيل الكبيرة لكردستان مستقلة

إيلياهو كامشر

في 20 حزيران/يونيو، رست ناقلة النفط “SCF Atlai” بهدوء في ميناء عسقلان الإسرائيلي. وعلى الرغم من أنها حاولت إخفاء وجودها ومصدر نشأتها، إلا أن النفط الذي كانت تحمله كان قد انطلق من “إقليم كردستانط” مروراً ب تركيا ، ومنها إلى أيدي شركة شحن استُخدمت كطرف ثالث وقامت في النهاية بتحميل النفط على الناقلة. بيد، إن هذه السفينة مع حمولتها من النفط الكردي بقيت تجول في البحر المتوسط لعدة أسابيع. ولم ترغب أي من الأطراف المعنية مخالفة سياسة الولايات المتحدة التي تفرض مرور جميع شحنات النفط الكردية عبر الحكومة العراقية في بغداد. وأخيراً، جلبت إسرائيل الشحنة بهدوء إلى الميناء، وكانت هناك دوافع سياسية للقرار أكثر من دوافع مالية، الأمر الذي يعكس الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة تجاه “حكومة إقليم كردستان “.

من الصعب تقييم الوضع الفعلي للعلاقات الإسرائيلية-الكردية نظراً لطبيعتها السرية. ولكن من الواضح على ضوء المعلومات العلنية أن إسرائيل هي إحدى الدول القليلة التي تدعم ظاهرياً الاستقلال الكردي. فبعد أسبوع من [وصول] شحنة النفط على سفينة Atlai، وجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نداءً قوياً لـ  “دعم تطلعات الأكراد نحو الاستقلال”، ويُعد خطابه تصريحاً إضافياً ضمن حملة إسرائيلية واسعة النطاق ولكن مقدر لها الفشل تهدف إلى التأثير على السياسة الأمريكية وتوجيهها نحو دعم “حكومة إقليم كردستان”. وكثيرة هي التصريحات المماثلة من قبل شخصيات سياسية إسرائيلية بارزة؛ فقد قال الرئيس السابق شمعون بيريز للرئيس أوباما أن دولة كردية قائمة بالفعل بحكم “الأمر الواقع”، بينما أكد وزير الخارجية السابق أفيغدور ليبرمان لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري إن الدولة الكردية هي “نتيجة مفروغ منها”. ومؤخراً، وفي مؤتمر هرتسليا السنوي، أعربت وزيرة العدل الإسرائيلية أييليت شاكيد أيضاً عن دعمها للاستقلال الكردي ولقيام تحالف إسرائيلي-كردي. ومع ذلك، لم يطرأ تغير ملحوظ على الوضع الكردي، الأمر الذي يدعو إلى التساؤل: ما الذي تتوقع القدس أن تحققه من تشديدها على قيام حكم ذاتي للأكراد [في العراق[ .

إن ما يغذي بالتأكيد موقف إسرائيل هو وجود نقاط تشابه ثقافية، وعدد كبير من المهاجرين الأكراد، وتأييد شعبي على المستوى الداخلي لقيام دولة كردية يُنظر إليها محلياً كمعتدلة وعلمانية. ولا يمكن لهذه العوامل وحدها أن تفسر موقف إسرائيل القوي المؤيد للإكراد. وللقيام بذلك، من الضروري أيضاً أن نفهم الكيفية التي تتصور فيها الحكومة الإسرائيلية قيام كردستان مستقلة ناشطة في منطقة الشرق الأوسط. وكان نتنياهو قد وصف كردستان، ودول عربية أخرى، على أنها عناصر أساسية [لبناء] “محور تعاون إقليمي”، يهدف إلى محاربة تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (“داعش”). إن وجود دولة كردية مستقلة ومستقرة هو أمر ضروري لهذه الخطة: فهذه الدولة ستشكل حصناً منيعاً في وجه التطرف، ومعقلاً للاستقرار، وحليفاً مهماً ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”.

ومع ذلك، فبالنسبة لإسرائيل إن التحالف ضد تنظيم “داعش” يشكل أيضاً مقدمة مهمة لتحالف ضد تهديد أكثر خطورة ألا وهو: إيران. وفي حين وصف نتنياهو باستخفاف تنظيم “الدولة الإسلامية” على أنه عصابة متشرذمة تضم “مقاتلين إسلاميين يركبون شاحنات صغيرة،” إلا أن إسرائيل ترى إيران كقوة اقتصادية وعسكرية هائلة تصب اهتمامها عل تغيير التوازن الإقليمي لصالحها. لذلك، تجمع إسرائيل أكبر قدر ممكن من الحلفاء في وجه التوتر المتصاعد بينها وبين وإيران. وفي حين أن الموقع الاستراتيجي لـ “حكومة إقليم كردستان” يخولها محاربة تنظيم “الدولة الإسلامية”، لكن بالنسبة لإسرائيل تكمن الأهمية الاستراتيجية للأكراد على المدى الطويل، في قربهم من إيران. ومن وجهة نظر إسرائيل، تحتل “حكومة إقليم كردستان” ودول عربية أخرى مكانة هامة في الاستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى مكافحة النفوذ الإيراني والطموحات النووية الإيرانية.

إلا أن تنظيم “الدولة الإسلامية” قد غيّر العلاقات الاستراتيجية الإقليمية بطرق أخرى، كما أن العلاقات بين أربيل وطهران قد توطدت بصورة ملحوظة. فقد ساعد القائد الشهير لـ “قوة القدس” النخبوية التابعة لـ “فيلق الحرس الثوري الإسلامي” قاسم سليماني على نحو علني قوات البيشمركة الكردية في صد مقاتلي تنظيم “الدولة الإسلامية”، في حين أشادت طهران علناً بتواجدها في كردستان. وتُعتبر جميع هذه الأحداث تطورات مقلقة فيما يتعلق بالأحلام التي تراود إسرائيل حول تشكيل محور إسرائيلي-كردي ضد إيران. وتدرك إيران تماماً كيف يؤدي تواجدها العسكري ونفوذها السياسي في إربيل إلى تقويض المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية. وكما أكد أحد المسؤولين الإيرانيين، بأن طهران “لن تسمح قط بتجسيد أحلام نتنياهو فيما يتعلق بالعراق ومنطقتنا”، في تلميح مبطن إلى التحركات الإسرائيلية تجاه “حكومة إقليم كردستان».

إن ذلك يضع إسرئيل في موقف صعب على الصعيد الاستراتيجي، لأن حكومتها لا  ترغب على ما يبدو بتقديم دعم عسكري لـ “حكومة إقليم كردستان” على نفس مستوى الجهود العسكرية الإيرانية الحالية. وعلى الرغم من أن إسرائيل تدعم استقلال كردستان بشكل صريح لتعزيز الدعم الكردي، إلا أن الكثير من الدعم يمكن أن يقوّض فعلاً “حكومة إقليم كردستان”، مما يؤدي الى مواجهتها اتهامات متزايدة بأنها دولة بنيت على طراز “الحلم الصهيوني”. كما أن ردود فعل “حكومة إقليم كردستان” على الدعم الإسرائيلي هي أقل من أن تكون مشجعة، حيث يرفض المسؤولون الأكراد التعليق على دعم نتنياهو الصريح لإقامة دولتهم.

ونظراً لهذه الظروف، اتبعت إسرائيل ثلاث استراتيجيات منفصلة لدعم مصالحها الاستراتيجية وتأمين الاستقلال الكردي. أولاً، تكثّف إسرائيل مساعداتها الاقتصادية المباشرة لـ “حكومة إقليم كردستان” من خلال توفيرها التدريب لقوات الأمن، وإنشاء المطارات، وإقامة البنية التحتية للاتصالات، وتوطيد العلاقات التجارية. ثانياً، تمارس إسرائيل ضغوطاً على الولايات المتحدة نيابة عن “حكومة إقليم كردستان”، على افتراض أن الأكراد لا يمكنهم أن ينفصلوا عن نطاق النفوذ الإيراني دون بعض مظاهر الدعم الأمريكي. ثالثاً، إن إسرائيل هي إحدى الدول القليلة المستعدة لشراء النفط الكردي. وعلى الرغم من اكتشاف حقلي الغاز “تامار” و”ليفياثان” مؤخراً في البحر المتوسط، تستمر إسرائيل في شراء النفط من “حكومة إقليم كردستان”، بتوفيرها عائدات النفط الأساسية لإقليم يعاني من ضائقة مالية. ويبدو أن شراء النفط من كردستان العراق بشكل مبطن هو أفضل وأكثر الوسائل الإسرائيلية الملموسة التي تعود بالفائدة على “حكومة الإقليم” من خلال تقديم دفعة اقتصادية لكردستان مع التأكيد في الوقت نفسه على حقوق “حكومة إقليم كردستان” لنفطها المتنازع عليه.

إلا أن هذه الأساليب الواعدة من الناحية النظرية قد لا تتواكب مع الوقائع المتغيرة في المنطقة الكردية. فسياسة إسرائيل القائمة على التقرب من المصالح الأمريكية قد أثبتت حتى الآن عدم جدواها. وعلاوة على ذلك، يبدو أن النجاح المستقبلي أمراً غير محتمل، لأن الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة تميل بعيداً عن قيام كردستان مستقلة، وبدلاً من ذلك تعتمد على بلدان رئيسية استراتيجية أخرى تعارض استقلال الأكراد في العراق، مثل تركيا.

وعلاوة على ذلك، من الصعب تقييم تأثير صفقات النفط الكردية -الإسرائيلية على الاقتصاد الكردي وعلى الرأي القائم تجاه إسرائيل. فليس هناك سوى عدد قليل من شحنات النفط الكردية المصدرة إلى إسرائيل والموثقة علناً، لأن شركات الشحن تستخدم أساليب مختلفة من التشويش لتعتيم الوجهة النهائية لنفط “قليم كردستان”. وفي عام 2014، بلغ مجموع الإستيرادات الإسرائيلية الموثقة من النفط الكردي 6 في المائة فقط من إجمالي 34.5 مليون برميل من شحنات النفط التي صدرتها “حكومة إقليم كردستان” والتي لم تتم الموافقة عليها من قبل بغداد. والأهم من ذلك، في كانون الأول/ديسمبر توصلت أربيل وبغداد إلى اتفاق يمكن بموجبه لـ “حكومة إقليم كردستان” أن تصدر النفط بشكل مستقل حالياً، طالما توفر550,000  برميل من النفط يومياً إلى الحكومة العراقية. كما أن الاتفاق يسمح لأربيل بتصدير النفط بحرية إلى دول كبرى أخرى، بما فيها الولايات المتحدة، دون فرض عقوبات اقتصادية من قبل بغداد. وعلى الرغم من أن الاتفاق هو على حافة الانهيار بسبب عدم إيفاء أي من الطرفين بالإلتزامات الخاصة به، واصلت “حكومة إقليم كردستان” زيادة صادراتها النفطية في الأشهر القليلة الماضية. ومع توسع الصادرات الكردية إلى الأسواق العالمية، فإن دور إسرائيل كشريك نفط مؤثر دون أن تكون له ضرورة اقتصادية حقيقية على النتيجة لا يمكن أن يستمر.

لذا، ففي حين يواصل رجال السياسة الإسرائيليين التقرب من “حكومة إقليم كردستان”، يبدو أن كردستان تواصل البحث عن مسارات بديلة للحصول على دعم إقليمي. وعلى الرغم من أن إيران تشكل قلقاً كبيراً لإسرائيل، يحاول الأكراد العراقيون الإبقاء على التوازن الدقيق بين رغبتهم في الاستقلال، ومحاربة تنظيم “الدولة الإسلامية”، والمصالح المتنافسة لجيرانهم العراقيين والإيرانيين والأتراك. وبينما تحاول إسرائيل تشكيل تحالف ضد إيران، يبدو أن حلفائها الطبيعيين، بمن فيهم “حكومة إقليم كردستان” والولايات المتحدة، هم أقل قلقاً تجاه إيران مما كانت تأمله إسرائيل. وإذا لم تؤتِ السياسة الحالية التي تنتهجها إسرائيل تجاه كردستان ثمارها، قد يتوجب على إسرائيل البحث عن شركاء غير مرتقبين، ويشمل ذلك اتباع مقاربة أكثر ودية تجاه تركيا والعديد من الدول العربية القلقة فعلاً من إيران.

المصدر: مركز الناطور للدراسات