Menu

فلسطين بين سايكس بيكو وصفقة القرن (ج3)

حاتم استانبولي

المؤتمر الصهيوني الأول

 (دور الحركة الصهيونية في وعد بلفور واتفاقية سايكس- بيكو وصك الانتداب) 

الانتقال من مجتمع القنانة والإقطاع، التي مثّلتها الإمبراطوريات الأوروبية ما قبل الثورة الفرنسية، إلى المرحلة الرأسمالية وبداية ظهور صيغة الدولة التي اعتمدت المواطنة على أساس مبادئ الثورة الفرنسية، حيث تراجع العامل الديني لصالح العامل الوطني والقومي في أوروبا. هذا طرح سؤالًا مهمًا على الجماعات اليهودية في الشرق والغرب: ما هو مصير استقلالية الجماعات اليهودية في ظل الدولة الرأسمالية التي تطرح المواطنة على أساس العامل الوطني والقومي؟. هذا سيفقد اليهود صفة أقنان البلاط، التي شكلت حماية لهم ولأعمالهم. وأهم مثَل هو الجماعة اليهودية في فرنسا، التي أُجبِرت على التخلي عن أعمالها الربوية وتجارة العبيد، التي أدت إلى تخلي الكثيرين عن يهوديتهم، وخاصة المثقفين منهم، حتى وصلت في بعضهم إعلان عدائه لليهودية، وانتقل الكثيرون منهم إلى العلمانية، وانخرطوا في المجتمعات المدنية التي يعيشون فيها.

وهُنا طُرِحت بقوةٍ قضيّة حل المسألة اليهودية!

لقد تغيرت الظروف التاريخية في أوروبا وبدء التفكير في كيفية الحفاظ على استقلالية (رأس المال اليهودي)، التي شكلت مدخلاً للبحث عن صيغة جديدة، تتواكب مع التغيرات التاريخية في أوروبا حيث نشأت فكرة إنشاء وطن قومي لليهود، وبدأت التفاعلات بين الجماعات اليهودية للهروب من النزعة العدائية للسامية، التي أشرْتُ لها ولأسبابها في (الجزء الثاني).

اقرأ ايضا: فلسطين ما بين سايكس بيكو وصفقة القرن

نتيجة لهذا التفاعل، ظهر الصحفي اليهودي ثيودور هيرتزل، لينشط بين الجماعات اليهودية في وسط وشرق أوروبا، ليطرح فكرة ضرورة إيجاد أداة لتمثيل الجماعات اليهودية، ودعا إلى الاجتماع الأول للحركة الصهيونية، وترأسه، عام 1897، في بازل السويسرية، وحضره مندوبو الجماعات اليهودية، وطرح نقطتين: الأولى ضرورة إنشاء وطن قومي لليهود، وتنشيط العمل من أجل إحياء الوعي القومي بناء على الفكرة الدينية، والعمل على الحصول على موافقة دولية من أجل تنفيذ المشروع الصهيوني.

قاد هرتزل معظم مؤتمرات الحركة الصهيونية السبعة، التي سادها الصراع بين التيارات الدينية وممثليها، وعكسَ صراعًا داخليًا بين رؤوس الأموال الذين كان همهم إيجاد وطن قومي للهروب الآمن لهم ولأموالهم، في حال اشتداد النزعة العدائية لهم، والتيار الديني الذي كان يسعى لأن يكون الوطن القومي استنادًا للرؤية التلمودية.

اقرأ ايضا: فلسطين ما بين سايكس-بيكو وصفقة القرن.. اليهودية في أوروبا وأساس العداء للسامية (ج 2)

إن طرح مكان الوطن القومي اليهودي، واختيار الأرجنتين وأوغندا، شكّلا تأكيدًا على أن الوطن القومي هو فكرة الرأس مال اليهودي، الذي لا يعير أيّة قيمةٍ للمقولة التلمودية، بقدر توظيف هذا الوطن لخدمة رأس المال اليهودي، وحدث أن الجماعات اليهودية الشرقية وخاصة الروسية التي رفضت هذا الخيار وأصرت على الخيار التلمودي، الذي فرض تشكيل لجنة لتحديد مكان الوطن اليهودي وتحدد في المؤتمر السابع عام 1905، حيث رُفِضت فكرة أوغندا وحلّت محلّها "فلسطين"، وعملت قيادةُ الحركة على الاتصال بالسلطنة العثمانية من أجل أخذ الموافقة لإقامة الوطن القومي في فلسطين، إلا أن السلطان عبد الحميد رفض هذا الخيار، فتوجهت الحركة الصهيونية لحكومات أوروبا الألمانية والفرنسية والبريطانية، وكان عقد المؤتمر السابع للحركة لشعورها باهتمام بريطانيا بالشرق.

لقد سعت الحركة الصهيونية إلى إنعاش الصهيونية المسيحية، من أجل أخذ الدعم الديني لإنشاء الوطن القومي اليهودي كمبرر لقيام الدولة اليهودية، التي ستجمع اليهود في فلسطين لتحقيق المقولة التوراتية بعودة المسيح.

وانتهى المؤتمر الصهيوني بمساومة بين ممثلي رأس المال وبين الأرثوذكسية اليهودية، بأن تسعى الحركة الصهيونية من خلال نفوذ الأغنياء اليهود المشاركين في الحياة السياسية للنظم الغربية، للتأثير على الساسة للموافقة على فكرة إنشاء وطن قومي لليهود، وكانت نتيجة هذا الجهد أن قدّم وزيرُ خارجية بريطانيا في حينه، آرثر بلفور، وعدًا عبر رسالةٍ وجهها إلى اللّورد روتشيلد بإقامة وطنٍ قوميٍّ لليهود، بعد أن كانت اتفاقية سايكس- بيكو، قد تم توقيعها بين كلٍ من بريطانيا وفرنسا، وبموافقة الإمبراطورية الروسية، هذه الاتفاقية التي كان يُراد لها أن تكون سريةً، ولكن انتصار ثورة أكتوبر كشفها وكشف بنودها وهدف بريطانيا من إصرارها على أخذ حق الانتداب على فلسطين.

تقديمُ وعد بلفور إلى اللّورد الرأسمالي اليهودي، العضو في مجلس اللّوردات البريطاني وهو مصرفيّ بريطاني ومسؤول فرع الحركة الصهيونية في إنجلترا، ومن أصل ألماني، كما أنه المسؤول عن فرع عائلة روتشيلد في بريطانيا وعضو حزب المحافظين.

الحركة الصهيونية كانت أنشات بنكيْن اثنين لتمويل الهجرة اليهودية، ونشر الوعي القومي لدى اليهود، وكذلك أنشات الوكالة اليهودية لكي تكون الشكل الرسمي القانوني للهجرة اليهودية إلى فلسطين.

سايكس- بيكو ووعد بلفور، والأخطر كان صكّ الانتداب، الذي أُقّرَّ في عصبة الأمم، وأكد على ضرورة سعي بريطانيا كسلطة انتداب من أجل إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين، وهنا نشأت الفكرة الخلافية؛ هل الوطن القومي يعني الدولة اليهودية؟ وكان أن سجلت فرنسا في مؤتمر السلام في باريس- الذي طُرحت فيه مسودةُ قرارٍ من قبل الحركة الصهيونية، تتضمن خمس نقاطٍ، منها الاعتراف بحق الشعب اليهودي بوطنٍ قوميّ في فلسطين- سجلت فرنسا اعتراضَها على تحويل فكرة الوطن القومي الى دولةٍ يهودية.

الوطن القومي يعني أن يهاجر اليهود إلى فلسطين كدولة تحت وصاية الانتداب البريطاني، ولكن دون تغييرٍ يطرأ على هوية الدولة القومية.

وترافق قرارُ الانتداب برسالة عام 1922 مع صدور الكتاب الأبيض لوزير المستعمرات ونستون تشرشل، الذي يستثني فيه شرق الأردن من نطاقِ وعد بلفور، ويشترط فيه أن تكون الهجرة اليهودية وفقًا للقدرات الاستيعابية الاقتصادية.

وفي 24 تموز توافق عصبة الأمم على صك الانتداب البريطاني على فلسطين، الذي سارع إلى إصدار العملة الفلسطينية، ووضع حدودِ فلسطين، وسعى المندوب السامي هربرت صموئيل إلى السيطرة على شرق الأردن، وإنشاء حكومتين؛ في الكرك وعمّان، وثالثة في صما، ليخضع شرق فلسطين إلى نفوذ حكومة الانتداب البريطاني، ليعلنها بعد ذلك، في عام 1921، إمارة شرق الأردن.

لقد سعت الحركة الصهيونية، وبشكلٍ فعال، وعبر نفوذ أغنيائها، في الوصول إلى سايكس- بيكو، ثم استصدرت قرارًا من وزير خارجيتها بوعد بلفور، وسعت إلى قوننة وعد بلفور من خلال صك الانتداب البريطاني على فلسطين، الذي تمحورت بنوده حول إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، خاصة الفقرة الرابعة، وهذا نصّها:

المادة الرابعة من صك الانتداب:

يعترف بوكالة يهودية ملائمة كهيئة عمومية لإسداء المشورة إلى إدارة فلسطين، والتعاون معها في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، وغير ذلك من الأمور التي قد تؤثر في إنشاء الوطن القومي اليهودي ومصالح السكان اليهود في فلسطين، ولتساعد وتشترك في ترقية البلاد، على أن يكون ذلك خاضعًا دومًا لمراقبة الإدارة.

يعترف بالجمعية الصهيونية كوكالة ملائمة؛ ما دامت الدولة المنتدبة ترى أنّ تأليفها ودستورها يجعلانها صالحة ولائقة لهذا الغرض، ويترتب على الجمعية الصهيونية أن تتخذ ما يلزم من التدابير بعد استشارة حكومة صاحب الجلالة البريطانية، للحصول على معونة جميع اليهود الذين يبغون المساعدة في إنشاء الوطن اليهودي.

هذه الفقرة تكشف مدى التأثير الصهيوني في مُجريات سايكس- بيكو ووعد بلفور وقوننته دوليًا، من خلال صك الانتداب.

المصادر:

1. فرنسا واليهود من عام 1789 وحتى يومنا هذا

2. صك الانتداب عن صفحة الجامعة العربية

3. مؤتمر باريس للسلام 1919- الذي طُرحت فيه مسودةُ قرار من قبل الحركة الصهيونية، يتضمن خمس نقاطٍ، منها الاعترافُ بحق الشعب اليهودي في وطن قومي في فلسطين.