Menu

الانتخابات الإسرائيلية: حضر اليمين وغاب اليسار!

عبد العليم محمد

خلال عدة عقود عولت السياسة العربية إزاء التسوية السياسية للصراع العربى الإسرائيلى، على وجود معسكر اليسار الصهيونى، فى مواجهة اليمين القومى والدينى المتطرف فى المشهد السياسى والانتخابى فى إسرائيل، واحتمالات صعوده إلى الحكم, وذلك استناداً إلى خطاب المعسكر اليسارى الصهيونى حول التعايش والحدود الآمنة التى يمكن الدفاع عنها لإسرائيل ووجود دولة فلسطينية بجوارها، وهى المحاور الأساسية فى الخطاب اليسارى الصهيونى لحزب العمل.

فى انتخابات الكنيست الحادية والعشرين، تقلص تأثير حزب العمل وتراجع عن المكانة التى كان يشغلها فى فترات سابقة، ويكاد ينحصر المشهد الحالى حول معسكرين كلاهما يمينى، ينتمى الأول منهما إلى ما يسمى اليمين الجديد، والذى يتزعمه بنيامين نيتانياهو المنتهية ولايته، بينما ينتمى الثانى منهما إلى اليمين التقليدى بزعامة تحالف «أبيض أزرق» الذى يتصدره «بينى جانتس» رئيس الأركان الأسبق، والفوارق بين هذين المعسكرين على الأقل- فيما يتعلق بالسلام والتسوية مع الشعب الفلسطينى لا تكاد ترى بالعين المجردة، ذلك أن تصريحات بينى جانتس حول المفاوضات والحل والدولة الفلسطينية تتميز بالغموض والعمومية، فهو يدعو إلى الحل السلمى والتفاوضى مع الفلسطينيين مع الاحتفاظ بالمستوطنات فى الضفة الغربية والإبقاء على القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل.

يرتبط انهيار معسكر اليسار الصهيونى بتحولات اجتماعية واقتصادية وديموجرافية فى المجتمع الإسرائيلى طيلة العقود التى أعقبت عدوان 1967؛ حيث أفضت نتائج العدوان إلى انتعاش الاتجاهات الدينية والقومية، وعززت أسطورة الاقتراب من تحقيق الوعد الإلهى «بأرض إسرائيل الكاملة».

كان ذلك بمنزلة أول الغيث لليمين القومى والدينى, للسيطرة على المجتمع الإسرائيلى من معظم جوانبه الاقتصادية والثقافية والنفسية والسياسية، حيث بدأت الحدود فى الانهيار بين المعسكر اليسارى الصهيونى والمعسكر اليمينى والدينى، خاصة فيما يتعلق بالسياسات الأمنية والاجتماعية؛ حيث انخرطت إسرائيل فى سيرورات العولمة والسياسات الاقتصادية النيو ليبرالية منذ ثمانينيات القرن الماضى، وتبنت سياسات الانفتاح الاقتصادى وتراجعت الدولة عن وظائفها فى الحقل الاجتماعى وضعفت الركائز الاجتماعية التى استند إليها اليسار، وحلت قيم جديدة محل القيم القديمة التى أرستها النخبة اليسارية العمالية، مثل قيم الفردية والتنافسية والمجتمع الاستهلاكى، بديلا عن قيم «التقشف» والجماعية والريادة، التى ارتبطت بتكوين المجتمع الإسرائيلى والنخبة العمالية التى لعبت الدور الأكبر فى نشأة الدولة وحظت بالتأثير الغالب والنافذ فى الحركة الصهيونية.

نتائج عدوان 1967 وزيادة أعداد المهاجرين من اليهود الشرقيين واليهود الروسى وتحول الاقتصاد وصعود اليمين القومى والدينى، أفضى إلى تعزيز المناخ اليمينى، وتشكيل قوى يمينية جديدة قوامها الأقليات الدينية والإثنية والاجتماعية التى تتشكل من اليهود الشرقيين والمهاجرين الروس والمتدينين الأرثوذكس والمستوطنون، وشكلت هذه القوى واقعا جديد ترسخ يوما بعد يوم، مع سيطرة اليمين السياسية وتراجع مكانة ودور حزب العمل، وأفضى هذا المناخ الجديد إلى تشكيل خيوط وخطوط للإجماع القومى حول الحل مع العرب والفلسطينيين، والتى تمثلت فى اللاءات الأربعة لا للعودة إلى حدود 1967، ولا لتقسيم القدس ولا لعودة اللاجئين ولا لتفكيك المستوطنات.

هذه القوى اليمنية الجديدة التى تمحورت حول اليهود الروس والشرقيين والمتدينين الأورثوذكس والمستوطنين ينخرطون جميعا رغم بعض الاختلافات فى بوتقة نفسية وسياسة تكاد تكون واحدة، حول عدم الثقة بالعرب والعداء لا تفاق أوسلو وكراهية اليسار والنخبة الليبرالية العلمانية المسيطرة فى الإعلام والثقافة والاقتصاد وهى المنطلقات الأساسية فى خطاب نيتانياهو السياسى والإعلامى والانتخابى والذى يتركز حول المؤامرة التى تحاك ضده لإبعاده وإزاحته.

وبالإضافة إلى هذه التحولات الهيكلية فى البنية الاجتماعية والثقافية والديمقراطية والسياسية، فإن عدم الاتساق بين خطاب المعسكر الصهيونى اليسارى وبين السياسات التى يطبقها، والعجز عن حل التناقض الكامن بين قيم اليسار فى التحرر ومناهضة الكولونيالية والمساواة وبين السياسات التى تهمش الفلسطينيين وتقصيهم، قد أفضى عمليا إلى نزع المصداقية عن الفلسطينيين وتمهيد الطريق أمام اليمين للمضى قدما فى تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، فعندما فشلت مفاوضات كامب دايفيد حول قضايا الوضع النهائى عام 2000 صرح باراك بأنه «لا يوجد شريك فلسطينى فى السلام»، محملا ياسر عرفات مسئولية فشل المفاوضات واستمر الإعلام الإسرائيلى والعالمى فى ترديد ذلك، حتى ظهرت كتابات روبرت مالى أحد المشاركين الأمريكيين فى المفاوضات مبينا حقيقة هذه المفاوضات وما دار فيها. ونتيجة لذلك فإن 56% من الإسرائيليين كانوا يعتقدون أن باراك قدم عرضا سخيا لعرفات ولكن هذا الأخير لا يريد السلام. فى هذا السياق يذكر أن رابين ورغم تبنيه مسار أوسلو، فإن الحذر والتردد أسهما فى تجميد هذا المسار ومنحا اليمين فرصة قوية لتدميره وتجميده، التباطؤ فى تنفيذ بنود أوسلو والتصريح بأن التواريخ ليست مقدسة، كان يفصح عن نية التباطؤ ويشير إلى التردد، أو ربما الارتداد عن الاستمرار فى هذا المسار. وبناء على هذه التحولات فإن فى المجتمع أو السياسة الإسرائيلية تشكل مناخ جديد توارى فيه السلام خجلًا، وتآكلت معادلة الأرض مقابل السلام، وأصبح الأمن بديلا للسياسة.ذهنية الحصار والضحية وتجريد الآخرين أى الفلسطينيين من إنسانيتهم، تمثل التبرير النفسى والسياسى للممارسات الكولونيالية الإسرائيلية إزاء الشعب الفلسطينى، وكذلك تمثل أسس ومرتكزات نظام سياسى إثنى وأمنى، يتميز بالغطرسة والأنانية، يشغل فيه اليهود مكانة الأفضل والأحسن، والآخرون لا يساوون شيئا، وفى مثل هذا النظام فإن السياسة تتوقف عن الفاعلية والعمل وتصبح القوة والإخضاع السبيل الأمثل لتحقيق الأهداف.