Menu

هزيمة حزيران و "صفقة ترامب" وميكانزم النزول عن الشجرة

اسحق أبو الوليد

تمر علينا ذكرى أليمة، ذكرى هزيمة الأنظمه العربية في الخامس من حزيران عام 1967 والتي شكلت نقطة تحول وانعطاف في تاريخ الصراع مع الصهيونيه وكيانها الاستعماري العنصري الفاشي ومع القوى الامبريالية التي أنشأتها وسلحتها وما زالت تمدها بكل مقومات الوجود، التي لولاها لما استمر هذا الكيان في التطور والغطرسة والهيمنة على أنظمة المنطقه الرجعية وخاصة النفطية التابعه للمركز الامبريالي في واشنطن.

في هذا العدوان استطاع الكيان الصهيوني احتلال ما تبقى من فلسطين ومساحات واسعة من أراضي كل من سوريا (هضبة الجولان) و مصر (شبة جزيرة سيناء)، مما ساعده على الانتقال من "حالة الدفاع" الإيجابي الى مرحلة "الهجوم الاستراتيجي" التي ما زال يقطف ثمارها؛ ليس بسبب تواطؤ الأنظمة الرجعية العربية وخاصة النفطية، كما كان البعض يعتقد، بل بسبب المشاركة الفعلية والعملية لحكام زعيمة هذه الأنظمه في نجد والحجاز (ما يسمى بالسعودية) والتي كشف عن تاريخها زعيم البيت الابيض، دونالد ترامب، الذي قال: "لولا الدعم السعودي لإسرائيل لما استطاعت الاستمرار في الوجود".

ولكن هذا العدوان أيضا أحدث نقلة نوعية في النضال الفلسطيني وخاصة المسلح، حيث انطلقت على أثره الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي أضافت قوه نوعية للثورة الفلسطينية عسكريا وفكريا وسياسيا ومعنويا، واستطاعت مع شقيقاتها من قوى اليسار في ساحات النضال ومع حركة التحرر الوطني الفلسطيني "فتح" إلى إحداث نقلة نوعية في النضال وفرض وجود الشعب الفلسطيني على معسكر الأعداء، بمن فيهم الكيان الصهيوني، الذي كان يتنكر نهائيا لوجود شعبنا ولهويته الوطنية.

خلال المسيرة النضالية الحديثة لشعبنا، تعرضت ثورته ومقاومته إلى مؤامرات ومجازر، خاصة في الأردن ولبنان من قبل أنظمتها، في تلك الفترة التي كانت شريكة في تنفيذ المخططات الامبريالية الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني وثورته، وعانت الثوره كما الشعب من انحرافات قيادتها البرجوازية اليمينية التى لم تكف للحظة عن المراهنة على إمكانية تحقيق "حل سياسي للصراع الصهيوني الفلسطيني، والتعايش بين الشعبين والدولتين الاسرائيلية والفلسطينية"، وخاصة بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد الخيانية بين نظام ننور السادات في مصر العربية والكيان الصهيوني التي شكلت الأرضية لعقلية وفلسفة "التسوية السياسية" بين اغلبيه الأنظمة العربية والكيان الاستعماري في فلسطين، بل هي الرحم التي ولدت منه اتفاقيات أوسلو ووادي عربه وما يحدث من تطبيع وعلاقات ودية بين النظام العربي الرسمي والكيان الصهيوني. وإن ما يشاع عن ما يسمى "صفقة القرن"، أي المخطط الإمبريالي القديم، قِدم حلف بغداد لإحكام السيطرة على المنطقه ومقدراتها، ما هو إلا التفاصيل التنفيذية لما عجزت الامبريالية والصهيونية عن تحقيقه في الماضي لأسباب موضوعية تم تغييرها أو تغيرت، ما يخلق ميزان قوى محلى ودولي مهيأ لذلك كما يعتقدون!

إن بداية التصدي والمقاومة لمجمل المخطط الامبريالي - الصهيوني، بما فيه أحدثها، أي ما يسمى بصفقة القرن، هو إلغاء الاتفاقيات والمعاهدات كافة مع الكيان، وإلغاء الاعتراف بشرعية وجوده لإعادته (أي الكيان) إلى ما قبل "المربع الأول"، أي إلى ما قبل عدوان الخامس من حزيران، كي يأخذ الصراع معه مجراه التاريخي الصحيح وهدم الرواية الصهيونية حول أسباب "النزاعات والحروب الدينية" في المنطقه التي هو "بريء منها" كما يدعي؛ وأن "العدو المشترك" هو إيران التي تشكل "خطر وجودي على السعودية كما على إسرائيل" ،وتهدد السلام والأمن في العالم.

إذًا هذه المرحلة، ليست مرحلة إقامة "الدولة" الفلسطينيه، وفي هذا صدمة للبعض وخاصة دعاة حل الدولتين أو حل الدوله الواحدة لا فرق، لأنها عمليا وموضوعيا مرحلة تمدد الدولة الصهيونية اقتصاديا وإيديولوجيا من خلال صهينة الأنظمة والكيانات التي تدور في الفلك الامبريالى الصهيوني، مما يحتاج إلى برنامج للمواجهة استراتيجي وليس تكتيكي فقط، لا يلتقي فيه موضوعيا وعمليا "الأوسلوي" والمعادي لأوسلو، و "الكامب ديفيدي" والمعادي لكامب ديفيد، وإن وضع كل من يعترض على أجزاء من هذه الصفقة فلسطينيا وعربيا مع من يرفضها مبدئيا في سلة "رفض الصفقه"، هو أقصر الطرق لتنفيذها، وعرقلة، ولو لفترة من الزمن، استمرار عملية الفرز الوطني والقومي التي جعلت من معسكر المقاومة عربيا وإقليميا، معسكرا مقررا في قضايا المنطقة.

يجب النظر إلى أبعد مما يشاع عن هذه الصفقة، ومن إمكانية إغراء بعض المعترضين عليها لمساعدتهم للنزول عن الشجره أو الخروج من السلة، لأن الأنظمة المعترضة بما فيها سلطة رام الله على بعض أجزاء من هذه المشاريع (الصفقة)، هي موضوعيا حليفا طبقيا استراتيحيا، للامبريالية الأمريكية، ولن تتركهم يواجهون مصيرهم المجهول لوحدهم، أو لقمة صائغة لمنافسيها على النفوذ. لهذا لا يضر حكام هذه الكيانات اللعب في الوقت الضائع والصعود إلى أعالي الشجرة أو الغوص في أعماق السله؛ لأنهم في الحالتين سيجدون من يرمي لهم حبال النجاة في اللحظة المناسبة، ويذهب التحالف معهم في مهب الريح مخلفا "آلالام" العشرة والوهم بأن "الكل" يحب الوطن!!

الظروف الصعبة والمصيرية تتطلب وتحتاج إلى قرارات مماثلة صعبة وجريئة مجردة من العواطف تتخذها الأحزاب الثورية، حتى إن قد لا تكون مفهومة في حينها من بعض الجماهير والشرائح الاجتماعية، إلا إنها ستصبح قوة عندما تثبت صحتها وثوريتها.