Menu

قراءة فلسطينية للخارطة الحزبية التركية

بوابة الهدف_تركيا_باحثون

I.    مدخل
هذه قراءة للمشهد العام في تركيا والصراع السياسي قبل وعشية الانتخابات البرلمانية  ونتائج الانتخابات التي فتحت صفحة جديدة في تاريخ تركيا وانهت تفرد حزب العدالة والتنمية ذو التوجه الإسلامي الليبرالي الذى دام ثلاثة عشر عاماً بقيادة رجب طيب أردوغان واوصلت في ذات الوقت حزب الشعوب الديمقراطي الى سدة البرلمان محققا نجاحا كبيرا وليفرض نفسه لاعبا مهما في السياسة التركية.
وبتحليل نتائج الانتخابات؛ يبدو واضحا أن  تشكيلة البرلمان الجديد تؤشر إلى تغيرات جديّة سواء على صعيد السياسة الداخلية أو على صعيد السياسة الخارجية وسأحاول من خلال هذه  الورقة التوقف عند مجموعة من العناوين التي تساعد في فهم الواقع السياسي الحالي في تركيا، ومجرى الانتخابات البرلمانية (الحكومية) الأخيرة.
II.    الخارطة السياسية التركية
يمكن تقسيم الخارطة السياسية التركية إلى أحزاب الدولة وأحزاب المعارضة الجذرية. أحزاب الدولة تتمثل بحزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية؛ نسميها هنا بأحزاب الدولة لتناغمها مع سياسات الدولة التركية وعلاقاتها الدولية التاريخية رغم اختلافها الشكلي في الإيديولوجيا الذي يجعل هناك فرق في وجهات نظر هذه الأحزاب في العلاقات الإقليمية وليس الدولية. أما الأحزاب التي يمكن أن نطلق عليها أحزاب المعارضة الجذرية لما لها من وجهة نظر تختلف جذريا تجاه العلاقات الدولية لتركيا فهي عبارة عن أحزاب اليسار وحزب الشعوب الديمقراطي؛ الذي هو تحالف للوجه السياسي للحركة الكردية وجزء من أحزاب اليسار التركي.
لعدم الدخول في التفاصيل؛ نعرض فيما يلي ما يتعلق بوجهات نظر هذه التجمعات السياسية والإيديولوجية والتحولات النسبية في الفترة التي سبقت الفترة الانتخابية وتحضيرا لها وفيما يتعلق بوجهة نظرتها تجاه المنطقة والقضية الفلسطينية فهي كالآتي:
الإسلام الليبرالي؛ حزب العدالة والتنمية:
الايديولوجية العامة ووجهة النظر للمنطقة:
إسلام نيولبرالي؛ نيوعثماني؛ يرى بأهمية إعادة بسط السيطرة العثمانية بطريقة حديثة على المنطقة مع الحفاظ على ذات العلاقات التاريخية للدولة التركية مع القوى الدولية
الحزب الذي حكم تركيا بحكومة أحادية طيلة الثلاتة عشر عاما تميّز بسياسة نيوليبرالية على المستوى الاقتصادي، اصطفاف حاد على المستوى الاجتماعي، تدخل ذو طابع طائفي مصلحي على مستوى السياسة الإقليمية، وثبات في العلاقات مع القوى الإمبريالية على مستوى السياسة الدولية. يمكن الإشارة إلى أن أهم مميزات السياسة الإقليمية للحزب كانت التحالف السني الرجعي الليبرالي في المنطقة ودعم حركة الإخوان المسلمين، التدخل السافر في داخل الوضع السوري الداخلي، ودعم الأصوليين والحركات المتشددة واستخدام كافة مؤسسات الدولة لهذا الغرض، بناء تجمع اسلامي أصولي سني الشكل مصالحي المنطق في المنطقة.
وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فإن سياسة الحزب كانت متركزة في الأساس على العداء لليهودية أكثر منها التضامن مع القضية الفلسطينية، تنطلق هذه السياسة أساسا من الربح السياسي للقضية على المستويين الداخلي والإقليمي. القاعدة الشعبية وبالأخص الإعلام المساند ومؤسسات المجتمع المدني التابعة لسياسة الحزب كلها تمارس سياسة تجييش القاعدة الشعبية في الموضوع الفلسطيني فقط عند لزوم الأمر. وتقوم دعايتها ودعمها المقتصر أساسا على المستوى المادي على أساس أن فلسطين هي غزة والمقاومة هي حماس؛ وهو ما يخلق يخلق نفور من القضية الفلسطينية لدى القطاعات المعارضة لأيدولوجية الحزب.
على المستوى الداخلي للحزب، فقد تمظهرت خلافات سياسية داخلية أدت إلى عزل وعداء لقوى داخلية على رأسها ما يسمى ب"الجماعة" بقيادة فتح الله غولان إضافة إلى عزل عدد من الأسماء السياسية ذات الثقل كعبدالله غول وبولنت أرنش، أنتجت بذلك تفردا في قرارات الحزب من قبل أردوغان مما أحدث شرخا هاما في البنية الداخلية للحزب.
التيار الجمهوري؛ حزب الشعب الجمهوري
الايديولوجية العامة ووجة النظر للمنطقة:
جمهوري علماني؛ يرى أهمية سلخ تركيا عن المنطقة وربطها بالبنية الأوروبية
تاريخيا أنشيء الحزب على يد مؤسس الدولة التركية أتاتورك، ويعتبر ذو توجه مؤسساتي يؤمن بالعلمانية ومركزية الدولة ونظام الدولة الاجتماعية. الحزب هو جزء من مجموعة الأحزاب الأممية، ويضم في داخله تيار يساري ذو توجه قومي تركي. هذا التيار اليساري ممثل بعدد من البرلمانيين وجزء من الصف الثاني في قيادة الحزب. أما الصف الأول في الحزب وجزء كبير من الصف الثاني فهو ذو توجه لا يعبر عن يسارية الحزب على عدة صعد.
من الهام الملاحظة والذكر بأنه وفي الفترة السابقة للانتخابات، قد تم عزل العديد من الأسماء القيادية ذات التوجه اليميني، وبات هناك بروز للقيادات الأكثر يسارية، إضافة إلى خطاب سياسي أكثر يسارية على المستوى الاقتصادي وأكثر اعتدالا على المستوى الاجتماعي. مما سيفتح لاحقاً أفقاُ جديداُ في سياسات الحزب على المستوى الإقليمي، تحديدا فيما يتعلق بالملف السوري الذي للحزب اعتراض حازم على سياسة الحكومة السابقة. حيث أن للحزب قريب من النظام السوري على الرغم من اعتراضه أيضا على سياسته الداخلية. وتجدر الإشارة إلى أن جزءاً هاماً من قاعدة الحزب ورئيس الحزب هم من العلويين الأتراك.
وعلى الصعيد الفلسطيني فإن القيادة في الحزب ومن يتبعها من الصف الثاني السابق الذي تم تنحية جزء كبير منه كما سبق وجزء هام من القاعدة الشعبية لا ترى في الفلسطينيين حليفا وذلك انطلاقا من رؤية تاريخية. أما القاعدة اليسارية في الحزب وجزء هام من القيادات اليسارية التي برزت كقيادات في الصف الثاني فهي ترى ضرورة معاقبة الكيان الصهيوني على جرائمه وتستخدم في معارضتها للحكومة المقولة السياسية بأن الحكومة لا تقطع علاقاتها مع الكيان وبالتالي فهي غير صادقة في التضامن. وهي ترى بأن اليسار الفلسطيني هو `حليفها` في الساحة الفلسطينية.
قومية بلا إيديولوجيا؛ حزب الحركة القومية
أيديولوجية الحزب قومية يمينية ذات طابع مؤمن بالدولة، ذو تعريف إيديولوجي معتمد على الضدية دون وضوح في البنية الفكرية
الحزب الذي هو جزء من السياسة التركية منذ نهاية الستينات كان وما يزال يمثل القطاع الأكثر يمينية في الساحة التركية. الحزب الذي تميز طيلة فترة وجوده بالعداء لليسار التركي والحركة الكردية لا يحمل مشروعاً واضحًا تجاه القضايا الاستراتيجية في السياسة التركية.
في الفترة التي سبقت الانتخابات استطاع الحزب إعادة وحدة الصف للناخب اليميني الذي بدأ يتملص من حزب العدالة والتنمية وذلك بإبداء دور سياسي عقلاني تجاه الأزمة السياسية التي بدأت تحتدّ في البلاد. لم تحدث تغيّرات جذرية في بنية الحزب قبيل الانتخابات مع حدوث تغيّر في الخطاب المتعلق بالموضوع الكردي بإحداث نوع من النعومة تجاه حزب الشعوب الديمقراطي، مع اعتراض جذري على مرحلة السلام الجارية منذ سنوات.
الحزب وقاعدته الشعبية لا يحمل وجهة نظر واضحة تجاه المنطقة وفلسطين، وهو بشكل عام أقل اهتماماّ بالسياسات الخارجية ويحمل في طياته فقط عداء لليهودية وبالتالي للكيان الصهيوني على أساس أنه بنية يهودية، ولكن وفي ذات الوقت لا يرى في العرب حليفا ولا يرى في الغرب حليفا إلا أنه يرى بأن المصلحة التركية العليا هي مع التقارب الغربي لا الشرقي.
المعارضة الجذرية؛ 1 اليسار التركي
الايديولوجية العامة ووجهة النظر للمنطقة:
يساري جذري؛ يرى بضرورة توحد الشعوب في المنطقة في وجه التدخل والطغيان الغربي في المنطقة
هنا نقدم اليسار التركي على الحركة الكردية رغم أن الحركة الكردية ذات قوة أكبر من اليسار التركي وذلك لأن اليسار التركي يُعدّ جزءاً من النسيج المجتمعي التركي أكثر من الحركة الكردية التي تحاول أن تكون جزءا من هذا النسيج. هذا التيّار يعارض جذريا بنية الدولة التركية وتحالفاتها الدولية وعلاقاتها مع قضايا المنطقة. اليسار التركي يمتد من اليسار القومي القريب من يسار الحزب الجمهوري وصولا إلى اليسار الجذري المؤمن بالنضال المسلح في الداخل التركي. كل اليسار التركي يتبنى وجهة نظر جذرية في القضية الفلسطينية وقضايا التحرر في المنطقة ويعتبر أن العداء مع الكيان هو أمر مبدأي.
إن أهم التغيرات التي طرأت على مجمل القوى في اليسار التركي هي انشقاقات وانقسامات في الأحزاب اليسارية ذات الفكر الجمهوري والتي بات خطابها السياسي متركّزا فقط على شخص أردوغان. أما التغير الثاني فكان انفصال بعض الأحزاب والحركات عن التوجه الجمهوري أساسا والبدء بخط ليسار تركي يرى في اليسار الكردي واليسار المتمركز في الحزب الجمهوري حليفا وسندا. إضافة إلى التحام بعض الأحزاب مع الحركة الكردية في بنية حزب الشعوب الديمقراطي. أي أن المتغير الأساس في اليسار التركي كان الانعطاف من الإيديولوجية الجمهورية الى الديمقراطية الجذرية الذي صاحبه أيضا تغير في خطاب حزب الشعب الجمهوري كما سيرد لاحقا.
المعارضة الجذرية  2الحركة الكردية
الايديولوجية العامة ووجة النظر للمنطقة:
ديمقراطي جذري؛ يرى بضرورة إنشاء نظام ديمقراطي أقرب للكونفدراليات في المنطقة مع وجود قوة مركزية جامعة
بعد التحولات الجذرية التي خطها حزب العمال الكردستاني خلال السنوات ما بين عامي 2003 و 2005 والتي أفضت إلى تغيير جذري في استراتيجيتها وتخليها بشكل رسمي وايديولوجي عن فكرة انشاء دولة كردية، بدأ الأكراد في تركيا بالتركيز على خوض المعركة السياسية القانونية على مستوى الانتخابات البرلمانية والبلدية وبدأ الأكراد بالعمل على إنتاج خط سياسي موحد مع جزء من اليسار التركي كونه الحليف الاستراتيجي الوحيد لأي تغيير جذري في بنية الدولة التركية. أنشأ الأكراد مع هذه القوى اليسارية تجمعا تحت اسم مؤتمر الشعوب الديمقراطي عام 2011 بعد محاولات دامت لأكثر من أربع سنوات. تمخض هذا التجمع عن إنشاء حزب الشعوب الديمقراطي عام 2012 لخوض الانتخابات المحلية بشكل جامع لهذا التكتل ومن ثم خوض الانتخابات البرلمانية الأخيرة.
في فترة الانتخابات كان الأبرز في تحولات الحزب تبني خطاب سياسي أكثر اعتدالا وانفتاحا على الجانب التركي ومحاولته لطرح نفسه كبديل ديمقراطي جذري لصالح تركيا عموما وليس لصالح الأكراد فقط. وقد استطاع الحزب بهذا الخطاب الوصول إلى شريحة هامة من اليسار التركي والعلمانيين في تركيا.
إن سياسة الحزب الإقليمية مرتبطة بشكل أساسي بسياسة حزب العمال الكردستاني ونفوذه في المناطق الكردية في كل من سوريا والعراق وإيران، لا يمكن الخوض في هذه السياسة ضمن هذه الورقة لأنه باب شبه منفصل. ولكن يمكن القول أن سياسة الحزب الإقليمية متعارضة بشكل كبير مع سياسة حزب العدالة والتنمية ومتأثرة ولو بشكل جزئي بالخطاب الإيديولوجي والسياسي لليسار التركي المشارك في الحزب. فيما يتعلق بفلسطين تحديدا فإن تأثير اليسار التركي والكردي في الحزب يجعله قريبا من التضامن المبدئي مع فلسطين ودعمه لفكرة قطع العلاقات مع الكيان كون الأكراد أيضا متضررين من هذه العلاقات. إلا أن هناك محاولات صهيونية دؤوبة للتقارب وفتح قنوات مباشرة مع الحزب تصطدم بشكل أساسي بالكتلة اليسارية المذكورة.
III.    معركة ما قبل الانتخابات
لا بد ولفهم مجريات الانتخابات التطرق لبعض النقاط التي وفي مجموعها كانت السبب في حصول المنعطف الانتخابي،  ويمكن القول بأن من أهم المؤثرات كان المؤثر الاقتصادي حيث التراجع الذي حدث في الاقتصاد التركي في فترة العام الأخير، إضافة إلى قوانين العمل الجديدة المتعلقة بسن التقاعد وتراجع الدخل الشرائي للطبقات العاملة والموظفين في كلا القطاعين الخاص والعام. هذا التراجع الاقتصادي الذي كان مصحوباً بتكشّف هائل لعمق الفساد الحاصل في السلطة في السنوات الأخيرة. المؤشرات الأمنية كانت لربما السبب العام الثاني من حيث التأثير في تراجع تأييد سياسة حزب العدالة والتنمية العامة وذلك بالأساس ناتج عن القلق الذي يخيم على المواطن التركي نتيجة سياسات الحزب في الداخل السوري واستلام الجماعات المتطرفة للمواقع الحدودية مع تركيا.
هذه هي الأسباب الرئيسية العامة، أما الأسباب الثانوية المتعددة التي كانت تدفع نحو ذات النتيجة، وكان على رأسها تفرد أردوغان بالسلطة وإصراره في التركيز على تقوية سلطته الذاتية في الحكم والذي بدأت تداعياته منذ أكثر من سنة في الانشقاق الهام الذي حدث بإقصاء "الجماعة" المتنفذة في بنى الدولة المختلفة وعلى رأسها البنية البيروقراطية والشرطة والاستخبارات بقيادة فتح الله غولان صاحب رأس المال الإسلامي الأهم. إن سياسة التفرد السلطوي الذي بدأ يخطها أردوغان أدت في ذات الوقت إلى نفور عام وتخوف من قبل عدد من الشرائح اليمينية في الساحة التركية، وكان له الدور الأكبر في تكاتف الكتلة اليسارية مع الأكراد لتخطّي العتبة الانتخابية وبالتالي عدم السماح لحزب العدالة والتنمية التفرد في الحكم وبالتالي تمرير القانون الرئاسي الذي كان الهدف الأساسي بالنسبة لأردوغان. ولا بد من القول أن هذا التفرد انعكس حتى على علاقة أردوغان مع رئيس الحكومة داوود أوغلو مما انعكس سلبا على قوة الحملة الانتخابية.
في الشق الأخر فإن التغيرات الطفيفة والتي ورد ذكر جزء كبير منها في الشرح السابق والتي طرأت على أحزاب المعارضة، وتبلور خطاب لديها أكثر إقناعا للناخب التركي أدّت إلى صبّ جزء من القوة التصويتية لحزب العدالة باتجاه الأحزاب الأقل حجما. حيث ونتيجة انسداد أفق المسيرة السلمية مع الأكراد ونتيجة ما حققه حزب العمال الكردستاني من مكاسب على المستوى الإقليمي والدولي حدث تحول في الكتلة التصويتية الكردية والتي يتنافس فيها حزبي العدالة والتنمية والشعوب الديمقراطي أساسا. من ناحية أخرى فقد كان حزب الحركة القومية الملاذ لكتلة توصويتية من اليمين التركي تحديدا في مناطق وسط الأناضول وبذا كان للحزب نصيب هام من الكتلة التصويتية لحزب العدالة والتنمية.
نهاية فلا بد من الإشارة إلى أن حزب الشعب الجمهوري قد استطاع الحفاظ على كتلته التصويتة على الرغم من تخليه الكبير عن تبني الأفكار القومية المعادية للأكراد وعلى الرغم من اتخاذه خطاباً أقرب لليسار فيما يخص الشأن الاقتصادي والسّياسة الإقليمية لتركيا.
IV.    نتائج الانتخابات
النتائج الفعلية للصندوق الانتخابي كانت تراجع حزب العدالة والتنمية من 50 % في الانتخابات السابقة إلى 41 % وتراجع في عدد المقاعد البرلمانية من 326 إلى 258؛ ثبات نسبي لحزب الشعب الجمهوري من 26% ل25% بعدد مقاعد من 135 إلى 132؛ تقدم لحزب الحركة القومية من 13% ل16% بمقاعد من 53 إلى 80؛ وكانت النتيجة الأهم في تراجع عدد برلمانيي حزب العدالة والتنمية هي اجتياز حزب الشعوب الديمقراطي للعتبة الانتخابية بنسبة 13% و80 مقعد برلماني حيث أن الحزب في الانتخابات السابقة كان يخوضها من خلال مستقلين وكانت نتائج الانتخابات السابقة 6.5% ب 36 مقعد.
أما القراءة السياسية لهذه النتائج فيمكن تلخيصها بالآتي:
1.    الخاسر الأهم أردوغان:
يمكن الجزم بأن الخاسر الأهم ولربما الوحيد في هذه المعركة الانتخابية كان أردوغان؛ حيث أن المعركة الانتخابية الأساسية جرت على وقع طبول التغيير المنتظر لمنظومة الرئاسة في تركيا. في هذا الخضمّ فقد كان أردوغان خصما لشريحة واسعة من المجتمع التركي حتى في داخل بنيته الحزبية. إضافة إلى أن حزب العدالة والتنمية ما زال الحزب الأول في تركيا وأن داود أوغلو لم يخسر حلمه في البقاء رئيسا للقوّة التنفيذية في تركيا. بهذا المعنى كانت النتائج احتفالية بالنسبة لكافة قوى المعارضة التي اعتبرت هذه الانتخابات انجازاً هاما في سياستها الداخلية، تحديدا في منع الهيمنة والتفرد في السلطة.
2.    توازن جديد في القوى السياسية التركية؛ المعارضة الجمهورية تستعيد قوتها والمعارضة الثانوية تفرض صوتها:
إن النتائج الانتخابية الواردة أعلاه ونتيجة التكتّل السياسي المفروض والموزّع أساساً بين القوة السياسية التي حكمت البلاد طيلة 13 عاما وبين قوى المعارضة على اختلاف أطيافها أفضت بتنفس حزب الشعب الجمهوري الصعداء بتصدره جبهة معارضة لها الكتلة التصويتية الأكبر والعدد الأكبر من المقاعد على مستوى البرلمان في مقابل حزب العدالة والتنمية. من ناحية أخرى فإن الارتفاع الملحوظ في عدد المقاعد البرلمانية لأحزاب المعارضة الأقل حجما قد منحها قوة جديدة لفرض صوتها في المعادلات السياسية التنفيذية القادمة. ويشير وبشكل ملحوظ إلى بدء تحول ملحوظ في ماهية الصراع السياسي القادم في تركيا الذي سنتطرق إليه في بند لاحق.
3.    "تقدم تاريخي لليسار":
لابد من الإشارة هنا إلى أن نسبة ال38% التي جمعها كلا الحزبين الشعب الجمهوري الشعوب الديمقراطي أي ما يمكن التعبير عنه بالمعارضة التقدمية كانت الأعلى للقوى التقدمية منذ الانقلاب العسكري سنة 1980 (الذي استهدف المد اليساري تحديدا في ذلك الوقت). هذا إضافة إلى ارتفاع ملحوظ في عدد المصوتين الشباب لهذه الأحزاب الذي يعد متغيّرا مستقبليا يمكن البناء عليه لاحقاً. هذا إضافة إلى أن اليسار التركي في هذه الانتخابات كان القشة التي حملت حزب الشعوب الديمقراطي إلى اجتياز العتبة الانتخابية وبالتالي قسم ظهر حزب العدالة والتنمية؛ أي أن دور اليسار التركي كان له الأثر الأكبر في هذه الانتخابات على الرغم من صغر حجمه.
4.    تركيا التعددية والمنطقة:
إن القارئ للفترة الزمنية التي حكم فيها حزب العدالة والتنمية لتركيا يمكن أن يستلخص أن أهم تغير طرأ على سياسات الحزب في الفترة ما بين الانتخابات السابقة عام 2011 والانتخابات لهذا العام لم تكن في سياسات الحزب الداخلية على المستويين الاقتصادي أو الاجتماعي، بل إن المتغير الأهم كان `تغيّر` في معادلات واصطفافات تركيا في السياسة الخارجية وللدقة محصوراً في سياسة المنطقة ودول الجوار. حيث أن سياسة `صفر مشاكل` التي توفّق الحزب في اتباعها حتى ذلك العام تحولت إلى عنجهية وتعجرف في سياسات الحزب التدخلية في دول المنطقة وتقوقع الدولة التركية -ذات الأحلام الأوسع- بمحور تحالف رجعي مع السعودية و قطر والإخوان المسلمين. إن تدهور أوضاع المنطقة عموما الذي تم رسمه وتنفيذه من قبل هذه القوى أدى هو بالأساس إلى تراجع في الاقتصاد التركي وتراجع في الحس الأمني وتراجع أساسي في علاقات تركيا مع الغرب.
بهذا المعنى، وتمعنا بنتائج الانتخابات فإن المحور الأكثر عرضة للتغيير في السياسة التركية سيكون الدور التركي بالمنطقة حيث ستكون أي حكومة ائتلافية سينتج بها حزب العدالة والتنمية عرضة لتدخل الحزب الجمهوري سواء أكان الائتلاف القادم معه أو مع أي من أحزاب المعارضة الصغرى من خلال تأثيره وقربه لهذه الأحزاب. وبذا يمكن الافتراض بأن النتيجة الأهم للانتخابات سيكون تغيرا في نمط السياسة الخارجية لتركيا تحديدا سوريا التي كانت البلد الأكثر تأثرا بالنهج السياسي السابق.
V.    مخاض جديد وتحالفات متوقعة
قبل ختم هذه الورقة بتحليلات فرعية فلا بد من التطرق إلى الاحتمالات المتوقعة في الفترة القادمة. إن الاحتمال الأكثر ورودا في التشكيل الحكومي المقبل هو حكومة ائتلافية قصيرة العمر بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية. إن الأسباب التي تؤدي إلى هذا الاستنتاج هي بالأساس القرب الشديد بين القاعدتين الشعبيتين لكلا الحزبين مما سيشكل ضاغطا بهذا الاتجاه هذا إضافة إلى أن حزب الحركة القومية يحمل في طياته السياسية الاختلاف الأقل قدرا مع سياسة وأيديولجية الحزب الحاكم. الاحتمال الثاني هو حكومة ائتلافية بين الحزبين الأكبر، حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري وذلك لالتقاء مصلحة كلا الطرفين السياسيين في مثل هذا الخيار الذي سيحمي العدالة والتنمية -في حال لم يحقق المعادلة الأولى- من أن يضيّع سدة الحكم التنفيذية وبالتالي البدء بالمحاكمات التي تنتظر أعضاء الحزب. أما الاحتمال الثالث فهو انتخابات مبكرة يحاول حزب العدالة والتنمية خلال فترة خوضها معاقبة الشعب التركي على عدد من المستويات ليعيد التفكير في استقرار الخارطة السياسية على ما كانت عليه. بالطبع فإن كافة الخيارات لا تشير إلى تواجد حزب الشعوب الديمقراطي في أي تشكيلة حكومية قادمة لكن سيكون له الصوت الأعلى في المعارضة البرلمانية المقبلة.
VI.    تحليلات فرعية
وقبل الختم لابد من التطرق لتحليلات فرعية ذات أهمية في القراءة العامة:
1.    أردوغان قوة لم تنتهي
لا بد من القول أنه وعلى الرغم من الهزيمة التي تلقاها أردوغان إلا أنه وحزبه ما زالا يملكان القوة الأكبر في البلاد خصوصا بعد كل مسارات التحول والتغيير التي قطعها الحزب في بنية الدولة والتي أدت إلى تمكن الحزب وقاعدته الاجتماعية في عدد هام من مراكز القوى على الستويات المالية، البيروقراطية، العسكرية، جهاز الشرطة، القطاعات المؤسساتية الخدمية والإيديولوجية العامة في تركيا. بهذا فإن المعركة لم تنتهي فعليا بل إن هذه الانتخابات ستكون بداية لمعارك أشد وطيسا في المراحل القادمة سيكون لأردوغان والحزب فيها العديد من المفاجئات والتهورات السياسية.
2.    هل هو صراع جديد!
إن الارتفاع الملحوظ في عدد المقاعد البرلمانية لحزب الشعوب الديمقراطي وحزب الحركة القومية، وما عرجنا عليه في بند "تقدم تاريخي لليسار"، وبناءً على المؤشرات الاقتصادية والمجتمعية التي تمر بها تركيا فإنه يمكن التنبؤ بإن شكل الصراع القومي - القومي والصراع الديني - العلماني قد بدأ بأخذ منحى جديد بالتحول إلى صراع بين اليسار واليمين قابل للتطور في المراحل القادمة. إن نتائج الانتخابات وإن كانت تعكس تمظهر هذا التحول بشكل أفضل إلا أن نتائج التحالف الحكومي القادم سيكون لها الدور الأكبر في تبلور هذا التحول أو تأخره على المنظور القريب أو المتوسط.
3.    الأكراد واليسار التركي
إن التحالف الوارد ذكره أعلاه بين الحركة الكردية وأحزاب يسارية تركية مثل حزب العمل، حزب المسحوقين الاشتراكي، حزب البناء الاشتراكي الجديد وغيرها العديد داخل بنية حزب الشعوب الديمقراطي واحتواء هذا الحزب على عدد من القيادات الهامة من اليسار التركي ذات الخبرة والتوجه اليساري الحقيقي المتفهم للمنطقة مثل أرتورول كوركشو وليفينت يوكسال، وعلاقات الحزب الجيدة مع ما تبقى من أحزاب اليسار مثل بيوت الشعب يجعل أهمية للحزب من ناحية القوى الديمقراطية تحديدا في منطقة بلاد الشام والعراق. إن هذه التجربة الهامة على الساحة التركية هي بذات الوقت تعبر عن توجه عام لدى الحركة الكردية بمثل هذه التحالفات في المنطقة كما حدث في هيئة التنسيق الوطنية في سوريا، مما يشير إلى أهمية لقاء القوى اليسارية والتقدمية في المنطقة مع الحركة والبدء في نقاشات للعمل المستقبلي المشترك؛ حيث أن الحركة هي الآن أكثر من ذي قبل منفتحة على مثل هذه التحالفات. هذا إضافة إلى الميول اليساري للحركة فيما يتعلق بتجاربها في تحرر المرأة والتحالف مع اليسار كحركة تحرر وطني أضحى ذو أهمية للمنطقة.
4.    فلسطين في الخارطة الجديدة
لا بد من الذكر أن الحزب الذي لا يتحدث عن تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني في برنامجه الانتخابي كان حزب الشعوب الديمقراطي. أما أحزاب الدولة فتتحدث بشكل واضح عن تطبيع العلاقات وحل الدولتين في بنود سياستها الخارجية المتعلقة بالقضية الفلسطينية. إن علاقات اليسار التاريخية مع هذا الحزب سيكون لها دور في فتح باب لمواقف جدية في الموضوع الفلسطيني على عكس العلاقة الربحية التي أسس لها الطرفين الإسلاميين في البلدين.