Menu

إنه زمن الاشتباك. زمن غسان يكرر ذاته

د. انتصار الدنان

غسان كنفاني

خاص بوابة الهدف

تلك الهدن التي كانت تعطى في أيام الحروب التي لم تنته بعد، سمحت للعدو أن يمد براثنه في أرضنا. قالها غسان كنفاني قبل خمسين سنة. تلك الإجازة من القتال تجعل المقاتل يتقهقر، ويتقاعس عن النضال، فالقتال الذي ابتغيناه وأردناه، والذي أراده غسان هو ذلك الاشتباك الدائم مع العدو، الذي يجب أن يكون، وهذا الاشتباك كان مطلبًا ضروريًّا وملحًّا من غسان للمناضلين الذين سيسلكون دربه من بعده، لأن زمن الاشتباك يجعل المرء متأهبًا دائمًا لمواجهة العدو.

هو الزمن ذاته يتكرر. زمن الجوع، والقهر، والفقر، وأجيال تفنى في الغربة التي لا نعلم بعد لها حدودًا، حيث إننا في صراع مع ذواتنا، أنعود في ظل هذا القهر والانكسار؟

هو الاشتباك حول البحث عن لقمة يسد فيها الناس جوعهم الذي لم ينته منذ أن لجأوا، هو المخطط المراد لهذا الشعب أن يسيره، فغسان يقول في قصته (الصغير يذهب إلى المخيم):" فقد كان يتعين علينا أن نجد ما نعبئ به سلتنا: أمام الدكاكين. وراء السيارات. وفوق المفارش أيضًا إذا كان المعني في قيلولة أو داخل حانوته"، وهو المشهد يتكرر اليوم في مخيمات اللجوء للعديد من الأطفال الذين صاروا يرغبون بالخروج من المخيم، لأن أبوابه صارت تطبق على صدورهم. هي غفلة البائع يأخذ فيها الأطفال ما يجدونه مما سيرمى من فواكه أو خضار.

وأنا أقول لغسان:" هاجسك الذي كنت تخافه خلقوه، وجسوا فيه شعبنا الذي صار زمن الاشتباك عنده لقمة طعام. وبالفعل الباحث عنها صار كالمقاتل الذي لا يعرف كيف يمر بين طلقتين طوال نهاره.

ليس المهم نوع الطعام، إن كانوا يرغبونه أم لا، لكنه البحث الدائم عن ذلك القهر المستمر.

فهنا مهمة كل فرد البحث عن نفسه، والبقاء على قيد الحياة ما استطاع إليها سبيلًا، إنه الاشتباك الذي يعيشه الفلسطيني في ظل هذه التجاذبات كلها، صفقة قرن، وعدم تمويل وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين، توطين. كل ذلك يجعل من الفلسطيني دمية في أيدي من بيده القرار بحسب زعمه، لكن ربما لا تصح هذه المقولة، لأن الفلسطينيين في زمن الاشتباك يكونون في خندق واحد.

ليس مبكيًا أن نقول بأننا بتنا نشعر بالهزيمة في داخلنا، ولا نستطيع الاستقواء على ذواتنا، لأنها الحقيقة المرة، لأن العالم كله يركض وراء الفلسطيني، يريد أن يقبض عليه، لينتزع آخر معاقل الحرية التي تتغلغل فيه، هي الروح التي مازالت تؤمن بأن فلسطين لك.

غسان في قصته ذاتها يصف لنا حالة ضياع رابط الدم، عنده ضاع ذلك الرابط بسبب الخمسة ليرات التي كان الجميع ينوي أن يستولي عليها. وفي زماننا اليوم يضيع رابط الدم أمام التغول على تلك الأرض التي يغتصبها العدو منذ أكثر من سبعين سنة.

الممسك بتلك الأرض كالولد ابن العشر سنوات القابض على الخمس ليرات التي وجدها بعد جوع مزمن، يخاف أن يقبضوا على يديه ويأخذوا منه تلك الأرض التي يلهث للحصول عليها العدو بكل الطرق الممكنة.

ابن العشر سنوات احتفظ بالخمس ليرات إلى أن ضاعت منه بعدما تعرض لحادث، وغسان من خلال قصته يريد أن تظل اليد قابضة على فلسطين، وأن لا تضيع في ظل أحداث تتالى من أجل سلبها بأجمعها.