Menu

المناعة "الإسرائيلية" وخطر "النمل الأبيض"

د. محمد السعيد إدريس

لم تعد قوة الدول تقاس فقط بما تمتلكه كل منها من مصادر القوة المادية (الصلبة) سواء كانت هذه القوة اقتصادية أو عسكرية، لكن هناك مصادر أخرى للقوة لا تقل أهمية تدخل ضمن تصنيف "القوة الناعمة" فى مقدمتها ما تحظى به كل دولة من تماسك وتجانس فى بنيانها الإجتماعى وبنيانها السياسى. قوة هذا التماسك أو ضعفه يعد من أهم مؤشرات قوة الدولة أو ضعفها.

وهذا النوع من أنواع القوة بالتحديد يحظى بكل الأولوية داخل الكيان "الإسرائيلى" باعتباره "كيان مصطنع" أو "كيان غير طبيعى" حيث جرى شراء وإستيراد شعب هذا الكيان بإغراء جاليات يهودية، أى تعتنق الديانة اليهودية تعيش فى دول متناثرة فى أنحاء الكرة الأرضية وتحمل جنسياتها، عاشت لمئات السنين، وربما أكثر فى تلك الدول، وباتت جزءاً لا ينفصل من نسيجها الإجتماعى، تتحدث لغتها وتحمل أفكارها وقيمها الحياتية بل وأنماط الحياة الإجتماعية والسلوكية فى تلك الدول. كانوا مواطنين بكل معنى الكلمة فى دولهم وربما كانت لهم حظوة، أو لبعضهم فى تلك الدول، وربما كان العكس، حيث كان بعض اليهود فى بعض الدول يعيشون العزلة داخل معازل إجتماعية سكنية خاصة فى قلب أحياء مدن تلك الدول (جيتوهات)، وفجأة ظهرت خطة تستهدف إغراء أو تهديد تلك الجاليات ودفعها لنقل حياتها من دولها كى تستقر فى وطن آخر، يحقق حلماً تاريخياً لليهود، جرى تصنيعه أو تأليفه هو الآخر بأن هذا الوطن البديل الذى يحمل اسم "فلسطين" هو الوطن الموعود من الرب، أو "أرض الميعاد" وأنهم، أى هذه الجاليات المتناثرة هنا وهناك فى عشرات الدول متباينة الهوى والهوية هم شعب واحد جديد اسمه "الشعب اليهودى" أو هم "أبناء الرب" أو "شعب الله المختار" مسميات جرى اختلاقها من أكاذيب توراتية استهدفت "تحويل الأكذوبة إلى حقيقة"، وهكذا كان، وهكذا استطاعت الوكالة اليهودية الدولية أن تنفذ التكليف الذى أسست من أجله حسب مقررات "مؤتمر بازل" الصهيونى الأول عام 1897، الذى قرر إنشاء دولة يهودية فى فلسطين، برعاية دولية لعبت فيها دولة الاحتلال البريطانى الدور الأساسى إبتداءً من الإعلان الصادر عن وزير الخارجية البريطانى الأسبق بلفور عام 1917 أى "وعد بلفور" بعد عام واحد من الاتفاق التاريخى لتقسيم العالم "اتفاق سايكس- بيكو" البريطانى – الفرنسى عقب نهاية الحرب العالمية الأولى (تصفية تركة الإمبراطورية العثمانية)، وامتداداً للدور المحورى الذى قامت به سلطات الانتداب البريطانية التى تحكم فلسطين بناء على قرار من "عصبة الأمم" فى تيسير نقل اليهود من دولهم إلى فلسطين وتوطينهم فيها، من خلال الوكالة الدولية اليهودية التى يذكر لها أنها "من أسست الشعب اليهودى" أو بالتحديد "من أسست الشعب الإسرائيلى".

هذه الحقيقة لا تغيب لحظة عن قادة الكيان، أى حقيقة أن شعبهم، ليس شعباً طبيعياً مثل شعوب كل الدول، ولكنهم أقرب إلى الأشخاص أو الأعضاء المساهمين فى شركة إستثمارية تستهدف الربح، جاءوا لجنى الثمار والأرباح، ومن ثم فإن واجب القيادة السياسية فى الكيان أن تحمى ليس فقط هذا الكيان من أى إعتداء خارجى، بل وفى الأصل حمايته من أى انهيار لوحدته الداخلية، وتداعى تماسكه الإجتماعى، أى ترابط وتجانس القوى الإجتماعية المؤسسة لهذا الكيان، وتماسكه السياسى، أى ترابط قواه السياسية، ووجود الرضا الكافى على الممارسة السياسية داخل الكيان وليس العكس، لأن تفكك وتداعى هذا التماسك ليس له غير نتيجة واحدة هى انهيار الكيان وسقوطه.

من هنا تأتى قيمة وأهمية، بل وخطورة الاستخلاص الذى قدمه عاموس غلعاد رئيس معهد "هرتسيليا" الذى يعد بمثابة "مؤسسة تصنيع الفكر الإستراتيجى الإسرائيلى"، وهو، أى غلعاد، من يدير سلسلة المؤتمرات التى يعقدها معهد "هرتسيليا" سنوياً، أمام المؤتمر الأخير الذى عقده هذا المعهد فى أواخر يونيو/ حزيران الماضى وامتد إلى أوائل يوليو/ تموز الفائت. فقد قدم غلعاد "شهادة" خطيرة على "حال الكيان" الآن وصف فيها هذا الكيان بأنه "منزل محمى بجدران قوية، بينما يأكله النمل الأبيض من الداخل". وهذه الشهادة تقول أن الكيان مهدد الآن بـ "افتقاد المناعة" أى تداعى التماسك الإجتماعى، أى تماسك الروابط التى تربط مكونات ما يمكن إعتباره شعباً "إسرائيلياً". فالقوة العسكرية والاقتصادية لهذا الكيان ربما تكون فى ذروتها، لكن تماسكه الإجتماعى، وربما السياسى، فى مرحلة لاحقة، مهدد بالتداعى، وإذا حصل ذلك فإن الدولة نفسها سوف تتداعى وتسقط، عندما يتمكن "النمل الأبيض" أى الأمراض الإجتماعية من تفتيت طبقة الأسمنت التى تربط النسيج الذى يتكون منه "الشعب الإسرائيلى" أو من يعيشون داخل الكيان ويأخذون اسم "الشعب الإسرائيلى".

شهادة عاموس غلعاد، خطيرة، لأنها صدرت من شخص له مكانته المرموقة داخل النخبة الحاكمة، فهو رئيس سابق للهيئة السياسية والأمنية فى وزارة الأمن (الحرب) سابقاً، ورئيس قسم الأبحاث فى فيلق الاستخبارات ومنسق أنشطة الاحتلال فى الضفة الغربية وقطاع غزة ورئيس قسم الأمن السياسى بوزارة الحرب السابق، أى أن يده فى قلب الأزمة، وهذا كله يؤكد جدية ما حرص على أن يدق جرسه من خطر أضحى مؤكداً فى تداعى حصانة الجبهة الداخلية، سواء من منظور عمق أزمة الفساد التى تتغلغل فى عمق الكيان وامتدت إلى قيادته فى ظل غياب فعلى لنظام المحاسبة وانتهاك مؤسسة العدالة، كما هو الحال فى التعامل الباهت مع فساد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وعجز مؤسسة العدالة عن محاسبته، إضافة إلى انهيار النظام الصحى، وتهرب الشباب من التجنيد فى الجيش "الإسرائيلى" وتفشى الرشوة داخل مؤسسة الجيش، والعنصرية الداخلية المتصاعدة، عنصرية اليهود الغربيين (الاشكيناز) ضد اليهود الشرقيين (السفارديم) وعنصرية كل هؤلاء ضد العرب، وضد اليهود "الفلاشا" الذين باتوا يشكلون قوة إجتماعية تعانى أعتى أنواع الاضطهاد والتهميش بل والقتل، كما حدث خلال الأسابيع الماضية، وهذا كله "نمل أبيض يأكل وينهش التماسك الإجتماعى الداخلى فى الكيان" ويؤكد فشل عملية تصنيع الشعب داخل الكيان، وهذا هو التحدى الأخطر على المستقبل "الإسرائيلى" الذى بات يفتقد مناعته .