الدعوة إلى إقامة "دولة إسرائيل التوراتية" التى وردت على رأس أولويات البرنامج الإنتخابى لحزب الليكود الحاكم فى إسرائيل بزعامة بنيامين نتنياهو فى الانتخابات العامة الأخيرة التى جرت يوم 9 إبريل الماضى، مرت مرور الكرام على الكثيرين من النخب العربية الحاكمة والمثقفة، إما عن تجاهل متعمد نابع من عدم تصديق جدية هذه الدعوة التى تعنى إقامة الدولة اليهودية التى تمتد من الفرات إلى النيل، رغم أن حلم هذه الدولة لم يتزحزح قيد أنملة عن العقل الإستراتيجى الإسرائيلى، حيث يرى كثيرون أن هذه الدعوة الإسرائيلية بإقامة تلك الدولة غير منطقية وغير عملية، وإما عن قناعة مفادها أن "إسرائيل المسالمة"، بإفتراض أن إسرائيل يمكن أن تكون مسالمة، لن تكون "دولة عدوانية"، وأن السلام مع إسرائيل سيعلى من أولوية التعاون على أولوية الصراع، ولذلك فإن السلام مع إسرائيل سيفرض حتماً نظرية جديدة للأمن الإسرائيلى تؤسس على أولوية "التعاون المتبادل" مع الدول المجاورة وليس على الصراع وضم الأراضى.
فات كل هؤلاء أن دعوة الليكود لإقامة دولة إسرائيل الكبرى "الدولة التوراتية" من الفرات إلى النيل جاءت فى أعقاب تطورات درامية تخص القضية الفلسطينية ساهمت كلها فى حسم مرحلة الطموح لإقامة دولة إسرائيل كدولة يهودية تمتد على كل أرض فلسطين من نهر الأردن شرقاً وحتى البحر المتوسط غرباً، وجعلها دولة يهودية خالصة فقط للشعب اليهودى عاصمتها القدس الموحدة (الشرقية والغربية) منها إعلان "قانون القومية" الذى أكد وتضمن هذه المعانى وتعامل مع الفلسطينيين أصحاب الأرض باعتبارهم "غرباء" أو "جالية عرقية" يمكن أن تحظى بالحكم الذاتى المجرد من أى حقوق سياسية وإما أن ترحل إلى الخارج، ومنها تصديق الرئيس الأمريكى دونالد ترامب على قرار الاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة أبدية للكيان الصيهونى، ومنها اعتراف السفير الأمريكى بالقدس بحق إسرائيل فى ضم أراض بالضفة الغربية ومنها اعتراف الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بقرار إسرائيل فرض سيادتها على هضبة الجولان المحتلة لتصبح جزءاً من أرض إسرائيل. كل هذه الإجراءات كانت تعنى أن مرحلة مهمة من مراحل تأسيس الدولة اليهودية قد تم إنجازها، وبقى التوجه إلى إقامة وفرض المراحل الأخرى المتبقية من المشروع الصهيونى أى التمدد إلى خارج فلسطين، وهنا غاب السؤال الإستراتيجى المهم: كيف سيكون التمدد؟ هل بضم الأراضى أم بفرض السيطرة والهيمنة؟
تحليل الفكر الإستراتيجى الإسرائيلى يؤكد أن مفهوم إقامة "الدولة اليهودية التوراتية" يرتكز على المزج بين الإستراتيجيتين: إستراتيجية "التوسع الجغرافى الأفقى" فى دول الجوار لأسباب يفرضها الأمن الإسرائيلى، وإستراتيجية "التوسع الرأسى" من خلال تمديد النفوذ والسيطرة والهيمنة على القرار السياسى والثروات وتوجهات الرأى العام فى العالم العربى وخاصة فى تلك المنطقة الجغرافية الممتدة من الفرات إلى النيل بما يفرض إسرائيل كقوة إقليمية كبرى مسيطرة على ما يسمونه بـ "الشرق الأوسط الجديد" بمفهومه الإسرائيلى الذى سبق أن طرحه شمعون بيريز رئيس إسرائيل الراحل فى المغرب عام 1994 والقائم على المزاوجة بين المال العربى والعقل الإسرائيلى.
غزو العراق وتدميره عام 2003 كان ضرورة لإقامة هذا المشروع، وما يجرى الآن من تدمير لسوريا هو الآخر ضرورة لإنجاح هذا المشروع، وإفشال موجة الثورات العربية والانحراف بأهدافها جزء من هذا المشروع، وتفجير الصراعات الدموية داخل العديد من الدول العربية (اليمن، ليبيا ) وتحفيز مخطط إعادة تقسيم الدول والصراعات العربية والدينية والطائفية جزء أصيل من هذا المشروع لتهيئة الظروف وجعلها مواتية لفرض المشروع الإسرائيلى للنظام الإقليمى، لكن الأهم هو الربط بين هذا المشروع الإسرائيلى ومنطقة الخليج العربى باعتبارها "البطة الثمينة" فى الوطن العربى .
لم يكن غريباً ضمن هذا الإدراك أن يقوم إيهود أولمرت رئيس وزراء إسرائيل الأسبق عام 2008 بزيارة لواشنطن لتقديم واجب الشكر للرئيس الأمريكى الأسبق جورج بوش (الابن) على "جهوده الرائعة فى تدمير العراق"، ولم يكن غريباً أن يعلن أولمرت نفسه أن "الصواريخ التى أطلقها صدام حسين على إسرائيل (خلال الأسابيع التى سبقت الغزو الأمريكى للعراق عام 2003) ربطت، وبشكل نهائى بين أمن إسرائيل وأمن الخليج"، ولم يكن غريباً أيضاً أن تضع الحكومة الإسرائيلية أولوية إستراتيجية طيلة السنوات الماضية للقضاء على "الخطر الإيرانى" سواء كان خطر القدرات النووية أو الصاروخية الإيرانية أو خطر المشروع السياسى الإيرانى الداعم لقوى ومنظمات المقاومة المعادية لإسرائيل. فقد عمل بنيامين نتنياهو طيلة السنوات الثمانى التى حكم فيها الرئيس الأمريكى السابق باراك أوباما، على فرض الملف الإيرانى كأولوية على الملف الفلسطينى لفرضيتين أولهما، استبعاد الملف الفلسطينى كأولوية ومن ثم إطلاق مشروع الإستيطان والضم والتهويد دون تدخل دولى واغتيال مشروع حل الدولتين نهائياً وفرض فلسطين كلها وطناً خالصاً لليهود، وثانيهما، القضاء على الخطر الإيرانى باعتباره العقبة الكبرى المستعصية أمام فرض مشروع إسرائيل الكبرى ومشروع "الشرق الأوسط الجديد الإسرائيلى".
الآن وفى ظل التطورات المتسارعة فى الأزمة الأمريكية- الإيرانية، وتفجير الولايات المتحدة قضية أمن الناقلات وأمن مضيق هرمز كأولوية والسعى إلى تشكيل "تحالف دولى" يتولى مسئولية تأمين الملاحة فى الخليج العربى ومضيق هرمز واحتواء ما يعتبرونه "خطراً إيرانياً"، لم يكن متوقعاً أن تبقى إسرائيل خارج هذه المعادلة، فالأزمة الحالية توفر فرصة سانحة لإسرائيل كى تفرض نفسها رسمياً، وللمرة الأولى، كطرف إقليمى معترف به رسمياً فى معادلة الأمن الخليجى كى تكون وجهاً لوجه أمام إيران فى الخليج، وكى تفرض نفسها كقوة إقليمية قابضة على معادلة الأمن الخليجى كمقدمة للتمدد نحو الأمن العربى كله.
الإفصاح الرسمى عن هذا الدور جاء على لسان إسرائيل كاتس وزير الخارجية الإسرائيلى عندما أكد أن "إسرائيل تشارك فى مهمة بحرية بقيادة الولايات المتحدة لتوفير أمن الملاحة فى مضيق هرمز". فخلال جلسة مغلقة للجنة الدفاع والشئون الخارجية بالكنيست الإسرائيلى (البرلمان) أعلن كاتس أن "إسرائيل تقدم المساعدة فى المهمة فى مجال المخابرات ومجالات أخرى" (لم يحددها). كاتس اعتبر أن هذه المهمة تصب فى مصلحة إسرائيل الإستراتيجية من ناحية التصدى لإيران، وتعزيز العلاقات مع دول الخليج. فما هى حدود القبول الخليجى لهذا الدور الإسرائيلى؟
السؤال مهم على ضوء العجز الأمريكى الراهن عن تشكيل القوة البحرية الدولية التى تريدها واشنطن فى ظل تمنع الحلفاء والشركاء الأوروبيين والآسيويين عن المشاركة فيها باعتراف وزير الخارجية الأمريكى مايك بومبيو، وفى ظل طرح موسكو مشروع المبادرة الروسية الجديد للأمن الخليجى، وفى ظل الصراع والانقسام غير المسبوق بين الدول العربية الخليجية أعضاء مجلس التعاون الخليجى وهو الانقسام الذى من شأنه أن يجعل دور هذه الدول هامشياً فى المعادلة الجديدة للأمن الخليجى.

