Menu

فلسطينيو أمريكا اللاتينية؛ الواقع الراهن وآفاق المستقبل

اسحق أبو الوليد

خاص بوابة الهدف

يُعدُّ الفلسطينيون في أمريكا اللاتينية، كما هو حال الجاليات العربية الأخرى، أحد مكونات المجتمعات اللاتينية بسبب انخراط أجيال في هذه المجتمعات تصل إلى الجيل الخامس، كما هو الحال في شيلي وبعض دول الكاريبي، مع الإبقاء على التركيبة الاجتماعية، وفي بعض الأحيان العائلية والعشائرية، بارزه في إطار الحفاظ على الهوية والشخصية الوطنية والقومية.

إنَّ الشكل التنظيمي الذي كان سائدًا حتّى انطلاق الثورة الفلسطينية الحديثة، هو الشكل العائلي أو المناطقي، الذي تطور مع انخراط بعض أبناء الجاليات في الثورة والمقاومة، إلى بناء خلايا للمناضلين من فلسطينيين وعرب، شكل بعضهم أنموذجًا في العمل السياسي والنضالي الذي ما زال أبناء الجالية الفلسطينية يتذكرهم بكل فخر واعتزاز، وقدَّم حياته في النضال ضد الصهيونية ومن أجل التحرير؛ كالرفيق القائد الشهيد جايل العرجا أحد أبطال عملية عنتيبي التي كبّدت العدو خسائر كبيرة. كما أدى تراكم العمل التنظيمي والنضالي إلى تشكيل جمعيات وأندية ومؤسسات ثقافية ورياضية، التي بدورها شكّلت الأرضية الموضوعية لتأسيس اتحاد عام لهذه المؤسسات في أواسط الثمانينيات من القرن الماضي، تحت اسم "اتحاد المؤسسات والأندية الفلسطينية في أمريكا اللاتينية والكاريبي "كوبلاك"؛ كممثل للجاليات وأحد مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، كما جميع مؤسسات المنظمة، المختطفة من قبل قيادات اليمين المستسلم. لقد تمَّ تمويل "كوبلاك" منذ تأسيسه حتّى انعقاد مؤتمر مدريد، ومن ثم اتفاقيات أوسلو، التي دمّرت المشروع الوطني والقومي الفلسطيني، هذه الاتفاقيات التي وُلِدَت من رحم اتفاقيات كامب ديفيد الخيانية، الموقعة بين السادات كممثل للبرجوازية المصرية والكيان الصهيوني عام 1978، كانت وما زالت بحاجة لمَن يصفق ويهتف لها ولمُوقِّعيها من مؤسسات وأفراد؛ لخلق شرعية مفترضة وهمية تسمح لأصحابها الاستمرار في انتهاك الشرعية الوطنية والشعبية الحقيقية، التي اكتسبتها قضيتنا وشعبنا بتضحيات ملايين الفلسطينيين. فرغم أنَّ الثورة الفلسطينية قامت من أجل تحرير فلسطين، وكانت الجماهير الفلسطينية وخاصة اللاجئين وكل الكادحين مادتها الأساسية، إلا أنَّهم لم يحتلوا الحيز المطلوب في برامج وسياسات القيادة المهيمنة، التي بسبب الإمكانات الهائلة التي تمتلكها عملت دائمًا على كبح جماح القُوى التي عملت على تأطير الجماهير في المهجر، وزجِّ كل طاقاتها في عملية التحرير؛ بحجة عدم "نقل الخلافات في الداخل والساحات الرئيسية إلى الجاليات، وأنّ "أهل مكة أدرى بشعابها"، والقضية في أيادٍ أمينة والقيادة لا تخون ولا تفر. ضمن هذه العقلية الاستبدادية "الأبوية" عملت حركة فتح ومعها كل طاقم السلك الدبلوماسي على تكريس الهيمنة والسيطرة على الجاليات ومؤسساتها في أمريكا اللاتينية بمنع "التعاطي" مع السياسة في الأندية والمؤسسات الأخرى، وكأنَّها أحد أنواع المخدرات بما يضمن سيادة لون واحد ونوع واحد من الفكر؛ أي: الفكر اليميني، الأسهل على الجاليات تلقيه بسبب طبيعة تركيبتها الاجتماعية والاقتصادية والدينية. من الملاحظ أنَّ التحولات السياسية التي حصلت في القارة وخاصة في فنزويلا والإكوادور والبرازيل وبوليفيا، والتي تكاملت مع الثورتين الكوبية والنيكاراغوية، عكست نفسها على فئات محدودة من أبناء جالياتنا، ولكنها لم تستطع التأثير العميق فيها وفي ولائها السياسي للحكومات البرجوازية المعادية بطبيعتها لقضيتنا ومجمل قضايا التحرر في القارة والعالم، وهذا يعود للبنية وحيدة الجانب للجاليات في القارة؛ أي: البنية التجارية والمالية البنكية؛ مما جعل من البرجوازيين الفلسطينيين وأصحاب رؤوس الأموال في القارة مكوِّنًا موضوعيًا للطبقات البرجوازية الحاكمة، أو التي تقاتل من أجل العودة للحكم الذي خسرته في فترة المد اليساري، الذي دخل في مرحلة الانحسار منذ رحيل الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز؛ قائد ومفجر الثورة البوليفاري في فنزويلا، في فترة المد الثوري اليساري في القارة، ومنذ بداية القرن الواحد والعشرين عام 2013، كانت المؤسسة الوحيدة في القارة "كوبلاك" نائمة ومغيبة ليس فقط بسبب قرار سياسي، بل لأنَّ تركيبتها ولا ديمقراطيتها لا تؤهلها بأنْ تلعب الدور القيادي في القارة والمتمثل ليس فقط في التعبير عن طموحات ومصالح جالياتنا، والدفاع عن قضيتنا الوطنية بل بقيادة النضال السياسي والثقافي والفكري ضد الحركة الصهيونية في القارة، والتي تتمتع بنفوذ هائل في بعض دولها وخاصة الأرجنتين، والبرازيل، والبرغواي وكولومبيا، وفي معظم دول أمريكا الوسطى كهندوراس وغواتيمالا.

إنَّ النضال من أجل الحقوق الوطنية والقومية الفلسطينية، والدفاع عن القضية الفلسطينية العادلة يبقى ناقصًا إنْ لم يتكامل مع النضال ضد الحركة الصهيونية، التي هي أيضًا عدو شعوب القارة وقواها التقدمية، تعمل كذراع للإمبريالية للقيام بالانقلابات العسكرية الديكتاتورية الدموية، وكبح جماح عملية التحرر من النير الإمبريالي، والإبقاء على القارة واقتصادها تابعيّن للولايات المتحدة، والسماح لاحتكاراتها نهب خيرات هذه المنطقة الأكثر "حيوية وأهمية لتكريس هيمنة الولايات المتحدة، وفرض قيادتها للعالم"، كما قال كيسنجر بعد الانقلاب الدموي الفاشي ضد الرئيس الاشتراكي سلفادور الليندي. هذا الدور الصهيوني يبرز من جديد بدعم وتأييد عميل الإدارة الأمريكية، هوان غوايدو، الذي أعلن نفسه كرئيس مؤقت لفنزويلا، وقام بمحاولات فاشلة للإطاحة بحكومة الرئيس ماذورو، وما يلفت الانتباه ترحيب ودعم الفئات البرجوازية والأكثر يمينية للجالية الفلسطينية والعربية، لرجل أمريكا والصهيونية؛ مما يؤكد على الطبيعة الطبقية للصراع الدائر من أجل السلطة ونظام الحكم في فنزويلا، وهذا بدوره يوصلنا لسؤال: لماذا يلتقون –أيضًا- في فلسطين والوطن العربي حول ما يُسمى صفقة العصر؟

هكذا تبقى مهمة النضال والتصدي للصهيونية، مهمة القوى الأكثر جذرية، والأعمق في تبنيها للفكر الماركسي والملتزمة طبقيًا؛ لأن الأيديولوجيا والحركة الصهيونية هما من إنتاج النظام الرأسمالي، ولن يَبقيا على قيد الوجود إذا ما تخلصت البشرية من هذا النظام، لهذا السبب؛ تُعدُّ الحركة الصهيونية كل ثورة على الظلم والاستغلال في هذا العالم هي هدفٌ لها يجب تدميرها والقضاء عليها، وفي أسوأ الحالات احتوائها لخدمة أهدافها.

 يتضح جليًا، أنَّ ما هو ملقى على عاتق جالياتنا، وما هو مطلوب منها كي تشارك فعليًا في معركة التحرير، أكثر بكثير من ما يقدمه بعض المناضلين الناشطين في أوساطها؛ الأمر الذي يحتاج إلى استراتيجية سياسية بالاشتراك مع القوى المحلية الأكثر استعدادًا لخوض النضال المشترك ضد الصهيونية والإمبريالية والقوى الرجعية اليمينية المحلية عميلَتهم وخادمة مصالحهم. إنَّ الصراع والمزاحمة، التي بدأت ملامحها، مع استلام تيسير خالد لدائرة "شؤون المغتربين" على مَنْ سيقود هذه المؤسسة أو تلك، وخلق مؤسسات جديدة تخضع سلفًا لقيادة هذا الفصيل أو ذاك أو تأتمر لما يريده، يعني في الجوهر الوقوع في سياسة التقطيع والعزل، وإعاقة النضال من أجل التغيير في ميزان القوى الجماهيري؛ مما يخدم استراتيجيًا هيمنة اليمين وإطالة أمد سيطرته، حيث لن تستطيع قوى اليسار أنْ تصبح أغلبية ما دامت تعمل في مؤسسات متجانسة تمامًا تُوجِدها لذاتها قليلة العدد، ولا يوجد فيها مناظرات وصراعات سياسية وفكرية، بحيث نستطيع القول إن المرحلة الذهبية في تاريخ الصراع الفلسطيني- الفلسطيني، والذي كان يتم على أرضية علمية صحيحة لها ما يبررها، هي مرحلة "جبهة الرفض للحلول الاستسلامية" التي أسستها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في أواسط سبعينيات القرن الماضي، والتي كانت تخوض نقاشات حامية داخل المؤسسات، من نقابات واتحادات فرضت نفسها فيها وعليها باسم "جبهة الرفض"، الشيء الذي تفتقد له الساحة الفلسطينية اليوم.

 إنَّ الخطر من شق المؤسسات دون وجود قيادة مركزية واستراتيجية بديلة واضحة للقوى الثورية، يخدم اليمين بل هناك إمكانية، ولأسباب موضوعية أيضًا، أنْ تتدحرج هذه المؤسسات، بسبب طبيعة قياداتها الإصلاحية، إلى مستنقع اليمين .