Menu

العدو واحد فلتكن المواجهة واحدة

د. حسن خليل

خاص بوابة الهدف

تقول العرب: "في حربك مع بني قومك، لن تجزع إلّا أنفك، ولن تقطع إلّا كفك.."؛ فكم من أنوف جُزعت، وأيادٍ قُطّعت، ودماء سُفكت، في صراعات بدأت ولم تنتهِ بعد. هي مشهدية متواصلة منذ أنْ دسّت البسوس أنفها في أمور القبائل والعشائر؛ لتستفيق معها غرائز الحقد والانتقام والتآمر. هي متأصلة في تلك النفوس التي تعتاش على الغدر والمال الحرام، وأوامر أولياء الأمر والنهي، المتربصين في أربع جهات الأرض، يسودون ويحكمون، يفتون ويحللون، وعلى ذلك تمضي قوافلهم ذهابًا وإيابًا، محملة بما نحن مالكون من قدرات وموارد، وعائدةً إلينا بالحروب والدمار. نعم، لا نزال نعيش تحت عباءة عصور الظلام المترامية الأبعاد والمتعددة الأشكال؛ صحيح أنَّها عصور غابرة ومنسية، إلّا أنَّ أمرَ استحضارها وتحديثها هو على جدول أعمال مَنْ امتلك مسبباتها بُغية استردادها، متى استوجب ذلك، من سلطة ومال وطوائف وعنصرية وكيدية وجهل وحجر وتكفير..   

نعيش اليوم تلك الجاهلية المتوارثة بطباعها وطبيعتها، وإنْ اختلفت الأمكنة وشكل الأحداث، نعيش أيام "سجن العقل" في معتقلات الجهل؛ لمحاولته تأويل النص بقصد تفسيره أو فهمه، ومن خلال الرابط الواضح ما بين منع التفكير وإجازة التكفير والاحتلال، في زمن الردة نحو منطق القبيلة والعشيرة؛ فكلاهما يعبّر عن حالة اعتداء، وإنْ كان بأشكال مختلفة، وأماكن وظروف متعددة، وما استجرار الغرائز إلى الساحة إلّا لذلك، ولو بلغ الدم فيه حدّ الركب؛ هو ذاك المشروع الإمبريالي- الغربي، وسلوكه الذي امتهن القمع والتجهيل والسيطرة والغطرسة والقتل والإرهاب، بشقّيه الفكري والعسكري، هو ذلك الذي قسّم كي يسود، وطغى كي يسيطر، وقتل كي يسرق.. عنوانه الاستعمار والاستبداد والتعمية، وابتكار أدوات السيطرة، وما فلسطين إلّا أحد الرموز المسفوكة دمها على مدى ذلك التاريخ الغارق في العدوان من أذنيه حتّى أخمص قدميه؛ هي تلك القضية، الذي أطلقتها أولى الحروب الاستعمارية نحو الشرق، حروب توسيع المناطق والاستئثار والهيمنة والنفوذ وتصدير المشاكل، والتي لا تزال مستمرة، من بطرس الناسك وصولًا إلى دونالد ترامب، ذلك المُرابي الذي يعتاش على الدم والمال.. هو تاريخ ملطخ بالدماء والدمار والحقد، وللأسف، بتواطؤ عربي واضح، مكشوف ومعلن.

إنَّ إغفال القضية الفلسطينية طويلًا، وغيابها عن الساحة كقضية جامعة، منذ اتفاقات أوسلو حتّى اليوم، وتشريع حالة الانقسام فيها، ساهمت وبشكل كبير في وضع "عدالة" تلك القضية وأحقيتها وشموليتها، في إطار المحدودية الفئوية بنتيجة ما استجدّ على الساحات العربية منذ سنوات، من بعض القوى الفلسطينية بالأساس، ومن بعض قوى "المواجهة" استكمالًا؛ لقد تجسّد الغياب شبه الكلي للقضية في السنوات السبع المنصرمة، وضاعت ما بين خنادق الحروب المتكاثرة في "بلدان الطوق"، والنقاش العقيم في شرعية "سلطة" تقوم على جغرافيا منفصلة ومجزأة، ومحاطة بكيان الاحتلال وإجراءاته العدوانية- العنصرية. هذه الإشكالية، الصعبة الحل، أودت بتلك القضية إلى حالة من الانقسام "الأهلي" بين سلطة لا تحكم، ومقاومة عينها على السلطة؛ لن تكون مقاومة هناك أو معركة للتحرير الوطني ما لم يكن هناك احتلال، واستكمال، ولا يمكن أنْ نكون مقاومة، وعيننا على سلطةٍ، أو هياكل تسمى سلطة أُنشئت في ظل الاحتلال، إمّا مقاومة وإمّا سلطة. السلطة القائمة على الاتفاقات المفرّطة بالأرض وبالحقوق لا يمكنها استعادة الأرض والحقوق، ومتى أدركنا ذلك؛ فإنّنا نكون قد قطعنا نصف الطريق. إنّها مسألة بديهية ومطلوبة وواضحة؛ مَنْ أراد المقاومة وعن حق، ما عليه إلّا أنْ يكون مقاومًا، ونقطة على السطر، ولا يتحقق ذلك من خلال طرح موضوع الوحدة الفلسطينية على قاعدة المواجهة في كل أشكالها، وأيضًا بوضع كل مقدرات الشعب الفلسطيني ومؤسساته في اتجاه تعزيز الخيار المقاوم؛ فمؤامرة القرن المعمول عليها اليوم هدفها تصفية القضية الفلسطينية كقضية شعب وعدالة ومشروعية مُؤسِسة لكل حالات الاعتراض في العالم في وجه تلك الإمبريالية الغربية الفالتة، والتي تعيث فسادًا واحتلالًا وإجرامًا، وبما أنَّ الهجومَ الغربي شاملٌ، فلماذا إذن لا تكون المواجهة شاملة؟   

فالمواجهة الشاملة لا تعني المعركة المتماثلة، وإنما تعني في جوهرها، العمل في كل الساحات وحول كل القضايا، وإنْ اختلفت الوسائل. فلتكن قضية الأساس- فلسطين، سببًا لإعادة بوصلة الصراع إلى مكانه وطبيعته الأصلية: قضية فلسطين، ليست قضية أرض انتُزعت من أصحابها أو شعب شُرّد في بقاع الأرض فقط، هي قبل كل هذا وذاك، قضية مشروع استعماري بدأ منذ قرن، هدفه السيطرة والهيمنة على المنطقة وقهر شعوبها، وما الكيان المصطنع في فلسطين اليوم بوظيفته، إلّا شكل متقدم من الفاشية العنصرية وموقع متقدم للعدوان. على هذا الأساس تصبح مقاومتُه مقاوَمَة نمط الهيمنة بذاته، والذي ما انفكّت الولايات المتحدة الأميركية تمارسه، وبأبشع صوره ووسائله. وهذا الذي نؤكد عليه، يدفع باتجاه أنْ تتعدى موجبات مواجهته، وتتنوع لتشمل كل مَنْ يؤمن بالتحرر والعدالة والحرية، والتقدم في المنطقة والعالم، من خلال العمل على إطلاق وبناء جبهة مقاومة عربية شاملة على كل الصعد، وبمختلف أشكال النضال، في مواجهة أهدافه الاستيطانية والجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية، ودعمًا لقضايا التحرر الوطني في بلداننا العربية، ولقضية فلسطين وشعبها؛ كي لا يُترك وحيدًا في هذه المعركة، وأيضًا مع لبنان في ظل التهديدات الإسرائيلية المتكررة والخروق المتواصلة لسيادته، والمعرّض دومًا لاعتداءات صهيونية، ما يستوجب منّا التأكيد باستمرار، بأنَّه كما كان إطلاق جمول ردًا طبيعيًا على الاحتلال، فإنَّ أي اعتداء سيواجه بالطريقة نفسها.

من هنا؛ تصبح مسألة تلازم ذلك العمل مع تطوير أساليب النضال وتنويعها، ضرورةً ملحة وتحديدًا في بلدان المواجهة المعرّضة للعدوان المباشر، بغية تأمين أفضل شروط التصدي الناجح لمفاعيل تلك الصفقة، التي من المحتمل أنْ يطغى عليها، في الأمد القصير والمتوسط، الطابع العسكري. وهنا يأتي دورنا كقوى مقاومة بإمكاناتها، وبالتنسيق فيما بينها، لتأمين أفضل شروط المواجهة، بالإضافة إلى العمل على تصعيد التحركات الأهلية والشعبية؛ بهدف حشد وتعبئة طاقات شعوبنا – وبخاصة شبابنا- واقتصاداتنا، ومؤسساتنا، ومنابرنا الثقافية والإعلامية في مواجهة التطبيع بكل أشكاله، بالتزامن والتضامن مع العمل المقاوم في الداخل الفلسطيني ضد الاحتلال، وضد نظام الفصل العنصري الذي يستهدف فلسطينيي الـ48.

وهذا الأساس يجب أنْ يشكل منطلقًا لبناء "المشروع السياسي" القائم على المواجهة الشاملة، في الخارج كما في الداخل؛ أي: مواجهة المشروع الإمبريالي الأم، عبر تعرية أدواته المحلية وتفكيكها، ولتأمين أفضل شروط النجاح في هذه المواجهة، لا بُدَّ من بناء وتطوير تقاطعات جدّية مع القوى المقاوِمة في المنطقة، والتي نتشارك معها مهمة التصدي لذلك المشروع الأساس، بالنظر إلى أنَّ أولوية هذا التصدّي تتجاوز، ولأسباب موضوعية وتكتيكية، غيرها من الأولويات، ما يستوجب المبادرة بالتوجّه نحو كل تلك القوى والأحزاب اليسارية والقومية في منطقتنا، المؤمنة بهذه الخيارات، والتي يمكن أنْ نشكل معها مجموعة ضغط نتفق وإياها على المبادئ والعناوين، لحثّها على توحيد جهودها وطاقاتها؛ لمواجهة المشروع الأساس وإسقاطه، وهذا ما أكّدت عليه الورقة المشتركة التي وُقعت بين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والحزب الشيوعي اللبناني، والتي يجري العمل على جعلها برنامجَ عملٍ مشتركٍ في هذا الاتجاه، يطال كل تلك الموضوعات، وفي مختلف الساحات.

وفي النهاية نقول: نحن مع فلسطين وقضيتها وشعبها وقُواه المُقاوِمة، ونحن مع القدس ، ليس لأنَّها أرض الأديان والرسل، بل لأنَّها عنوان المواجهة، وهي ليست عاصمة دولة فلسطين بل هي عاصمة كل أحرار العالم، وقبلة كل مَنْ أراد المواجهة؛ هنا تستقيم القضية، وتصبح واضحة كوضوح الشمس: لقد انتظرت القدس مئة عام منذ احتلالها الأول كي تتحرر، وها هي اليوم، تعاني احتلالها لشطرها الغربي منذ 1948، ولشطرها الشرقي منذ 1967؛ فمحمد ربيع عليان، ذو السنوات الأربع، من بلدة العيسوية، هذا المقدسي الذي يسير مرفوع الهامة إلى حيث التحقيق معه، سيشكل الرد على كل مَنْ يتطاول على حرمة فلسطين، فَتَينك العينان الجميلتان ونظراتهما الثابتة، تؤكدان بأنَّ فلسطين ولّادة، وأنَّ قضيتها في أيدٍ أمينة.