قيل: إن نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التونسية صدمة حقيقية لكل التوقعات التي سبقتها، كأنها زلزال قوض الحياة السياسية بكل مكوناتها وتياراتها وأحالها إلى ركام، وطرح سؤال المستقبل مجدداً، كما لم يحدث منذ ثورة (2011)، التي أطاحت الرئيس الأسبق «زين العابدين بن علي».
من مفارقات الحوادث، أن يرحل «بن علي» منفياً، وتونس تنظر في مرآة الانتخابات إلى مستقبلها، إلى أين تمضي بعد ثماني سنوات من ثورة تطلعت للانتقال إلى عصر جديد أكثر عدلاً وحرية؟
بفضل ثورتها؛ حازت تونس قدراً كبيراً من الحريات العامة، سمح للرأي العام فيها أن يعبر عن ضيقه البالغ في صناديق الاقتراع من النخب السياسية المتصارعة على غير قضية تعنيه وتدخل في صميم شواغله، وتعطيه أملاً في تحسين أحواله المعيشية، التي تدهورت على نحو لا يمكن إنكاره.
انخفض معدل الإقبال على التصويت ب(20%) عن أول انتخابات رئاسية بعد الثورة عام (2014)، والرقم بدلالته؛ يعبر عن حجم الإحباط الذي ساد قطاعات واسعة بأثر تجربة السنوات الخمس الماضية. كان عزوف النسبة الأكبر من الشباب عن المشاركة؛ يعد تعبيراً آخر عن حجم ذلك الإحباط.
بدا التصويت عقابياً للأحزاب والقوى السياسية التي منحها التونسيون ثقتهم في الانتخابات الرئاسية والتشريعية السابقة.
تبعثر حزب «نداء تونس»، الذي أسسه الرئيس الراحل «الباجي قائد السبسي» في منازعاته وانشقاقاته، وأخفق مرشحه المفترض وزير الدفاع «عبدالكريم الزبيدي»؛ حيث حل رابعاً، فيما كانت ترشحه التوقعات المسبقة للصدارة، كما أخفق حزب «تحيا تونس» الذي أسسه رئيس الوزراء «يوسف الشاهد»؛ حيث حل خامساً، وضرب الزلزال الانتخابي حركة «النهضة» في عمق ثقتها بشعبيتها، وخرج من الجولة الأولى مرشحها «عبد الفتاح مورو» الذي حل ثالثاً، ونالت أحزاب اليسار ضربات أفدح.
لم يستثن الزلزال تياراً دون آخر، ولا وجهاً معروفاً دون آخر، كان العقاب جماعياً. كان ذلك أقرب إلى ثورة اجتماعية صامتة بقدر ما عبرت عما هو مكتوم من غضب عام.
كان ذلك النصف الأول من الزلزال التونسي. ولم يكن النصف الثاني أقل دوياً؛ حيث صعد إلى الجولة الثانية الحاسمة رجلان مثيران للجدل والتساؤل.
أولهما، «قيس سعيد» وهو أكاديمي شبه مجهول، تصعب ملامحه السياسية الحقيقية على النظر بالعين المجردة.
وثانيهما، «نبيل القروي» وهو قطب إعلامي موقوف بتهم الفساد وغسل الأموال، أدار حملته من خلف جدران السجن.
تصدرهما - بذاته - إعلان نهائي بفشل المنظومة السياسية كلها؛ ولذلك انعكاساته على الانتخابات التشريعية المقبلة؛ حيث مركز السلطة الحقيقية وصناعة القرار.
بتعبير «قيس سعيد»، فإن ما حدث «ثورة جديدة في نطاق الشرعية الدستورية القائمة». التعبير منضبط وصياغته على شيء من الدقة، فهو أستاذ قانون دستوري اكتسب شعبيته؛ بإطلالاته بعد ثورة (2011) على الجمهور العام في مداخلات تلفزيونية امتازت بالرصانة وحسن الإلقاء بلغة عربية فصحى متمكنة، لا يتحدث بغيرها، وهو هنا يحتذي المفكر الراحل الدكتور «أحمد صدقي الدجاني» عضو اللجنة التنفيذية العليا السابق لمنظمة التحرير الفلسطينية، الذي اشتهر بتصويته ضد اتفاقية «أوسلو».
في حدود ما هو معروف عن «سعيد» فإنه يجرم التطبيع مع «إسرائيل» ويعده خيانة وطنية، ولا توجد معلومات تتجاوز ما هو معروف إلى خلفياتها الفكرية والتاريخية.
نحن أمام رجل يصعب توصيفه خارج الكلام العام، والمراوحة السياسية لمن التفوا حوله في حملته الانتخابية تضم متناقضات: سلفيون لم يعهد عنهم عناية بقضية الديمقراطية والتغيير عبر صناديق الاقتراع، وشبان أقرب إلى اليسار الاجتماعي يبحثون عن نوع من القطيعة مع الديمقراطية الليبرالية دون أن يكون واضحاً نوع الديمقراطية الاجتماعية التي يطلبونها، بحسب ما هو منشور من تقارير صحفية تبحث وتستقصي خلفيات الرجل الأكثر ترجيحاً أن يصعد إلى قصر قرطاج.
رجل بمثل هذه المواصفات المربكة يستدعي مواقف في جولة الحسم من ذات النوع.
هذه إحدى معضلات جولة الحسم التي اقتربت مواعيدها، وهو يحاول تجاوزها بتأكيد استقلاليته، وعدم استعداده للتحالف مع أي حزب.
على الأغلب سوف تميل إليه الكتلة الأكبر من جماعات المثقفين والمتعلمين؛ حيث أكدت استطلاعات الرأي العام أن (48%) ممن صوتوا له في الجولة الأولى من الطلبة وأساتذة الجامعات والمثقفين يليهم أصحاب المستويات التعليمية الثانوية بنسبة (19%) ثم المستوى التعليمي الأقل ب(9%).
بقدر أكبر فإن قطاعات الشباب سوف تراهن عليه؛ باعتقادها أنه أقرب إلى الثورة، رغم أنه لم ينخرط في فاعلياتها، يدرك ذلك وهو يؤكد شعار: «أوفياء لدم الشهداء» في إشارة للتضحيات التي بذلت في طلب التغيير وشعار: «الشعب يريد» في إشارة أخرى إلى ما جرى التنكر له من أهداف بذلت من أجلها تلك التضحيات.
شخصية وحياة وعلاقات المرشح المنافس «نبيل القروي» لا تتسم بذات درجة الغموض، اتصل بعلاقات مع نظام «بن علي»، شارك الرئيس «السبسي» تأسيس «نداء تونس» ثم خرج عنه مؤسساً حزباً جديداً «قلب تونس» ترشح باسمه، وبنى قاعدة شعبيته على ركيزتين - قوة الحضور الإعلامي؛ حيث يمتلك واحدة من أهم شبكات التلفزة الخاصة؛ والعمل الخيري؛ حيث يترأس مؤسسة تقدم أغذية للمحتاجين. ما دفع به إلى مركز متقدم، واعتقاد قطاع كبير نسبياً من الناخبين أنه تعرض للحبس بتدخل سياسي من رئيس الوزراء «يوسف الشاهد»؛ لمنعه من مواصلة حملته.
الأخطر أن المرشح السجين قد ينتخب رئيساً في سابقة لا مثيل لها في تاريخ أي ديمقراطية، ولا أحد يعرف كيف يمكن التغلب على تعقيداتها، ولا مدى أثرها في مستقبل تونس.

