أي خروج عن الثوابت الوطنية، تحت أي ذريعة أو ادعاء، يعتبر خضوعاً لإرادة المحتلين «الإسرائيليين»، واستسلاماً لمخططاتهم التوسعية الاحتلالية
انتهت انتخابات الكنيست (22)، وأظهرت النتائج النهائية فوز تحالف (أزرق أبيض) بزعامة رئيس أركان الجيش السابق بيني جانتس بمقعدين زيادة على ائتلاف بنيامين نتنياهو زعيم حزب (الليكود). وهكذا يمكن القول إن المعركة الانتخابية المعادة انتهت تقريباً كسابقتها، أي بالتعادل، طالما أنه ليس في استطاعة أي من التكتلين أن يشكل حكومة مستقرة، من دون الاعتماد على طرف من خارجهما. ولعله كان من المنطقي أن تكون النتيجة نوعاً من (التعادل) حيث إن «الائتلاف» و«التحالف» لا يختلف أحدهما عن الآخر، إلا في الهوامش التي قد لا تعني شيئاً في نهاية المطاف.
ويعنينا، كفلسطينيين، أن نعرف ما يجري داخل الساحة «الإسرائيلية»، لنعرف كيف نتعامل مع مستجدات هذه الساحة، وليس بطبيعة الحال ل«تكييف» مواقفنا مع تلك المستجدات لتتماشى من المخططات التوسعية «الإسرائيلية»، إذ إن مواقفنا يجب أن تنبع من ثوابتنا الوطنية ومن تمسكنا بهذه الثوابت. وأي خروج عن الثوابت الوطنية، تحت أي ذريعة أو ادعاء، يعتبر خضوعاً لإرادة المحتلين «الإسرائيليين»، واستسلاماً لمخططاتهم التوسعية الاحتلالية. في ضوء ذلك يكون السؤال حول ما تركته نتائج انتخابات الكنيست الأخيرة من آثار على المواقف الفلسطينية، وما يمكن أن تحدثه في الساحة الفلسطينية من تغيرات.
في الساحة «الإسرائيلية»، أظهرت هذه الانتخابات ما كان ظاهراً منذ وصول «اليمين التصحيحي» بزعامة مناحيم بيجن، عندما نجح في إيصال حزب (الليكود) إلى السلطة، فيما اعتبر «انقلاباً تاريخياً» في انتخابات 1977. منذ ذلك الوقت بدأ الحديث عن «الانزياح نحو اليمين» إلى أن وصل في حقبة بنيامين نتنياهو إلى «اليمين المتطرف» العلماني ثم الديني، حيث أصبحت كل انتخابات تمثل «انزياحاً» جديداً نحو الأكثر تطرفاً، حتى أصبحت آخر حكومات نتنياهو تسمى «حكومة المستوطنين».
الانتخابات الأخيرة كانت سباقاً بين التكتلين الكبيرين نحو مزيد من التطرف والاستيطان. مع ذلك، وقبل أن تظهر النتائج النهائية للانتخابات، صرح وزير خارجية السلطة الفلسطينية، رياض المالكي، بالقول من أوسلو ( 18سبتمبر/أيلول 2019 )، إنّ «السلطة الفلسطينية مستعدّة للتفاوض مع أي رئيس حكومة «إسرائيلية» جديدة تنبثق من الانتخابات التشريعية التي جرت»! في الوقت نفسه، حذرت ( الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ) من الحماس الذي أبداه البعض للنتائج، قائلة: «نتائج انتخابات الاحتلال، بغض النظر عن تقدم هذا الحزب أو ذاك، لن تُغَيِّر من واقع الاحتلال شيئاً على الأرض». .
لكن «الجبهة» دعت «قيادة السلطة الفلسطينية إلى عدم إشاعة الأوهام من حدوث أي تغيير في التركيبة السياسية داخل الكيان، أو إمكانية وجود طرف «إسرائيلي» جاهز للمفاوضات والتسوية». وكأنها لا تزال تعول على هذه السلطة، وتأمل أن تغير مواقفها الاستسلامية.
في المقابل، وبعكس موقف «الشعبية»، هنأت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ، في بيان صدر عنها، الجماهير العربية في الداخل على رفضها الاستجابة لما وصفته ب«نداءات العدم السياسي بمقاطعة الانتخابات، وعلى فوزها الذي حققته»! واعتبرت «الديمقراطية» أن «النتائج التي حققتها المشتركة توفر لها القدرة على أداء دور مميز، لفضح سياسات الحكومات «الإسرائيلية»، والتصدي لقوانينها العنصرية، ورفع الصوت الفلسطيني عالياً على مرأى ومسمع الرأي العام العالمي. فضلاً عن أن هذا الحجم يعطيها القدرة على لعب دور في فرض شروطها في العديد من محطات التصويت على القوانين»!
ولعل ما جاء في ختام بيان «الشعبية» من مخاطبة السلطة الفلسطينية فيه الحل، حيث قالت: إن «البديل العملي والحقيقي عن استمرار الارتهان للاتفاقيات مع العدو، واستمرار الرهان على التسوية، هو صوغ استراتيجية مواجهة وطنية تضع على رأس أولوياتها إسقاط اتفاقية أوسلو من أجندتنا الوطنية إلى الأبد، وسحب الاعتراف بالكيان، ووقف كل أشكال التنسيق الأمني والعلاقات مع الكيان، واستثمار طاقات شعبنا في إطلاق انتفاضة عارمة في وجه الاحتلال، ومشاريع التصفية، والدفع بجهود استعادة الوحدة المبنية على أسس كفاحية ووطنية سليمة».
ولكن هل إلى ذلك سبيل؟!!

