في البداية لا بد من التأكيد أن فلسطين جزء من الوطن العربي وأن الشعب الفلسطيني هو جزء من الأمة العربية، وانطلاقاً من هذا كانت رؤية الرئيس العربي جمال عبد الناصر النظرية لأعماله النضالية العسكرية في الدفاع عن فلسطين وفي العمل من أجل تحريرها.
ولا ننسى دور القيادة المصرية في عهده في المواقف السياسية وفي المجال الإعلامي لدعم القضية الفلسطينية حتى أصبح خطاب الرئيس عبد الناصر ينتظره العربي من المحيط إلى الخليج ليكون مرشداً له في النضال.
كان الضباط الأحرار الذين يخططون للقيام بالثورة يفكرون بالعمل الفدائي من مصر ضد اليهود في فلسطين، ولكن القرار الرسمي المصري بالمشاركة في الحرب سنة (1948) منعهم من تنفيذ خططهم. . وكان جمال عبد الناصر أحد الضباط الذين قاتلوا في حرب (1948) داخل الأراضي الفلسطينية في أسدود والفالوجة وقرى أخرى، وعاش عملياً تحالف الانتداب البريطاني الصهيوني في الاستيلاء على فلسطين (1948)، وانعكس ذلك في رؤيته للقضية الفلسطينية وأهمية المقاومة ودعمت فكرة المقاوم في ضرورة التغيير في مصر أولا ً والوطن العربي ثانياً وقال: "كنا نحارب في فلسطين ولكن احلامنا كلها كانت في مصر".
إلى جانب عبد الناصر كان كمال رفعت أحد الضباط الأحرار وفي عام (1951) أخذ على عاتقه مع ضباط آخرين مهمة تدريب الفدائيين ضد الاستعمار البريطاني في مصر، وهو يعتبر العقل المدبر للعمليات الفدائية في منطقة قناة السويس حتى جلاء آخر جندي بريطاني عن مصر، واستخدام خبرته هذه أيضاً في مواجهة العدوان الثلاثي، وبعد انتهائه امتد دوره إلى خارج حدود مصر حيث شارك في تدريب الفدائيين الفلسطينيين الذين نفذوا عمليات فدائية ضد العدو الصهيوني انطلاقاً من الأراضي الأردنية.
بعد الحرب سنة(1948) واحتلال جزء من الأراضي الفلسطينية تحول العمل الفدائي الفلسطيني في صراعه مع الاحتلال الصهيوني إلى نشاط من الأراضي العربية: مصر و سوريا والأردن، أي عابر للحدود إلى داخل فلسطين المحتلة، وبلغ ذروته في الفترة ما بين عامي (1949 _ 1956).
كان مقر الفدائيين الرئيسي هو غزة، حيث تشكلت حكومة عموم فلسطين في اكتوبر (1948) والتي انتهى دورها على أثر اتفاقية رودس في شباط (1948)، حيث أخضع قطاع غزة للإدارة المصرية بتكليف من الجامعة العربية. وقد تراجع العمل الفدائي الفلسطيني على أثر العدوان الثلاثي على مصر. وفي سنة (1952) أنشأت الحكومة المصرية قوة شرطة فلسطينية شبه عسكرية، وشرطة الحدود الفلسطينية في ديسمبر (1952)، ووضعت تحت قيادة اللواء الجوي المصري السابق عبد المنعم عبد الرؤوف، وتم ربط بعض أفراد الشرطة بمكتب الحاكم العسكري تحت قيادة عبد المنعم السحرتي لحراسة المنشآت العامة.
في سنة (1954) أشرفت الحكومة المصرية على إنشاء مجموعات من الفدائيين الرسميين في غزة وشمال شرق سيناء، وكان الجنرال مصطفى حافظ قائد المخابرات العسكرية المصرية هو الذي أسس في قطاع غزة الكتيبة (141) فدائيين؛ لمواجهة الوحدة العسكرية الصهيونية (101) التي شكلها شارون لتنفيذ المهمات الإجرامية في القرى الفلسطينية وفي قطاع غزة.
وصلت شعبية هذا الجنرال إلى درجة الهتاف باسمه في قطاع غزة أثناء استقبال عبد الناصر، تقديراً لدوره في تدريب الفدائيين والروح النضالية التي تمتع بها. في حين أطلق عليه العدو لقب "الشبح" لأنه لم يكن يعرف عنه شيئاً حتى صورته لم تكن معروفة لديهم، وعمل الموساد على تصفيته بعد أن أطلق مكافأة تحت شعار مطلوب حياً أو ميتاً، بلغت مليون دولار لمن يقدم معلومات عنه، وتم اغتياله بطرد ملغوم.
وبحسب الوكالة اليهودية فإنه مابين (1951 _ 1956) لقي (400) صهيوني مصرعهم وأصيب (900) آخرين. وقد نفذ الفدائيون في الفترة ما بين أيلول (1955) تشرين الثاني (1956) أكثر من (200) عملية فدائية: إلقاء قنابل بدوية وإطلاق نيران على المستوطنات والدوريات العسكرية، والقيام بعمل كمائن للسيارات والآليات، ونسف الخزانات وأنابيب المياه، وتدمير الطرق والجسور إضافة إلى زرع الألغام والعبوات الناسفة.
أكبر عملية فدائية في أيام مصطفى حافظ كانت دخول (300) فدائي من قطاع غزة في (6) نيسان (1956)، هاجموا مستوطنة "ريشون ليتصيون" وهي تبعد (47كم) عن خط الهدنة و )15كم) عن تل أبيب، واستمرت العملية بشكل يومي حتى الثالث عشر من نيسان.
قام عبد الناصر بدور كبير أيضاً في خلق م.ت.ف في أيار (1964)، حيث تم الإعلان في مؤتمر القمة العربي عن إنشائها ورشح أحمد الشقيري رئيساً لها، وذلك على أثر نشوب صراع بين الاحتلال الصهيوني وكل من سوريا والأردن حول استخدام مياه نهر الأردن. وقامت المنظمة بإنشاء جيش التحرير الفلسطيني لتقود العمل الفدائي ضد الاحتلال، وتولت مصر عبد الناصر قيادة ذلك على أرضها: تدريبًا وتمويلاً. وبعد حرب (1967) وعلى أثر معركة الكرامة في آذار (1968) دعم عبد الناصر حركة فتح بالسلاح والمال، ونقل قيادة منظمة التحرير والقضية الفلسطينية إلى ياسر عرفات .
في تشرين الثاني (1969) تم بوساطة عبد الناصر عقد اتفاق القاهرة بين منظمة التحرير والجيش اللبناني، حيث أعطى الحق للفلسطينيين باستخدام الأراضي اللبنانية لمهاجمة الاحتلال.
جيش التحرير الفلسطيني:
كان للراحل عبد الناصر دور بارز في تشكيل جيش التحرير الفلسطيني، فقد شكل سنة (1964) على أثر مؤتمر القمة وكان يخضع للدول التي تواجد فيها، وكان أول معسكر لجيش التحرير في غزة التي كانت تخضع للسيادة المصرية، وذلك في أيار (1964). واشتركت وحدات رمزية في العرض العسكري في احتفالات عيد الثورة في (23) تموز (1964) باسم جيش فلسطين. وكانت قد فتحت مصر كلياتها ومدارسها العسكرية لتخريج ضباط متخصصين ومتمرسين في فنون القتال واستخدام الأسلحة.
وقام جيش التحرير بدور فاعل في حرب (1967) في الدفاع عن غزة وعرقلة عملية الاحتلال، وفي حرب (1974) قامت قوات عين جالوت بإمرة القيادة المصرية بمهمة الدفاع خلف منطقة العبور، وكانت دورياتها الاستطلاعية قد اكتشفت مبكراً بداية العملية الصهيونية لاختراق الدفرسوار، وأبلغت عنها وتعاملت معها قتالياً حيث صمدت في المواجهة.
العلاقة مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين :
بدأت العلاقة من خلال حركة القوميين العرب برئاسة الحكيم جورج حبش ، وذلك في مطلع الستينيات من القرن الماضي., تم الاتفاق بين الطرفين على تنظيم دورات عسكرية في "أنشاص" في مصر، وكانت تلك الدورات جيدة جداً حسب وصف الحكيم جورج حبش الذي كان مسؤول الدورة الثانية، بينما كان وديع حداد مسؤول الدورة الأولى، وقد شارك أيضاً أبو علي مصطفى بدورة ورفاق آخرين.
في نهاية (1964) انطلق العمل الفدائي لإقليم فلسطين في حركة القوميين العرب وسقط أول شهيد وهو خالد أبو عيشة في (11/12/1967)، كما استشهد كل من محمد اليماني ورفيق عساف وسعيد العبد، وتم أسر سكران سكران سنة (1966)، حيث كان النضال في إطار "شباب الثأر" التابع للحركة، وأبطال العودة جناح الحركة في منظمة التحرير الفلسطينية، وكانوا نواة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. هذه الحقائق تؤكد دور القائد جمال عبد الناصر في دعم العمل الفدائي الفلسطيني في مقاومة الاحتلال الصهيوني على أرض فلسطين ووراء العدو في كل مكان.

