شرعية التساؤل: أولًا وبادئ ذي بدء، لا بُدَّ من طرح السؤال، ولعلّه في السؤال تكمن المشكلة والإشكال؛ ذلك، أنَّه في بعض القضايا والمسائل والموضوعات، يكون طرح السؤال أهم بكثير من الجواب، ولا سيّما إذا كانت تلك القضايا:
أولًا: تقادمت عبر الزمان حتّى أصبحت كلاسيكية في طرحها، وتقليدية في طريقة أطروحاتها.
ثانيًا: إذا كانت تلك القضايا تُعنى بقضية التغيير والحركة، وبالتالي تحمل في طياتها التزامًا تاريخيًا بتغيير الواقع بشكل عام، والواقع العربي القومي بشكل خاص. وتبعًا لذلك، وارتباطًا بالعلوم الاجتماعية والسوسيولوجية في معالجة الظواهر الاجتماعية والأشياء، وقوانين الحركة والتطور، فإنَّه سيكون لزامًا علينا اعتماد المنهج التاريخي الاجتماعي الديالكتيكي في قراءتنا هذه للفكر القومي، وبالتالي للحركة القومية العربية.
حتمية المراجعة وضرورة التجديد:
لا يشكّنّ أحدٌ في أنَّ انسداد الوضع السياسي في الأقطار العربية التي استهدفها ما يسمى بـ "الربيع العربي" بسبب ممارسة سياسة الاستبداد الممنهجة، بالإضافة إلى الوضع الاجتماعي والاقتصادي المأزوم في تلك الأقطار، هي التي كانت العوامل الأساسية والرئيسية وراء تلك الاحتجاجات والانتفاضات المشروعة للجماهير العربية، ولا سيّما في تونس و مصر في بداية المشوار كنماذج للأنظمة الرئاسية الجمهورية التي سيأتي عليها الدور تباعًا، وليست الأنظمة الملكية والوراثية. تلك الجماهير التي تعالت أصوات حناجرها بقوة، متحدّية عصا البوليس وقنابل الغاز المسيّلة للدموع، وكل أدوات قمع الأجهزة الأمنية، بل تحدّت حتّى إطلاق الرصاص الحي عليها من أجل الاستماتة، والاستبسال، والتمسّك بمطالبها الشرعية والمشروعة في الشغل والحرية والكرامة الوطنية، لذلك نراها رفعت بكل يقين وإيمان، وعزيمة وإصرار، وثبات الثوار، ذلك الشعار المركزي في تونس "شغل حرية كرامة وطنية"؛ ذلك لأنَّها كانت تتطلّع في الحقيقية إلى فكِّ قيودها من الاستبداد السياسي لحكّامها الذين نصّبهم الاستعمار، في نفس الوقت الذي ستفك فيه قيودها من مستغليها. وبعبارة أخرى كانت تقود معركتها في ذات الوقت ضد رأس المال والاستعمار، التي كانت تعبّر عنها طبقة الكمبرادور وسماسرة رأس المال ومافيات الفساد. ولعلّه، سرعان ما ستنتقل تلك العدوى الثورية التونسية، إلى مصر الجناح الآخر للربيع العربي.
ولكن، بقدر ما كانت سرعة انتشار نار الانتفاضة المشروعة للجماهير العربية في مقاومة الاستبداد، والفساد، والقطع مع الاستعمار وأعوانه، خاصة في كل من تونس ومصر، جَنَاحا الربيع العربي، كان الاستعمار وطابوره الخامس أسرع في تغيير مسارات تلك الانتفاضات الثورية، ولعلّ هذا ما سيعمل عليه الاستعمار لاحقًا في كل من ليبيا وسورية خاصة.
ولكن، وعلى الرغم من محاولات الإدارة الأمريكية وحليفها الاستراتيجي العدو الصهيوني، وطاقم المعارضات الأجنبية التي ستلد في الدوحة ثم في إسطنبول، بتواطؤ من الرجعية العربية، بزعامة قطر والسعودية وتحالفها مع العثمانيين الجدد في أنقرة، في سبيل تبديل وجهة تلك الانتفاضات الثورية المشروعة عن مسارها الصحيح، إلا أنَّ ذلك لا يبرّر بالمرّة الأخطاء التي ارتكبتها الأنظمة القومية، سواءً في ليبيا أو في سوريا أو في العراق من قبل، بل وفي مصر منذ ستينيات القرن الماضي.
إنَّه لمن نافلة القول، كما يقول مالك بن نبي أنْ نقطع نحن العرب مع ثقافة القابلية للاستعمار، وبالموازاة إلى ذلك، يجب على الحكام العرب أنْ يقطعوا مع الاستبداد وثقافة التسلّط، وما أريكم إلا ما أرى بالمعنى الفرعوني الصرف. وفي سياق ما نحن بصدد الحديث عنه، أي مراجعة الفكر القومي والتجديد فيه، كان لزامًا على الأنظمة التي تدّعي أنّها تنتصر للفكر القومي، أو تنصّب نفسها على أنَّها امتداد للحركة القومية فكريًا وسياسيًا، أنْ تقبل بالتداول السلمي على الحكم منذ أمدٍ بعيد، وبالتالي كان عليها أنْ تدرّب الجماهير العربية على اختيار حكامها بملء إرادتها. وباختصار شديد، كان مطلوبٌ منها أنْ تكون أنظمة وطنية وديمقراطية في نفس الوقت.
ومن هنا، كان مطلوبٌ من تلك الأنظمة على اعتبار أنَّها أنظمة وطنية وتقدمية تحمل معها المشروع القومي التحرّري الاشتراكي الوحدوي، أنْ تستجيب لحركة الإصلاح السياسي والتغيير الديمقراطي، قبل غيرها من الأنظمة العربية اللاوطنية، بل لقد كان مطروحٌ عليها قبل غيرها باعتبارها رافعة لقضية فلسطين كقضية مركزية للأمة العربية، أنْ تتجاوز مبكّرًا الانقلابات العسكرية، بل أنْ تقطع مع الحكم العسكري، وإنْ كان مدخلًا وطنيًا وثوريًا. وما سيبيّن لاحقًا مدى حتمية ومشروعية ما ذهبنا إليه، هو تلك الذرائع السياسية الداخلية والخارجية بسبب أزمة الكويت المشبوهة، وغير المشبوهة التي ستنصبّ على البوابة الشرقية في بغداد عاصمة الرشيد، حيث كانت عين الإمبريالية العالمية والاستعمار والصهيونية على العراق كونه بدأ يمثل نموذجًا حقيقيًا في الاستقلال العلمي والتكنولوجي والصناعي.
ولعلّ أحد النقاط التي سوّقتها الإدارة الأمريكية، ومن ورائها الطابور الخامس، هي اللعب على معزوفة دكتاتورية النظام العراقي، وحقوق الإنسان في مرحلة تغول العولمة العسكرية، زمن القطبية الأحادية، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي مباشرة. وغني عن البيان، أنَّ ذلك ما كان إلا الذريعة التي ستحجب حقيقة مصلحة الإمبريالية والصهيونية، وتواطؤ عربان الخليج في التآمر على العراق، الذي كان يمثل قوة ممانعة للمشروع الإمبريالي الصهيوني والرجعية العربية، ودليلنا على ما نقول إنَّ حكام العراق الجدد كانوا الأكثر دموية ودكتاتورية وفاشية من نظام صدام حسين الوطني.
وعلى الرغم من تلك الحقائق الموجعة، إلا أنَّه كان بوسع النظام العراقي في ذلك الوقت سحب البساط وسد كل الذرائع، خاصة في ظل انفراد أمريكا بالعالم. نقول ذلك من باب حماية المشروع الوطني التحرري، الذي كان رمزه صدام حسين الشهيد وقتئذ. ولكن، وعلى الرغم من ذلك، لم تستفد الأنظمة القومية، سواءً في سورية أو في ليبيا من تلك المحن والدروس القاسية، التي كانت أحد أسبابها المباشرة هو تواصل العزف على أوتار الديمقراطية وحقوق الإنسان. ولعلّنا ما زلنا نذكر تلك الحزمة من الوعود والإصلاحات السياسية التي نادى بها، سواءً بشار الأسد في سورية، أو سيف الإسلام القذافي في ليبيا، والتي تأخرت كثيرًا، خاصة إذا علمنا بأنَّ النظامين القوميين في سورية وفي ليبيا يعلمون علم اليقين بأنّهما مستهدفان في وجودهما كأنظمة وطنية. إذن، هذا يؤكد أنَّ حتمية المراجعة والتجديد التي كانت مُلقاة على عاتق تلك القيادات، إلى أي درجة كانت ملحّة وضرورية، وذلك لسببين رئيسيين على الأقل.
أولًا: الاستجابة لمطلب ملحّ للجماهير العربيّة في حكم نفسها بنفسها ديمقراطيًا، وبكل حرية في الاختيار، بعيدًا عن الوصاية والدولة الأمنية، ودولة العسكر والمراقبة للضمير.
ثانيًا: سد الباب نهائيًا على عملاء الداخل والخارج المتربصين بالدولة وليس بالنظام في حد ذاته، ومن ورائهم طبعًا الإمبريالية والاستعمار والصهيونية.
وفي نهاية هذه الورقة، لا يسعنا إلا أنْ نطرح السؤال العملي والعملياتي: ما العمل؟ وما الذي يجب أنْ يقوم به القوميون وأنصار الحركة القومية عمومًا؟
ولعلّ أول شرط حسب رأينا، يجب أنْ يتوفر في مثل هكذا أسئلة تبحث لنفسها عن مخارج عملية، أو خارطة طريق أولية، هو بالنسبة لنا أولًا وقبل كل شيء، الوعي بأزمة الفكر القومي، وبالتالي أزمة الحركة القومية. وهذا يعني على القوميين أنْ يتمثلوا تلك الأزمة بعيدًا عن التعصب لهذا الزعيم أو لذاك، بل وبعيدًا عن جملة الاصطفافات الفئوية والحزبوية الضيقة، تلك أول خطوة في القطيعة الابستمولوجية للقوميين إذا أرادوا الخروج من الأزمة، والقطع مع البكاء والعويل على الماضي السلفي بالمعنى السياسي الدغمائي.
والشرط الثاني المتداخل والمتشابك والمتفاعل مع الأول، هو العمل على بناء نواة حركة قومية جديدة تستجيب لمتطلبات العصر الجديد، وتتسع لكل ذوي العقول النيرة من النخب الفكرية والنضالية المستنيرة التي قامت بالقطيعة مع التجربة الماضية بما لها وما عليها. تلك التجربة التي يجب أنْ تخضع للنقد والنقد المضاد حتّى يتبيّن الخيط الأبيض من الأسود؛ ذلك أنَّها تجربة مثقلة بالتقديس والتعصب والتقليد، ما جعل منها تجربة كلاسيكية حجبت عن أغلب النخب القومية الفكرية والسياسية كل محاولة مبكّرة في حركة الإصلاح والتغيير، بل في أغلب الأحيان هناك مَنْ يطالعنا بتقديس الزعيم الرمز الإله وكأنّه الرب، هذا الزعيم الرمز الإله وكأنّه لا يأتيه الباطل لا من يديه ولا من خلفه. أَلا يدعو هذا إلى القطع النهائي مع عقلية التقديس لتجربة أو لأخرى؟ أليس من واجب تلك النخب أنْ تضع تلك التجارب على السفود وعلى المحك؟ ألا يجب علينا أنْ نتعرّض لتلك التجارب بالنقد والنقد الذاتي، ولو كان مؤلمًا وموجعًا أحيانًا؟ أليست هذه سلفية جديدة؟ فهل نرفض السلفية الإسلاموية والسلفية الاستشراقية، والسلفية الليبرالية والسلفية الماركسية النصوصية، لنقبل نحن القوميون بالسلفية القومية؟

