خلال التهامةِ جوعٍ منظم، خسر طائفيو لبنان ما نسجوه من خيوط وشبكات اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية خلال سنوات طويلة تبدأ ما قبل الانتداب الفرنسي، ولم يعد اللص شخصاً "من طايفتنا" صار اسمه لصاً فقط بغض النظر عن خلفيته.
حل بلبنان وضع اقتصادي وأمني مزرٍ منذ الثمانينات، عندما خسرت قوات الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، عبر الهزيمة العسكرية التي صنعتها السياسة العربية والدولية الضاغطة عقب الاجتياح الصهيوني في العام 1982 واحتلال البلد.
خلال تاريخه الحديث- منذ الاستقلال-، ظل لبنان عرضة لتسيير شؤونه من خلال توجيهات الدول الاستعمارية الغربية ذاتها التي استقل عنها شكلياً، أو عبر وكلائها من الأنظمة العربية، وهذه الدول ومن خلفها الأنظمة بالتالي، شجعت ونمَّت النزعة العنصرية والطائفية على حساب الوطنية والقومية، ويُلاحظ أمر مثير هنا، فكلما كانت عمالة بعض الأحزاب اليمينية والطائفية للكيان الصهيوني وأميركا قوية، كانت تروج الانعزالية الطائفية بنفس سوية عمالتها، وأحياناً يُشار إلى "تفوق طائفي" ثقافي وطبقي وربما عرقي!، وهكذا تنامت شوكة الانعزالية مع تنامي حضور العدو مثل "حزب الكتائب" و" القوات اللبنانية" التي قامت بمجزرة صبرا وشاتيلا نيابة عن الإرهابي شارون. كما استكملت حركة أمل بزعامة نبيه بري الهجوم "لتنظيف المخيمات" من عناصر المقاومة المتبقين، لم يحقق الهجوم المتواصل لسنوات شيئاً، وقامت انتفاضة 1987 في فلسطين بإنهاء مشروعه واعترافه بفشله.
نشأ حزب الله عقب الاجتياح الصهيوني عام 1982، كحزب مقاوم للاحتلال متصالح مع الجميع، لا يحمل خطاباً طائفياً أو نزعة تفريقية بين اللبنانيين على الرغم من أن كافة أمنائه كانوا من رجال الدين، وحتى بالنسبة للفلسطينيين -الذين يتمتع بعلاقات جيدة معهم-.
قاوم حزب الله قوات الاحتلال بدأب وشراسة حتى دحرها، لكن الخطأ الذي ارتكبه هو عدم الوقوف علنا بوجه الطائفية ومحاربتها مباشرة، بل شارك في الحكومات على الأساس التقاسمي ذاته، لكن ما شفع له شعبيا هو وجوده على رأس سلم المقاومة المثمرة، فبقي على تميزه وتمييزه لكل هذه السنوات.
اتفاق الطائف الشهير ابتكر مصالحةً شكلية تقاسمية على أسس المحاصصة الطائفية، فكرسها وشرعها، كما شرعن الأحزاب اليمينية الطائفية العميلة المستلبة لصوت الموارنة بأدوات إقطاعية مهيمنة، وساعدها على البقاء، في حين ظلت هذه الأحزاب على ارتباطاتها الشوفينية مع الصهيونية والغرب، فكانت بارزة بين جوقة اللصوص ومدافعة عن العملاء، ومدعومة من قبل النظام الرسمي العربي حتى اليوم..!
من بديهيات التاريخ أن زعماء الطوائف والقبائل المتخلفين المستلبين يتخذون موقعاً دون الوطنية والقومية، وهم في ذات الوقت يستغلون توابعهم- رعاياهم، يسرقونهم ويضطهدونهم ويستعملونهم وقوداً في الحروب، ويهولون النزعة العدوانية ضد الشريك في الوطن- من الطائفة الأخرى-، هكذا تُحارَب المقاومة على أساس هيمنة "الشيعة"، كما أنهم كانوا ومازالوا جاهزين للتعامل والتبعية للمحتل أو المستعمر أو الغرب عموماً أو المهيمن سواءً كان خارج أو داخل حدود الوطن للاستقواء على الإطار القبلي أو الطائفي الشريك في الوطن، من هنا لا يمكن لطائفي أن يكون وطنياً أو قومياً فرصيد قوته يُستقي دائماً من المهيمن الخارجي أو من المحتل الأجنبي، وهو مستعد لتنفيذ أي برنامج لصالحه حتى لو كان ضد مؤيديه "طائفته"، في حين غير قابل للتنازل تجاه الشريك في الوطن..!
هكذا كبا جواد لبنان الذي كان قبل ذلك لسنوات طويلة خلتْ واحةَ ثقافة وفكر وحرية، وتعبير مميز ونضال اجتماعي ورُقي تعليمي وصحافة حرة وتنوع إيديولوجي وحزبي وسياسي قل نظيره.
تم بث كذبة من قبل أمراء الطوائف -الذين لم يقاوموا الاحتلال الصهيوني بل ساندوه- باعتبار الجيش السوري احتلالاً- هم ذاتهم لم يعتبروا جيش النازية الصهيونية محتلاً بل تعامل البعض معه-، وتم تحميل الجيش السوري كل المصائب، من الفقر إلى الخلل الأمني إلى.. حتى حُشدت الجموع عقب اغتيال الرئيس الحريري في 2005، وخرج على إثرها الجيش السوري، وسرعان ما بات حال بسطاء اللبنانيين اقتصادياً أكثر سوءاً.
ازدادت شهوة أمراء الطوائف - في لبنان لديهم اسم آخر – اللصوص- فنهشوا لحم الفقراء من أبناء طوائفهم ذاتها، مما أدى إلى في النهاية ومع تراكم السنوات إلى ما نشهده حالياً.
الوضع الحالي يتلخص بما يلي، تراجع مخيف في القدرة الشرائية للمواطن، غلاء، تزايد عال في ثراء "اللصوص" -لصوص الطوائف طبعاً- وتهريبهم المستمر للأموال المنهوبة إلى الخارج- الغرب-، تدني مستوي التعليم، شح الوظائف، سوء الخدمات الصحية حيث أنك ومنذ سنوات، يكاد لا يمر يوم لا تسمع فيه بمريض توفي على باب أحد المشافى بسبب عدم قدرته على تغطية المصاريف، وهيمنت البنوك التي تستعبد المواطن، باختصار صار اللبناني يلهث يومياً نحو لقمة عيشه وهو يرى بأم عينه فحش الثراء في كتلة أمراء الطوائف الذين هيمنوا بالتالي على البنوك ومفاتيح الاقتصاد كافة، كما ساهم انكشاف وعود الحكومات التخديرية في تفجر الأوضاع.
عبر التاريخ وفي الحالات الشبيهة، لم يصل الأمر إلى هذا الحد في بلد لديه شعب حي خارج البدائية إلا وثار، وهكذا ثار اللبنانيون مكتشفين أن أمراء الطوائف كلهم واحد بأشكال ومفردات مختلفة.
هكذا انطلقت الانتفاضة اللبنانية على التجويع، بصوت واحد حضاري متنوع حالم بالتغيير الشامل وبرمي الطائفية في سلة القمامة كضرورة لتحقيق المواطنة.
من الطبيعي أن تتدخل قوى خارجية لدعم أصابعها في لبنان، المتاح دائماً لذلك، ومن الطبيعي أن يندس عملاء في صفوف الثورة، لكن المستحيل هو أن يكون الشعب الذي خرج بصوت واحد قد تلقى أموالاً من العدو، ماد تلقاه اللبناني هو الطعنات من بني جلدته ومنذ سنوات طويلة فصرخ بصوت واحد صرخته المدوية.

