Menu
أوريدو

جرعات صفقة القرن

حاتم استانبولي

لا لصفقة القرن

قرار واشنطن حول "اعتبار المستوطنات في الضفة الغربية لا تخالف القانون الدولي" يُشرّع الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، أي يُسقِط صفة الاحتلال عنه. مكمن خطورة هذا القرار، هو أنّه يأتي من الراعي لاتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو، هذا الراعي الذي قبلت به السلطة الفلسطينية وأعطته الشرعية والمرجعية المتفق عليها من قبل فرق التفاوض الفلسطينية والإسرائيلية.

الإدارة الأمريكية تُمرّر صفقة القرن على شكل جرعاتٍ؛ كل جرعة تحمل عنوان؛ جرعة يهودية الدولة وجرعة القدس عاصمة لها وجرعة ضم الجولان وجرعة قانونية المستوطنات، والجرعة حملت طابع تهويد الضفة الغربية بالكامل وبالجوهر يعني فتح الباب أمام تهويد غور الأردن وما يعنيه بالبعد الإستراتيجي .

القرار الأمريكي هدية لنتنياهو من أجل استثماره في الجولة الثالثة من الانتخابات، والقرار وضَعَ الجميع- أوروبيين وحكام عرب- أمام واقع يرفضونه لفظيًا، ولكنهم سيتعاطون معه واقعيًا.

تهويد الضفة يعني أنّ الفلسطينيين سيعانون من سياسة عدوانية جديدة، ستطال وجودهم وسيوضعون أمام خيارات مصيرية صعبة.

القرار الأمريكي وردّة فعل نتنياهو، الذي يتحدث عن تصحيح ظلمٍ تاريخيٍّ، يعبر عن جوهر الموقف الصهيوني الذي استثمر في عملية السلام المشبوهة وأنتج واقعًا سلطويًّا فلسطينيًا وعربيًا رسميًا، متوافق على تسهيل مهمة تمرير جرعات صفقة القرن هذه الصفقة التي بدأت في واشنطن منذ أن وقّع السادات كامب ديفيد ولحقه ياسر عرفات وأبو مازن بتوقيع اتفاق أوسلو، وتبعهم الملك حسين بالإيعاز لوفده بتوقيع وادي عربة. وثلاثتُهم وصفوا الاتفاقات بذات العبارة؛ "سلام الشجعان".

هذه الشجاعة التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه، وما زالت الجرعات الباقية هي الأخطر؛ إذ ستلاحق قضية اللاجئين وقوننة التطبيع من خلال إدخاله بالمنظومة الثقافية العامة، وسيلاحَق كل من يتجرأ على مناصبة العداء للصهيونية وإسرائيل.

من الواضح أن قرار واشنطن كشف السلطة الفلسطينية ووضع الأردن أمام خيارات مستقبلية صعبة؛ من على أرضية أن شعار حل الدولتين سيبقى مرفوعًا، لكن حيّزهم المكاني أصبح عليه علامة استفهام كبيرة .

القرار في الجوهر موجه إلى الأردن وفلسطين، من على أرضية الفهم الإسرائيلي والأمريكي لحل الدولتين، وإطارهما المكاني.

جوهر صفقة القرن تم الإعلان عنه بالقرارات الثلاث: يهودية الدولة وعاصمتها القدس وحيزها المكاني يشمل كامل الضفة الغربية، التي شرعت للاستيطان الصهيوني بدعم واضح ومعلن من قبل الإدارة الأمريكية التي ستواجه أية محاولات دولية لتقويض قراراتها.

الإدارة الأمريكية تعيد إلى الذاكرة الدورَ الاستعماريّ البريطاني في معاهدة سايكس بيكو ووعد بلفور، إضافة إلى صك الانتداب، الذي وكّل بريطانيا بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وهو ما تحول إلى دولة، عبر الزمن والدعم الاستعماري المتناوب بين بريطانيا وفرنسا ثم الولايات المتحدة .

ثلاثية هذا الاستعمار هيّأت الظروف الدولية والإقليمية والمحلية لهذه اللحظة التي وصفها نتنياهو بالتاريخية.

القضية الفلسطينية تشهد ذات الظروف التي نشأت ما بعد النكبة، أي إعادة الإلغاء والإلحاق، ولكنها الآن ستحمل عنوان التصفية وقوننتها إقليميًا ودوليًا .

عندما وافقت الأمم المتحدة على أن تستلم إسرائيل اللجنة القانونية، هي في الجوهر وافقت على عدوانيتها الاستعمارية الإحلالية الاستيطانية .

هذه السلطة ومفاوضوها هم آخر من يتكلم عن القانون الدولي وخروق إسرائيل له؛ كونهم وافقوا على أن تجري المفاوضات والاتفاقيات من خارج منظومة القانون الدولي وهيئاته، وقبلوا أن تكون واشنطن هي الراعي والقاضي وخيمة مفاوضاتهم.

على السلطة الفلسطينية أن تعيد الاعتبار إلى القضية الفلسطينية على أنها قضية وطنية تحررية، ويكفيها تلاعب بالعبارات والألفاظ المضلِّلة. هي المسؤولة عن الحالة الفلسطينية الراهنة بكل أبعادها، وهي التي أعطت مبرراتٍ للقرارات الأمريكية والعربية الداعمة للقرارات الأمريكية؛ بصمتها السلبي.

القرار الأمريكي سيشجع البعض على التعاطي مع غزة على أنها المكان للدولة الإسلامية الفلسطينية.

وطنية الوحدة وإعلان الانسحاب من اتفاقية أوسلو، واعتبار أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الإطار القانوني والمرجعي للشعب الفلسطيني بعد إعادة بنائها وتخليصها من ممثلي التفاوض المقدس، هي الرد الحاسم على الجرعات الأمريكية الصهيونية.

بعد كل هذه السنوات عليهم أن يعترفوا بفشل مشروعهم ورؤيتهم؛ أوسلو السياسية والاقتصادية والاجتماعية باتت قوة معيقة للنضال الوطني الفلسطيني وأدواته، رحيلهم أصبح ضرورة وطنية.