عبّرت الهجمة الوحشية التي شنّتها عصابات المستوطنين على المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة عما مثلته الحركة الاستيطانية منذ بدايات المشروع الصهيوني، إذ تركز هذا المشروع على فكرة الاستيلاء على الأرض وطرد سكانها، وإحلال العنصر الاستيطاني بدلًا عنهم.
بعد أكثر من قرن على بداية المشروع الصهيوني، لا زال الاستيطان هو الركن الوطيد في صلب العقيدة الصهيونية، وكذلك الأداة الرئيسية في إنفاذ إستراتيجيات التوسع والضم والهيمنة الصهيونية، وهو ما جاءت قرارات وتوجهات إدارة دونالد ترامب دعمًا له، وواكبته وجهت الحكومة الصهيونية والكنيست نحو ضم الأغوار الفلسطينية المحتلة، وواكبته جرائم المستوطنين على الأرض، فكل هذه الجرائم ترتبط بذات الهدف؛ إنهاء وجود الشعب الفلسطيني في ارضه.
على غرار سابقه، فإن هذا النص ليس مساحة لبث الشكوى من إجرامية المشروع الصهيوني وداعميه، ولكن انشغاله أكبر بإمكانيات العمل الفلسطيني لمنع هذا الهدف، بل وإثارة الأسئلة حول إمكانيات العمل الفلسطيني لضرب المشروع الاستيطاني وبالحد الأدنى ردعه بشكل يؤدي إلى نتائج ملموسة.
خلال سنوات انتفاضة الحجارة وانتفاضة الأقصى، كما خلال ثورة العام ١٩٣٦، انكفأ التوسع الاستيطاني بشكل ملموس، والأهم أن قدرة المستوطن على التحول إلى قوة استطلاع مليشيوية مسلحة، تفيد المنظومة الأمنية والعسكرية الصهيونية شهدت انهيارًا واضحًت، فتحول المستوطنون على امتداد الكيان إلى عبء كبير على كاهل المنظومة الأمنية والعسكرية الصهيونية، وفي الضفة الغربية المحتلة كان تحركهم على الطرق الرئيسية أو الالتفافية هو مخاطرة كبيرة، رغم التكاليف الهائلة أمنيًا التي تكبدها الاحتلال في توفير الحراسة لهم، ناهيك عن عدم أمانهم داخل المستوطنات التي صممت خصيصًا لإبقائهم معزولين عن أي تهديد، وآمنين داخل حدودها المحروسة عسكريًا وأمنيًا.
وفر الفعل الشعبي المقاوم، رغم بساطة أدواته خلال فترات المد الثوري الفلسطيني، ردعًا ممتازًا لجموع المستوطنين، وتهديدًا لمجمل دور الفعل الاستيطاني ضمن المشروع الصهيوني، وأسس الفدائي الفلسطيني المبادر، لعقيدة مقاومة فعالة في مواجهة المشروع الصهيوني، تصيب مقتله، وهو فكرة الإحلال السكاني بالقوة المسلحة، فلم يعد الفلسطيني وحده من يشعر بالتهديد فيهجر أرضه ويغادر بلده، بل باتت التجمعات الفلسطينية على امتداد فلسطين منتجة للفعل المقاوم، تبادل الفعل بالفعل، ومحاولات الترهيب بالردع الشعبي والمسلح.
في مقارنة غير لطيفة، منذ العام ٢٠٠٧، والاتجاه الواضح لدى القيادة الفلسطينية، لإنهاء الفعل الفلسطيني المسلح في الضفة الغربية، ومنع أي مجال لعودته، باتت عصابات المستوطنين لا تكتفي بالاستيلاء على الأراضي الفلسطينية الزراعية أو النائية، ولم تعد رؤوس التلال كافية لهذه العصابات، بل ولم تعد حماية الجيش الصهيوني شرطًا للقيام بالعدوان والاستباحة للقرى والتجمعات الفلسطينية، إذ أن العصابات الاستيطانية تحولت إلى مليشيا مسلحة ومدربة تشن الهجمات وتقطع الطرق وتروع الفلسطينيين. باختصار لقد عادت عجلة المشروع الصهيوني للدوران ملتهمة أرضنا وملامح بقائنا وصمودنا.
يقال أن التاريخ هو درس دائم نابض بالحياة للشعوب، وأبسط الظن أن علينا أن نتعلم من تاريخنا، فلا يمكن مواجهة الاستيطان المسلح والمؤدلج عنصريًا بالانبطاح أمامه، وبخيارات التجرد من السلاح ومن الفعل المقاوم بكافة أشكاله، خصوصًا أن شعبنا عرف مراحل مختلفة ردع فيها الزحف الاستيطاني بالحجارة تارة وبالسلاح تارة، و بالكمائن الشعبية البطولية في حالات أخرى.
شعبنا قادر على ردع الاستيطان، وإرباك جموع المستوطنين على امتداد التراب الفلسطيني، إذا ما توفرت لقواه السياسية الإرادة الكافية والاستعداد لفتح هذه المواجهة مجددًا، وتذكير العالم بمعاني الفعل الفلسطيني.

