Menu

العرب وإفريقيا: رؤية للمستقبل

موديبو دانيون

(تنشر بوابة الهدف مواد الملف الخاص  الذي تناولته مجلة الهدف في عددها الأخير الثامن رقميًا (1482) بالتسلسل التاريخي، بعنوان: إفريقيا والعرب والكيان الصهيوني).

ليست العلاقات الإفريقيّة العربيّة حديثة، إذ تفيد الدراسات التاريخية بكونها نشيطة منذ العصر الجاهلي، حيث تميّزت "بالعمق والتنوع والثراء؛ وشكلت منظومة متداخلة على نحوٍ مأثور في التطور التاريخي للعلاقات الدولية؛ تجلت في محطات مهمة، وفي مواقف عدة وشخوص كثر؛ بداية بالمشتركات الوثنية؛ ثم بالانتشار المتبادل للمسيحية واليهودية، ومع مجيء الإسلام بنيت علاقات دولية راقية؛ عبرت عن الاحترام والتسامح والعمق الإنساني العظيم للحضارة العربية"[1]. وكان التبادل التجاريّ قائما بين الطرفين عبر القوافل التجاريّة، رغم المعوّقات الجغرافيّة مثل الصّحراء القاحلة، حيث كان التجار العرب يحملون الأقمشة والسكر والتبغ والسلاح والعطور لتبديلها بالرياش والجلود والتبر والعاج والقطن والأدوية التقليديّة الإفريقيّة والعبيد،[2] . وقد كان الطرفان يستفيدان من هذه التجارة الصحراويّة  التّي كانت مصدر نشاط في مدن المنطقة مثل ولاتا وتمبكتو  وغاوو وجيني وأدخلت ثقافة الكتابة في المنطقة[3].

وقد تعزّزت العلاقات بفضل العنصر الثقافي، متمثّلًا في الدين الإسلاميّ، الذي أسهم في  الهجرات المتبادلة بين الضفتين، حين أوغل العرب المسلمون شرقًا من مصر والسودان وغربًا من دول المغرب العربي نحو العمق الإفريقيّ (إفريقيا جنوب الصحراء). فكان انتشار الإسلام ومعه الثقافة العربية رابطًا متينًا بين الشعبين ثقافيًا واجتماعيًا، وترتّب عن ذلك تكوين ذاكرة تاريخية مشتركة بين العرب والأفارقة قوامها الثقافة والاقتصاد. غير أنّ القوى الاستعاريّة الغربيّة نجحت لاحقًا في خلق الهوة بين العالمين العربي والإفريقيّ، بأن نعت العرب بتجار العبيد الذّين أسّسوا العبوديّة في إفريقيا وطوّروها وقنّنوها. لكنّ استقلال الدّول في النصف الثاني من القرن العشرين قد بشّر بعودة المياه إلى مجاريها. تبشير لم يكتمل. إذ التبادل بين الدول الإفريقية والوطن العربي ظلّ محتشما إلى الوقت الراهن ويميل إلى مزيد التقلّص.

يستفيد من هذا الوضع بعض الأطراف غير الودّيّة، التّي تسعى إلى التأثير في العلاقات العربيّة الإفريقيّة وجعلها عدائيّة مطلقة، الأمر الذّي يقتضي فهم الواقع وبناء رؤية استشرافيّة تسهم في تفعيل الجذور المشتركة بين المنطقتين العربيّة والإفريقية، لتفادي القطيعة. ولذا تنطلق هذه المقالة من تقديم مشهد عامّ حول واقع العلاقات الإفريقيّة العربيّة سلبًا وإيجابًا، مع التركيز على المحطّات الكبرى، لتصل إلى عرض خطّة استراتيجيّة لضمان استمراريّة التّواصل والتعاون بين الطّرفين من أجل المقاومة المصيريّة.

Ι- واقع العلاقات الإفريقيّة العربيّة:

إنّ العلاقة بين العرب والأفارقة بعد الحقبة الاستعماريّة تتراوح بين الحرارة والبرودة تبعًا للأوضاع والزعماء. والحديث عن واقع هذه العلاقة يمكن تناوله في مرحلتين: القوميّة وما بعد القوميّة. لا نسعى وراء هذا التصنيف إلى الاختزال بقدر ما نهدف به إلى التوضيح، لأنّ الأمر أعمق وأدقّ بكثير من مجرّد التصنيف، إذا عرفنا أنّ العلاقة بين العرب والأفارقة علاقات تتأسّس على المصالح قبل الانتماء العرقيّ، فنجد على سبيل المثال علاقات ثنائيّة بين بلد عربيّ وآخر غير عربيّ أكثر متانة ممّا تربطه ببني جلدته أو من تلك التّي تبرم بين المجموعات الإقليميّة أو المنظّمات الدوليّة... ولعلّ مجلس التعاون لدول الخليج العربية أقرب مثال على ذلك. مجلسٌ تأسّس في 25 مايو1981 ويضم كلاً من الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والمملكة العربية السعودية، وسلطنة عمان، و قطر والكويت. فرغم أنّ نظامه الأساسي ينصّ على تحقيق التكامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء لتحقيق الوحدة، ورغم التشابه في الهياكل الإنتاجية، وتقارب مراحل النمو الاقتصادي، وارتفاع معدلات الدخول الفردية، واعتمادها على النفط كمصدر أساسي لإيرادات الدولة بالإضافة إلى العقيدة واللغة والتاريخ المشترك، إلا أن هذه العوامل لم تسهم بالقدر المطلوب في تحقيق التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي. فالقول بالقوميّة وقتها لا يعني الانغلاق والارتداد إلى الذّات ونفي الآخر أو تهميشه بقدر ما يدلّ على السّعي نحو تكوين الدول المستقلّة ذات السيادة، والتّحرّر من ربق الاستعمار. وعليه فإنّ متصوّر القوميّة بما هو مرحلة علائقيّة يحمل دلالة التأسيس والاستقلال، استقلال الدّول العربيّة والإفريقيّة وما صحب ذلك من مقاومة ضدّ الاستعمار الغربيّ والاحتلال الصهيوني. أمّا المقصود بما بعد القوميّة فعهد التفكّك والتشتّت والتنازل عمّا أسّسته المرحلة الأولى.

Ι-1. مرحلة القوميّة:

إنّ مرحلة القوميّة فكر وأصالة قبل أن يكون زمنًا تاريخيًّا، ولذا يشارك فيها كلّ من حمل أو يحمل فكر المقاومة والحفاظ على المكتسبات والسيادة الوطنيّة بعيدًا عن التمييز والعنصريّة... سواء كان ممّن عاش عهد المقاومة من أجل الاستقلال أو يعيش في فترة الاستعمار الجديد الراهن. ويستوي في ذلك أن يكون المعني فردًا ومؤسّسة من العالم الإفريقيّ أو العربيّ. ولا نخطئ إن قلنا إنّ العلاقة العربيّة الإفريقيّة ازدهرت مع "القوميّين"، ودور الناصريّة وما تلته من جهود المملكة العربيّة السعوديّة، منذ حكم الملك فيصل قد أثمر، وخاصّة بعد المصالحة بين جمال عبر الناصر زعيم العروبة الثوريّة التّي أنشأت جامعة الدول العربيّة والملك السعوديّ مؤسّس رابطة العالم الإسلاميّ التي أصبحت منظّمة المؤتمر الإسلاميّ في قمّة رباط 1969 بحضور رؤساء دول إفريقيّة[4]، متزامنا مع مؤتمر القمة الإفريقي السابع عام1969م، حيث أدرجت القضية الفلسطينية للمرة الأولى في جدول أعمال  كبندٍ قائمٍ بذاته "كما كانت إحدى نتائج حرب تشرين الأول/أكتوبر عام 1973م عودة الدول الإفريقية إلى التقارب مع العرب؛ وتأييدها للحق العربي وتجلى ذلك بقيام أغلبية الدول الإفريقية بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، وتأييد منظمة الوحدة الإفريقية للحق العربي، وربط حركة التحرير الفلسطينية بحركات التحرر الإفريقية"[5].

إنّ قطع الدولة الإفريقية عام 1972 علاقاتها مع إسرائيل في قمّة رباط، بعد فشل وفد الوساطة بين مصر وإسرائيل المتكوّن من أربعة رؤساء الدّول الإفريقيّة (ل. س. سنغور، موبوتو س. س، أحمد أيجو ويعقوب غوون) استجابةٌ لموقف موحّد مع الدول العربية تجاه إسرائيل.. موقف امتزج فيه العامل الدينيّ والالتزام بالقرارات الإقليميّة لدى البعض. ولذا في ردّه على المسؤولين الإسرائيليّين الغاضبين من استقبال غابون الزعيم الفلسطينيّ ياسر عرفات قال عمر بنغو: "تبعًا لقرار منظّمة الوحدة الإفريقيّة سنة 1975 علّقنا علاقتنا مع إسرائيل... أحترم كثيرًا جدّي هوفويت بواني Houphouët-Boignie، وأفعل كلّ ما يطلب منّي... أمّا ما يتعلّق بإسرائيل فإنّني لا أستطيع فعل شيء. أنا عضو في منظّمة المؤتمر الإسلاميّ وبالتالي لا يمكن أن أكون أنا مسلمًا وأعترف بإسرائيل فأتخلّى عن ديني"[6].    

لقد ترتّب عن هذا القطع جسور التعاون المشترك بين الدول العربية وعديد الدول الإفريقيّة على مستويات مختلفة ونشأ من جراء ذلك صناديق مالية لدعم البلدان الإفريقيّة. لكن، لمّا كان توجّه التقارب بين العالمين غير إجماع لدى المانحين العرب، لتفضيل بعضهم صرف الأموال على الإخوان العرب بدل إسرافها على الأفارقة السّود "المتخلّفين"، تفضيلَهم التعامل مع القوى المؤثّرة بدل الدّول الحديثة الضعيفة لم ينل رواجا. وخاصّة بعد عهد زعماء الاستقلال مثل جمال عبد الناصر، فتراجعت المواقف الداعمة للقضايا الإفريقيّة، وفترت المواقف تجاه القضيّة العربيّة الجوهريّة: القضيّة الفلسطينيّة. وكان قرار منظمة الوحدة الأفريقية عام 1978 بطلب عدم التدخل العربي في نزاعات القرن الإفريقي من جهة، واتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية سنة 1982 - التّي أثّرت سلبًا في عضوية مصر في منظمة الوحدة الإفريقية وفي اللجنة الدائمة للتعاون العربي الإفريقي- وراء تدهور العلاقات. الوضع الذّي استغلّته إسرائيل لصالحها لتحل محلّ الدول العربية في القارة الإفريقية على المستوى التجاري والاقتصادي والعسكري، فتزايدت صادراتها إلى إفريقيا وتزايدت وارداتها منها ومارست نشاطًا في حوالي 22 دولة إفريقية في ميادين إنشاء المشروعات المشتركة والتدريب العسكري والمعونة الفنية. وتمكنت إسرائيل من إعادة العلاقات الدبلوماسية مع الكوت ديفوار وكاميرون (1980) وزائير (الكونغو الديمقراطية حاليًا) عام 1982 وليبيريا وأفريقيا الوسطى عام 1983 والتوغو (1987) [7]. إذ شكّ مسؤولون أفارقة في حسن نوايا زملائهم العرب، الذين طبّعوا علاقاتهم بالكيان الصهيونيّ.

أصبحت العلاقات بين الطّرفين أقرب إلى القطيعة منه إلى التّواصل لولا الجهود الخاصّة التّي بذلها الزعيم الليبيّ المرحوم معمّر القذافي من أجل التقارب مع الشعوب الإفريقيّة، التّي دعمته أيام الحظر المفروض عليه مقابل تخلّي إخوانه العرب عنه أيام العسر. تحوّل القذافي أكبر داعم عربيّ لإفريقيا جنوب الصّحراء، وعلى يده أنشئ الاتّحاد الإفريقيّ على رماد منظّمة الوحدة الإفريقيّة، وأخذ يخطّط لصياغة عملة إفريقيّة موحّدة. وهو بذلك أحيا الناصريّة، ممّا يفسّر انعقاد المؤتمر الثاني للقمّة العربيّة الإفريقيّة في ليبيا – سرت عام 2010 بعد 36 عامًا على المؤتمر الأول في القاهرة عام 1977، وكانت قد تأسّست هذه القمّة لتوطيد العلاقات العربيّة الإفريقيّة. قمّة أقيم مؤتمرها الثالث في الكويت سنة 2013 تحت عنوان «شركاء في التنمية والاستثمار»، بمشاركة 55 دولة إفريقية وحضور 65 زعيمًا عربيًا وإفريقيًا في المؤتمر لبناء شراكة استراتيجية واقتصادية عربية وإفريقية مع التركيز على الجوانب الاقتصادية والتنموية والاستثمارية بعيدًا عن القضايا السياسية. في جوّ شابه كثير من الشّكوك في إمكانيّة التقارب الحقيقيّ بين العرب والأفارقة، حين رفض الاتّحاد الإفريقيّ التّدخّل الغربيّ في ليبيا فأعطت جامعة الدّول العربيّة الضّوء الأخضر لهذا التّدخّل، الذّي أدّى إلى مقتل الزعيم الليبيّ وما أعقب ذلك من دمار وفوضى، لا في ليبيا فحسب وإنّما في بلدان عربيّة وإفريقيّة أخرى أيضًا. في مقتل القذافي يرى كثيرون نهاية العلاقات العربيّة الإفريقيّة التّي أسّسها القوميّون العرب والأفارقة. ويؤكّد ذلك فشل القمّة الإفريقيّة العربيّة في مؤتمرها الرابع، المنعقد في غينيا الاستوائيّة، بسبب الخلافات بين بعض الدّول العربيّة، وعليه يمكن الحديث عن مرحلة ما بعد القوميّة.        

Ι-2. مرحلة ما بعد القوميّة:

مثل مرحلة القوميّة لا تعني مرحلة ما بعد القوميّة تصنيفًا تاريخيًّا بحتًا؛ إذ المقصود منها فكر لا يؤمن بمشروع جماعيّ قدر إيمانه بـ"أنا أوّلًا" أو "وطني قبل كلّ شيء"، سواء كان صاحبه عاش في الحقبة الذهبيّة للعلاقات الإفريقيّة العربيّة أو بعدها. دون تسمية زعماء أو بلدان بعينها لحسّاسة المقام، نقول إنّ حملة هذا الفكر وراء فشل المشاريع الاتّحاديّة في إفريقيا والعالم العربيّ. فهم على سبيل المثال كانوا ولا يزالون أقرب إلى المستعمِر (القولون) منه إلى المستعمَر، وعليهم يعتمد الأعداء لتدمير العلاقات بين العالمين باسم البرغماتيّة الذّكيّة: "أخطأْ رأسي واضربْ". وهم موالو الغرب "pro-occcidentaux" على حساب المصالح الإقليميّة، ومستعدّون للتطبيع مع أعداء المجموعة وإن كانوا صهاينة أو جلاّدي التمييز العنصريّ (apartheid)، شعارهم "عدوّ عدوّي صديقي"؛ بسببهم تصنّف البلدان العربيّة إلى مقاومة من جهة وحلفاء الغرب من جهة أخرى. وعلى الصّعيد الإفريقيّ يسهل تحديدهم عبر الدعوة إلى التريّث في مشروع الاتّحاد الإفريقيّ ومدى قوّة العلاقات الثنائيّة مع القوى الاستعماريّة والكيان الصهيوني واحتضان القواعد العسكريّة الأجنبيّة، وهم يشكّلون بوابة التدخّل الأجنبيّ وانشقاق الحصن الجماعيّ.

بصعود مرحلة ما بعد القوميّة أصبحت العلاقات العربيّة الإفريقيّة تصطدم بقضايا ذات أبعاد سلبيّة تدميريّة، ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى كون "التعاون العربي الإفريقي لم يستند في معظمه إلى أيديولوجية محددة أو فكر نابع من فلسفات الجانبين؛ وتطلعاتهما نحو المستقبل؛ بل ظل معلقًا في هواء المزاج السياسي للنظم الحاكمة عربيًا أو إفريقيًا، وهو مزاج في كليهما متقلب لا قرار له، ولا شك أن غياب رؤية محددة تحكم آفاق التعاون، وغياب أي مشروع حقيقي له جعله دومًا هشًا ولينًا في مواجهة التحديات"[8]. يضاف إلى ذلك الأسباب التالية:

  • غياب التشجيع السياسي للاستثمار العربيّ في إفريقيا أو تعطّله.
  • تحريك النزاعات التاريخيّة مثل قضيّة الصحراء الكبرى.
  • بقاء التفكير في العلاقات العربية الإفريقية، تفكيرًا فوقيًا، لا تشارك فيه الشعوب ولا الأحزاب أو منظمات المجتمع المدني.
  • غلبة طابع المبادرة الفردية لهذا النظام أو ذاك على السياسات العربية في إفريقيا، وعدم تحوّلها إلى إرادة جماعية حقيقية لدى الدول العربية بمختلف مكوناتها وتعدد أنظمتها السياسية.
  • اعتماد الدول العربية الخليجيّة على سياسة "بروباغندا": ضخّ الأموال دون استراتيجيات أو برامج.
  • غياب الاهتمام بإعداد أطر علمية إفريقية تواكب احتياجات هذه البلدان، وتسمح لأبنائها الدارسين في الدول العربية بتولي مناصب فاعلة ومؤثرة في بلدانهم التي يشغلها خريجو المدارس الغربية وجامعاتها.

كلّ هذا جعل دور العمق الإفريقي في إعادة بناء النظام الإقليميّ ضئيلًا، وإسهامه في تطوير الشّراكة مع المنطقة العربيّة ضعيفًا، بل أصبح لوجوده تهديد ظاهر على هذه المنطقة، وذلك لأمور عدّة لعلّ أهمّها الصّراع على المياه ووجود القوى الأجنبيّة على الحدود.

Ι-2-1. الصّراع على المياه الإفريقيّة:

إنّ مياه عرب إفريقيا (مصر والسودان والصومال وموريتانيا) تنبع أساسًا من دول إفريقية. فمياه مصر والسودان الحيويّة والاستراتيجية (النيل) تأتي من كينيا وأوغندا ورواندا وإثيوبيا. وبناء سدّ النهضة الإثيوبيّ ينظر إليه في مصر على أنّه تهديد مباشر وورقة ضغط، وقد تعاظم هذا الإحساس بمساعي المملكة العربيّة السعوديّة نحو التقارب مع أديس أبابا بعد نشوب النزاع بينها وبين القاهرة نهاية 2016؛ الأمر الذّي تعتبره مصر مساعي ابتزازيّة من حكام المملكة.

أمّا مياه جنوب الصومال فتنبع من نهري إشبيلي وجوبا من هضبة أوغادين بإثيوبيا، وهو شأن جنوب موريتانيا الذي يشرب من نهر السنغال الذي ينبع من غينيا ويمرّ بمالي فبالحدود الموريتانيّة السنغاليّة. تعدّ السنغال هذا النهر ملكها الخاصّ فيما تراه موريتانيا ملكًا ثنائيًا بين الطرفين، وقد أثر ذلك في علاقاتهما؛ فتوتّرت خلال العامين 1973م و 1989م، ممّا حال دون إنجاز المشاريع التنمويّة الحقيقيّة «مشروع حوض السنغال» الذي كان من المنتظر أن تستفيد منه مالي إلى جانب موريتانيا والسنغال، الدّولتين اللتين كانتا على حافّة حرب مسلّحة مجدّدًا عام 1999م، لا بسبب المياه فحسب وإنّما لانتشار القبائل الزنجية ذات التداخل العرقي مع السنغال داخل الأرض الموريتانية.

 Ι-2-2. التشابك العرقيّ:

لئن كانت التعدّديّة العرقيّة مصدر ثراء ثقافيّ واجتماعيّ فإنّ سوء التعامل معها قد تهدّد وجود الدّول؛ لأنّ الدّولة لا تبنى إلاّ على أنقاض القبليّة، ولذا قد يعتبر التداخل العرقيّ بين الدول الإفريقيّة والعربيّة من عوامل التهديد. ففي موريتانيا توجد قبائل زنجية موريتانية ذات امتدادات عرقية مع نظيراتها داخل السنغال ومالي. كما تنتشر قبائل «الطوارق» على طول الحدود الجزائرية – الليبية مع مالي والنيجر، وقبائل «الزغاوة» بين تشاد والسودان، والقبائل «النيلية» بين السودان وكلٍّ من إثيوبيا وأوغندا على جانبي الحدود... فتحقيق الأمن والاستقرار بعيد المنال ما لم يتمّ  ضبط حركة هذه القبائل؛ لأنّها بوابة التدخّل الخارجيّ والاختراق الأمنيّ. وقد تبيّن أنّ فرنسا وإسرائيل تلعبان كثيرًا على هذا الوتر الحساس، وهو حال كلّ من النزاع الليبي – التشادي حول قطاع «أوزو» ونزاعات إقليم «إيلمي» بين كينيا والسودان, وإقليم «إنفدي» بين كينيا والصومال، وإقليم «أوغادين» بين إثيوبيا والصومال، والنزاع السوداني - الإثيوبي – الإريتري، والنزاع الإريتري - اليمني حول الجزر الثلاث في البحر الأحمر... وغنيّ عن البيان أنّ وجود فرنسا (السنغال والجابون وتشاد وكوت ديفوار) والولايات المتحدة (السنغال وأوغندا وإفريقيا الوسطى) ومعها إسرائيل في عمق إفريقيا مخاطر على الأمن القومي العربي، وهو ما يثير الحساسية والريبة لدى الطرف العربي من نيات بعض الدول الإفريقية؛ لأنّ هذه الأطراف تشجّع الأقليات وتتحالف مع الدول والجماعات الإثنية والدينية المعادية للعرب لفتح ثغرة في خطوط الأمن القومي والمائي العربيين، تحت أغطية مساعدة الدول الإفريقية في ميادين الاستخبارات والتدريبات العسكرية والمساعدات الفنية والتقنية.

إنّ هذا الاختراق الأجنبي في القارة الإفريقية نتيجة سوء تقدير الأفارقة بما قد تؤدّي إليه من إعادة الهيمنة على ثرواتها؛ لأنّ كلّ خطواتها الاستراتيجيّة تظلّ مكشوفة لدى المتنافسين على خيراتها خاصّة الأمريكيّين الأوروبيّين، وعليه ينبغي أخذ العبر ممّا حصل مع حركة التحرر بجنوب السودان، حركة دعمها إثيوبيا وأوغندا وإريتريا وكينيا وإسرائيل والولايات المتّحدة الأمريكيّة... وعند التوقيع على «اتفاق مشاكوس للسلام» بكينيا في 20 يوليو 2002م بين الحركة وحكومة الخرطوم، تمّ إقصاء العرب، وينطبق الشيء نفسه على الوضع الداخلي المعقد في الصومال، نتيجة ضعف الحكومة المركزية في مقديشيو، منذ عام 1991م، إثر سقوط نظام الرئيس محمد سياد بري، وما ترتّب عن ذلك من فتح باب التدخّلات الخارجية (كينيا وإثيوبيا والولايات المتحدة...)، وكلّ هذه الحقائق التاريخيّة تفرض على الأفارقة والعرب التعامل معًا للحفاظ على الأمن القومي العربي والإفريقيّ.

على كلّ، إنّ العلاقات العربيّة الإفريقيّة عرفت عصرها الذّهبيّ سياسيًّا واقتصاديًّا في السبعينيات من القرن العشرين، عهد الصناديق والبنوك العربية التي كانت معززة للعلاقات بين الجانبين، والتي توجت خلال امتداد تلك العلاقات بالعديد من انعقاد اللقاءات من خلال المنظمات العربية.. أمّا في الثمانينيات، فقد تقلّصت العلاقات، لكن، رغم كلّ ذلك ثمّة فرص لإعادتها بشكل أكبر من خلال الدعم السياسي الذي من شأنه دفع عجلة التعاون إلى مجالات وشراكات مختلفة؛ لكون العلاقة العربية الإفريقية تشكل وجهة استثمار للمنظومة العربية، ووسيلة لصدّ النفوذ الأمريكي، الذي هيأ لإسرائيل نفوذًا في القرن الإفريقي فطفقت تهدّد الأمن العربي في هذا الجزء الحيوي الهام بالنسبة للدول العربية والدول الإفريقية على حد سواء. فما الخطّة الاستراتيجيّة لتحسين العلاقات العربيّة الإفريقيّة؟

ΙΙ- الخطّة الاستراتيجيّة للعلاقات الإفريقيّة العربيّة

في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية الراهنة يصعب التنبّؤ بمستقبل العلاقات العربيّة الإفريقيّة في ظلّ الانقسام العربيّ القائم، ومع ذلك فإنّ ثمّة مرتكزات يمكن اعتمادها لتحسين هذه العلاقات. منها ما هو جيوسياسيّ ومنها الاقتصاديّ والأمنيّ.

ΙΙ-1: المرتكز الجيوسياسيّ:

كون إفريقيا تتوسّط قارات العالم القديم، وتتّصل بالبحر الأحمر والخليج العربي، في مساحة تكتسح 30 مليون كلم² ، أي ما يعادل 20 % من مساحة الأرض، وتحتوي على 54 دولة بسكان يناهز مليار نسمة، يجعل منها منطقة استراتيجيّة هامّة، شأنها شأن الوطن العربيّ الذّي يقع بين قارات ثلاث، ممسكًا بأهمّ المضائق البحرية والممرات المائية بسواحل تبلغ 12000 كلم، ممّا يخوّلها فرض نفسها على التجارة العالمية.. ومعنى ذلك، أن موقع الضفتين، يساعد على تأسيس عمل مشترك، وفتح معابر، من وإلى قارات العالم… كما أنّ شمال إفريقيا وغرب الوطن العربي يؤثران في أمن البحر الأبيض المتوسّط وخطوطه التجارية (مضيق جبل طارق)، بالإضافة إلى تأثيره على المداخل الشمالية من قناة السويس، بما يجعله محددًا لأمن البحر الأحمر وخطوطه التجارية.. وبالتّالي فإنّ الأمن العربي والأمن الإفريقي يشكلان مظلّة أمنية واحدة للقرن الإفريقي، بفضل موقع الصومال وجيبوتي المطلّة سواحلهما على البحر الأحمر وخليج عدن، وللبحيرات الكبرى في افريقيا الوسطى بفضل الموقع الجغرافي للسودان ودول المغرب العربي.

إنّ لهذا الموقع الجيو سياسيّ الهامّ فرصًا ينبغي تثمينها وتثبيتها رغم وجود التهديدات؛ الأمر الذّي يتطلّب تعزيز التمثيل الدبلوماسي والقنصلي، وتأسيس حوار استراتيجي عربي – إفريقي على رؤى مستحدثة تبعًا للتحديات القائمة، إذ تم تجاوز المرحلة التي قام فيها هذا الحوار على أساس المقايضة والمنافع السياسية المتبادلة مثل التأييد العربي لحركات التحرر الإفريقي في مقابل التأييد الإفريقي للمواقف العربية في مواجهة إسرائيل. فالمرحلة الجديدة تؤسس على شراكة عربية إفريقية حقيقية، قوامها المصالح الاستراتيجية المشتركة والقضايا ذات الحساسية، بالتعاون مع الجاليات العربية المقيمة في إفريقيا, والجاليات الإفريقيّة في الوطن العربيّ، إضافة إلى المنظمات المهنية والشعبية غير الرسمية. ودور المنظمات الدولية والإقليمية العاملة في إطار العلاقات العربية الإفريقية كبير، والتي يمكن توظيفها من أجل تعزيز التعاون العربي الإفريقي خدمة للمصالح الاستراتيجية والاقتصادية المشتركة للطرفين، ومن ذلك على سبيل المثال مؤسسات «الأفروعربية», وهي تضم الآليات التي أنشأها مؤتمر القمة العربي الإفريقي منذ مارس 1977م، والتي تضم في إطارها كل الدول العربية وكل الدول الإفريقية الأخرى، إضافة إلى جامعة الدول العربية التي تضم عشرة دول عربية – إفريقية، ومنها الاتحاد الإفريقي والسوق المشتركة لدول شرق إفريقيا وجنوبها (الكوميسا)، التي أنشئت عام 1994م.

ΙΙ-2: المرتكز الاقتصاديّ:

تشير الدراسات إلى أنّ "القارة الإفريقية، في السنين الأخيرة، بفعل عدد من العوامل السياسية (مسلسل الانفتاح الدﻳﻤقراطي وظهور طبقة متوسطة جديدة) والاقتصادية (تحسن أسعار المواد الأولية وتحسن مناخ الأعمال)، تعرف ﻧﻤوًا اقتصاديًا قويًا جعلها في قلب المعترك الاقتصادي الدولي وأرضية للتسابق بين  الدول الأوربية وأمريكا والصين[9]". وإذا عرفنا أنّ بعض سكان الوطن العربي يعانون من الفقر والبطالة وأنّ عديد البلدان الإفريقيّة مصنّفة دوليًّا أقلّ نموًّا في العالم، فإنّ التعاون الإفريقي العربي يعدّ سندًا متينًا لتحسين الأوضاع.. بحيث تحتاج إفريقيا بوصفها مخزونًا زراعيًا هائلًا، إلى النفط، المادّة الأساسية لصناعة الأسمدة، وتطوير الزراعات وتحسين الإنتاج وزيادة المحاصيل وتوفير الغذاء لدول القارة وشعوبها.

وإذا سلّمنا بما تثبته الدراسات الاقتصاديّة من أنّ الاحتياطيّ من النفط الإفريقي قليل مقارنة بالنفط العربي، فإنّ الالتقاء بين العالم العربي وإفريقيا من شأنه ضمان الأمن الغذائي للقارة بأسرها.. وإذا أدركنا أنّ إفريقيا تمتلك 4 آلاف كلم³ من مصادر المياه العذبة أي ما يعادل 10% من مصادر المياه في العالم، وأنّ دول الجوار العربي تسيطر على منابع المياه داخل الحدود العربية بنسبة 60 % (أثيوبيا وغينيا والسنغال وكينيا وأوغندا...) فإنّ ذلك يقيم الدّليل على أنّ التعاون العربيّ الإفريقيّ مثمر بلا شكّ. وإذا أضفنا إلى ذلك، أن إسرائيل التي تراهن على منابع المياه استراتيجيًا، وتعتبر أن إفريقيا، ساحة من ساحات إدارة الصراع مع العالم العربي، نكون أدركنا الحاجة إلى التعاون بين العرب والأفارقة، لصدّ الطريق أمام إسرائيل، وغيرها من القوى التّي تسعى إلى استغلال المواد الأوليّة الإفريقيّة.

استنادًا إلى ما ذكرنا، تدعو الضرورة إلى التعاون الاستراتيجي بين العرب والأفارقة، كما تدعو العالم العربي وإفريقيا، إلى توخي سياسة التكامل في علاقاتهما، لأن ما يحتاج إليه كل طرف، متوفر لدى الطرف الثاني. وغنيّ عن البيان أنّ "تنسيق السياسات الاقتصادية فيما بين الدول المتكاملة شرط ضروريّ لزيادة المبادلات داخل المنطقة التكاملية، وخاصة فيما يتعلق بالتنسيق بين السياسات الجمركية، والتجارية والنقدية والضريبية، ولا يتطلب هذا التنسيق بالضرورة توحيد السياسات، بقدر ما يتطلب تنسيقها بالشكل الذي يؤدي إلى تحقيق تنمية اقتصادية إقليمية متوازنة. كما أن حرية انتقال السلع بين مختلف الدول التي تنظم في تكامل اقتصادي لا تكفي لضمان تنسيق السياسات الاقتصادية، فلا بد من توفر جميع الشروط التي تسمح للمنتج بالعمل والمنافسة في ظروف طبيعية وهذا التنسيق ينبغي أن يتناول شؤون التعريفة الجمركية، والسياسة التجارية تجاه الدول الواقعة خارج المنطقة، وشؤون الأوضاع الاجتماعية وسياسة الاستثمار، ولا بد من مفاوضات طويلة يتطلبها تنسيق التشريعات والسياسات الاقتصادية، ووضع أجهزة متخصصة ومؤسسات تتمتع بالصلاحيات المطلوبة لمتابعة هذا العمل على ضوء التغييرات التي تطرأ على السياسات الاقتصادية ومقتضيات الظروف الاقتصادية"[10]. ولهذا كلّه ينبغي العمل لوضع صيغ عربية  إفريقية في المجال الاقتصادي من خلال:

  • إنشاء مشاريع اقتصادية مشتركة تعمّق الصلة الحقيقية بين العرب والأفارقة ليحل محل أسلوب المنح والهبات المالية ذات الطابع التقليدي.
  • الشراكة الاستراتيجية في مجالات الإنتاج والتجارة استيرادًا وتصديرًا, على مستوى المنتجات الكاملة ونصف المصنعة.
  • إقامة مناطق نقدية إقليمية أو دون إقليمية ذات استقلالية نسبية عن مراكز السيطرة النقدية الدولية, سواء الدولار فى الوطن العربي أو الفرنك الفرنسي في الدول الإفريقية، ويمكن تعزيز هذا الاتجاه من خلال مناطق التجارة الحرة, مثل الكوميسا في الشرق والجنوب الإفريقي, ومنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى (18 دولة).
  • تعزيز المؤسسات المالية القائمة، مثل بنك التنمية الإفريقي, والمصرف العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقيا, والصندوق العربي لتقديم القروض لإفريقيا, لتمويل مشروعات التنمية, ودعم النشاط المصرفي العربي في إفريقيا، سواء في مجال القروض الاستثمارية المباشرة أو عن طريق القيام بمشروعات مشتركة.
  • دعم المصارف العربية ذات الطبيعة الفنية، وهي المصارف التي تقوم بتقديم الخبرة التقنية إلى القارة الإفريقية, مثل «صندوق المساعدة الفنية لإفريقيا».
  • محاولة صياغة استراتيجيات للتكامل الإنتاجي والزراعي والصناعي والعلمي والتكنولوجي, وهو ما يؤدي إلى تغيير الموقع العربي والإفريقي في النظام الاقتصادي العالمي.
  • بحث إمكانية إنشاء منطقة تجارة تفضيلية, ومعارض تجارية إفريقية عربية, لزيادة شبكة التفاعلات الاقتصادية العربية الإفريقية، وتشجيع نشاط القطاع الخاص العربي في الدول الإفريقية والعكس بالعكس.
  • زيادة عدد المقبولين من الطلبة الأفارقة في الجامعات والمعاهد والدورات الدراسية في العالم العربي، وفتح معاهد ومراكز عربية لتدريب الطلاب والشباب الأفارقة في الميادين الفنية المختلفة, وهو ما ينمّي لديهم العديد من المهارات, ويساعد على اكتشاف الكفايات، علاوة على إيفاد الخبراء والفنيين إلى الدول الإفريقية للعمل والتدريب, أو التدريس في المؤسسات التعليمية والمهنية والفنية المختلفة.
  • دعم النشاط الثقافيّ والبحثيّ ومؤسسات التدريب والتأهيل الحرفي والمهني.

ΙΙ-3: المرتكز الأمنيّ:

إنّ صعود الإسلام السياسيّ في العالم العربيّ وما رافق ذلك من انتشار التنظيمات الإرهابيّة (القاعدة، داعش...)، قد دفع البعض إلى القول إنّ العرب أنشأوا الإرهاب المرتبط بالتّطرّف الدينيّ، من أجل الهيمنة ثقافيًّا واقتصاديًّا، وهذا الاتّهام يضعهم موضع الاتهام الأمنيّ. الاتّهام الذّي يتطلّب من العرب التنصّل منه فعليًّا من أجل التنسيق الأمنيّ مع الأفارقة وحماية المصالح في ميدان يكثر فيه اللاعبون في ظلّ التنافس الدولي الأميركي والصيني والروسي والأوروبيّ، ومن ثمّ يكون التكامل الاستراتيجي المحتمل، عاملًا رئيسيًا في الحدّ من أطماع هذه القوى العالميّة. ولذا لا بدّ من العمل على وضع تصوّرات مشتركة عن الأمن في أرجاء القارة الإفريقية، بالنّظر إلى التّهديدات الداخليّة والخارجيّة التي هي مشتركة أيضًا بين العرب والمنطقة الإفريقية.

الخاتمة

نظرًا لما يربط العرب بالأفارقة من علاقات تاريخيّة عريقة، تدعو الضّرورة اليوم إلى عمل مشترك لإحياء التاريخ بوسائل مستحدثة. ولم لا وقد بات واضحًا أنّ مجالات التعاون بين الطّرفين كثيرة؟! إنّها كثيرة ومفيدة إلى درجة أنّه لم يعد مسموحًا للجانبين الاستمرار في حالة الارتخاء التي يعاني منها كل شطر إزاء الآخر.

رغم الإشكاليات القائمة بين العرب والأفارقة لا ينبغي الاستسلام لنظرة تشاؤمية تغلّب الصراع على التعاون. صحيح أنّ الجوار الجغرافي في حدّ ذاته منتج صراع بحكم روح المنافسة والتسابق، غير أنّ ذلك لا ينبغي أن يكون عامل تخريب وتدمير، إذ ما من جوار إلاّ وفيه أوجه تعاون يمكن الاستفادة منها للبناء وتحقيق التعاون المشترك... بالاعتماد على القيم والمصالح المشتركة، وتعزيز فرص الحوار واللقاء والتشاور بما يحقق المنفعة المشتركة ويضمن الأمن والاستقرار، وفي هذا الصّدد ما يكسب بالحوار والدبلوماسيّة أنجع وأريح ممّا يترتّب عن الحروب التّي تبقى جروحها لأمد بعيد.

إذا سلّمنا بذلك وجب الدخول في مرحلة جديدة تؤسَّس على شراكة عربية إفريقية حقيقية قوامها مصالح استراتيجية مشتركة، فعلى العرب والأفارقة مهمة تطوير فرص التعاون والعمل المشترك، وإزالة كل المعوقات التي تعرقل قيام حوار بناء بينهما، فتراجع العلاقات العربية الإفريقية في مرحلة ما بعد القوميّة غير ملائم لطبيعة المتغيرات العربية والإفريقية والدولية الراهنة. إذ العولمة وما تفرضه اليوم من تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية بل وأمنيّة أيضًا تقتضي وضع استراتيجيات جديدة للتعاون. في غياب هذا التعاون، يقع الاستسلام لأمر واقع، ألا وهو هيمنة القوى العالميّة بما فيها الصّين والولايات المتّحدة الأمريكيّة ومعها إسرائيل وكذلك أوروبا.

إن إفريقيا – والحقّ يقال - امتداد وعمق استراتيجي حيوي للعرب، اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا، لما تملكه من طاقات وثروات طبيعية قابلة للاستثمار والتنمية المشتركة، وبالتّالي فإنّ الوطن العربيّ المستقلّ في قراراته عن السياسات الغربيّة بديل استراتيجيّ لإفريقيا، وعليه إذا كانت هذه القارة سندًا للمنطقة العربيّة قديما فإنّها يمكن أن تكون اليوم شريكة رئيسيّة له في نضاله من أجل البقاء والاستقلال؛ وذلك ضمن الخطّة الاستراتيجيّة الإفريقيّة الهادفة إلى تعزيز العلاقة جنوب – جنوب، بما هي شراكة متعدّدة الأبعاد تشمل مجالات التجارة والتمويل والاستثمار وتبادل المعارف والخبرات الفنيّة... شراكة مهّدت لها منظّمة عدم الانحياز منذ الخمسينيات من القرن العشرين، للحدّ من الهيمنة الخارجيّة[11].     

 

[1] - د. جاسم محمد زكريا، أزمة العلاقات الدولية في المنظومة العربية الإفريقية إشكالية الدولة أم تناقضات التنظيم الدولي؟ ضمن مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونيةالمجلد 31 - العدد الأول- 2015، ص166.

[2] - Emmanuel Grégoire, Jean Schmitz, Afrique noire et monde arabe: continuités et ruptures Cahiers des sciences humaines Nouvelle série numéro 16, p:7.

[3] - Abdul Aziz Jalloh, Les politiques des États d'Afrique noire vis-à-vis du monde arabe :aperçu général. In « Les relations historiques et socioculturelles entre l'Afrique et le monde arabe de 1935 à nos jours ». (Documents de travail et compte rendu des débats du colloque tenu à Paris du 25 au 27 juillet 1979). Publié en 1984 par l'Organisation des Nations Unies pour l'éducation, la science et la culture. 7, place de Fontenoy, 75700 Paris, Imprimerie des Presses Universitaires de France. P:14.

.

[4] -A. GRESH, L’Arabie saoudite en Afrique non arabe :puissance islamique ou relais de l‘occident ? in Politique africaine (N° 10 Juin 1983). pp: 55-74.

[5] - د. جاسم محمد زكريا، أزمة العلاقات الدولية في المنظومة العربية الإفريقية إشكالية الدولة أم تناقضات التنظيم الدولي؟ ص171.

[6] - Léon César Codo, L’Afrique noire et Israël: inversion d‘une dynamique diplomatique, Politique africaine (N° 30 Juin 1988) p :50

[7] - Jeune Afrique, 1310, 12 fëvrier 1986

 

[8] - د. جاسم محمد زكريا، أزمة العلاقات الدولية في المنظومة العربية الإفريقية إشكالية الدولة أم تناقضات التنظيم الدولي؟ 184.

[9] - مجلة المالية لوزارة الاقتصاد والمالية / (المغرب). العدد 28 - أغشت، ص3.

[10] - مقروس كمال، دور المشروعات المشتركة في تحقيق التكامل الاقتصاديّ: دراسة مقارنة بين التجربة الأوروبيّة والتجربة المغاربيّة. مذكّرة مقدّمة ضمن متطلّبات نيل شهادة الماجستير في العلوم الاقتصاديّة (تخصّص: الاقتاد الدوليّ). إشراف: أ.د. عماري عمار. نوقشت في 31/12/2013، بجامعة فرحات عبّاس (الجزائر)، ص13.

[11] - أنظر:

LE DÉVELOPPEMENT ÉCONOMIQUE EN AFRIQUE. Le RAPPORT 2010 des Nations Unies, La coopération Sud-Sud: l’Afrique et les nouvelles formes de partenariat pour le développement, p: 1.