اللّغةُ وعاء العلمِ والأدب والمعرفة بشتى فروعها، وهي على المستوى القومي فكر الأمة وروحها وهويتها السياسة، تحمل تراثها الفكري والحضاري، وبها تُعبّر الأمة عن نفسها ومكنون أفكارها ومشاعرها.
واللّغة العربيّة تواجه اليوم تحديًا حضاريًا خطيرًا، ولم تكن على موضع أزمة حقيقية كما هي الآن؛ بسبب وجود اللهجات المحلية وتفشّي الأمية الثقافية ووجود لغة أخرى أو أكثر كالإنجليزية والفرنسية، ينقاد لها بعض المثقفين والكتاب العرب، يصوغون بها أفكارهم وتجربتهم الأدبية من واقع الانبهار الحضاري. كل ذلك يؤكد على وجود مشكلة لغوية خطيرة في نطاق التعبير الأدبي والتعبير القولي، في وقت تكثر فيه الدعوات عن إحلال اللهجات العربية المحلية أو اللغات الأجنبية محل الفصحى أو كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية، كما حصل في تركيا في عهد كمال أتاتورك عند قيام النظام الجمهوري على أنقاض دولة الخلافة العثمانية.
ما سبق يجري الحديث فيه ومنذ فترة طويلة بدعوى اتهام اللغة العربية بالعجز والتقصير، وعدم القدرة على استيعاب مضامين العصر الحديث العلمية والفكرية، وهكذا فالدفاع عن اللغة العربية هو الآن ضرورة قومية نضالية، وهو دفاع عن هوية الأمة العربية الحضارية وعن الإرث التاريخي الثقافي الذي أنتجته الحضارة العربية الإسلامية في فترة نهضتها والتي تزامنت مع عصر التخلف في الغرب، بسبب نظام العبودية والإقطاع وهيمنة سلطة الكنيسة على حرية الرأي وحركة الابداع.
على المؤسسات التعليمية والثقافية أن تقوم برسالتها في الدفاع عن اللغة العربية وحمايتها من هذه الدعوات المشبوهة، التي تنطلق من أعداء وحدة الأمة ممن أفرزتهم حالة التجزئة السياسية العربية الممنهجة، وممن تأثروا بمدارس فكر الاستشراق والاغتراب الحضاري، وذلك بالعمل على تشجيع الكتابة باللغة العربية الفصحى في كل نواحي الحياة، خاصة في مراحل التعليم المختلفة وفي المواقع الإلكترونية وعلى صفحات التواصل الاجتماعي في "فيسبوك"، حيث تكثر كتابة أسماء الاشخاص باللغة الإنجليزية، وهو مظهر لا يدل على درجة ثقافة أو المرتبة العلمية لأصحابها بقدر ما يدل في الواقع على تفشي ظاهرة الانبهار الحضاري والاستلاب الثقافي لحضارة الغرب البرجوازية والاستعمارية الوافدة.
والسؤال: متى يرتقي شبابنا ومثقفونا ونخبنا السياسية وجميع مؤسسات مجتمعنا المدني العربي إلى مستوى التحديات التي تواجه لغتنا العربية الجميلة فنجعل منها لغة الحياة ولغة العلم والثقافة معًا؟

