(تنشر بوابة الهدف مواد الملف الخاص الذي تناولته مجلة الهدف في عددها الأخير التاسع رقميًا (1483) بالتسلسل التاريخي، بعنوان: الذكرى 52 لانطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ).
رغم تسارع الأحداث والتطورات السلبية المخيبة للآمال على امتداد المشهد الفلسطيني على مدى العام 2019، ورغم صفقة القرن التصفوية، والقرارات والإجراءات الحربية والتهويدية الصهيونية، ورغم حالة الانقسام الفلسطيني-الفلسطيني، إلا إننا نوثق ونثبت ونحن نودع العام 2019، وندخل العام الجديد 2020، بأن الطموحات والآمال والأحلام الوطنية التحررية الاستقلالية والإنسانية الفلسطينية كبيرة واسعة وراسخة ومشروعة ومستمرة.. فكل أبناء الشعب العربي الفلسطيني، هناك على امتداد خريطة الوطن الفلسطيني المغتصب والمهود، يتطلعون إلى أن يستيقظوا صباح ذات يوم ليروا الوطن الفلسطيني بلا احتلال، وبلا قوات غزو، وبلا مستعمرات، وبلا اجتياحات وتجريفات واغتيالات واعتقالات ومجازر دموية، وبلا مصادرات وأطواق وحواجز حربية تنكيلية وعقوبات جماعية تحوّل حياتهم إلى جحيم يومي لا يطاق، وكذلك بلا جدران عنصرية تهويدية تحوّل مدنهم وقراهم إلى معسكرات اعتقال كبيرة وصغيرة...!
ولكن... مع بالغ الأسف فإنه ليس من المنتظر إطلاقًا أن يحمل لنا معه العام الجديد 2020، معجزة كبيرة أو أسطورية تقلب الحالة والأوضاع الفلسطينية رأسًا على عقب، فنحن في زمن لا يعرف المعجزات الأسطورية إلا بقدر ما تصنعها الأمم والشعوب، وبقدر ما تجتمع وتتضافر الظروف والمعادلات الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية لصنعها.
فما يجري في فلسطين جزء لا يتجزأ مما يجري في المنطقة العربية وفي الإقليم كله، وهو نتاج طبيعي لها بشكل عام وللأوضاع العربية بشكل خاص جدًا، فلو كانت الأحوال العربية على غير ما هي عليه منذ أكثر من نصف قرن من الزمن، ولو كانت لدى الأمة والدول والأنظمة والقيادات العربية إرادة سياسية وسيادية وخيارات تحررية حقيقية، على نمط تلك التي كان يتمتع بها الراحل الخالد جمال عبد الناصر، لما حصل ما حصل في فلسطين والعراق وسوريا واليمن و ليبيا ...الخ.
ولذلك نقول إن العام الجديد يولد فلسطينيًا من رحم العام المنصرم... وهذا العام المنصرم كان مليئًا بكل أشكال الجرائم الصهيونية المفتوحة على مدار الساعة، وكان مليئًا من جهة ثانية بالهبات والانتفاضات والمواجهات والتضحيات الفلسطينية، بقدر ما كان مليئًا بالملاحم البطولية الصمودية الأسطورية الفلسطينية، لكنه كان من جهة أخرى عامًا بائسًا رديئًا مُحبِطًا مخجلًا عربيًا، في الوقت الذي كان فيه عامًا سيئًا جدًا للمجتمع الدولي وللمواثيق والقوانين والقيم الدولية والإنسانية. فالعناوين الأساسية الصارخة للعام المنصرم فلسطينيًا كانت:
أولًا/ الاستباحة الشاملة: حيث واصلت دولة الاحتلال سياسة التدمير الشامل للمجتمع المدني والأمني الفلسطيني على حد سواء من تجريف واقتلاع ونسف وهدم وحرق.. الخ.
ثانيًا/ واصلت تلك الدولة أيضًا اقتراف المجازر الدموية وحرب الاغتيالات والقتل اليومي والإعدامات اليومية للشباب والصبايا بالبث الحي والمباشر (كما حدث في رفح ونابلس وجنين وطولكرم وغزة).
ثالثًا/ كما طغى تماما إرهاب الدولة الإسرائيلية بجيشها ومستعمريها ضد أطفال ونساء وشيوخ وشبان فلسطين بغية هزيمة إرادتهم وكسر معنوياتهم وإخضاعهم للشروط والاملاءات السياسية والأمنية والتطبيعية الإسرائيلية.
وفي هذا السياق الإرهابي الجرائمي الصهيوني وثق تقرير سنوي فلسطيني أكثر من 32 ألف انتهاك للاحتلال الإسرائيلي بحق المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية و القدس المحتلتين، خلال عام 2018 فقط.
وعن ارهاب المستوطنين اليهود في القدس والضفة كشف المراسل الإسرائيلي عاموس هرئيل- في هآرتس النقاب عن "أن قفزة هائلة في جرائم الإرهاب الصهيوني ضد الفلسطينيين بارتفاع 300%" وأنه "في العام 2018 سجل ارتفاع كبير في عدد حوادث العنف في الضفة الغربية. وتبين من معطيات غير نهائية جمعت حتى منتصف كانون الأول /2018، أنه في السنة الماضية سجل 482 حادثة كهذه – ارتفاع بمعدل ثلاثة أضعاف مقارنة مع العام 2017، الذي سجلت فيه 140 حادثة. العنف من جانب المستوطنين ونشطاء اليمين يشمل ضرب الفلسطينيين؛ رشق الحجارة، وبالأساس رش كتابات "تدفيع الثمن"، تخريب في البيوت والسيارات وقطع الأشجار في أراضي بملكية الفلسطينيين.
وفي القدس أيضًا أظهر تقرير إحصائي صدر عن الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات ومنظمة التعاون الإسلامي الثلاثاء: 11/12/2019: أن الحفريات التي تجرى تحت القدس منذ عام 1967 قد بلغت 104 حفريات، منها 22 فاعلة، و4 تحت وحول الأقصى، و5 في سلوان، و5 في البلدة القديمة، و8 مواقع مترفقة، و57 حفرية ونفقًا تخترق المسجد الأقصى. ورصد تقرير الهيئة في مدينة القدس 29 مستوطنة، منها 15 في الجزء الشرقي والباقي في الغربي، وأظهر أن هناك 43 مستوطنة على 46 ألف دونم تهدف إلى تغيير طبيعة القدس من خلال الحفريات والتهويدات الجارية على قدم وساق، ويحيط بالأقصى الآن 105 كنس يهودية، علمًا أن عدد المساجد في القدس 107 منها 43 في البلدة القديمة، و95 كنيسة.
رابعًا/ وكأن الشعب الفلسطيني عمليًا بين فكي الإرهاب الدموي الاحتلالي الإسرائيلي المنفلت وبين حالة الفرجة والصمت العربي من جهة، والتواطؤ الدولي والأمريكي على نحو خاص من جهة ثانية، ولكنه أيضًا بين فكي الانقسام الفلسطيني-الفلسطيني المخجل والمرعب.
خامسًا/ غير أن الشعب الفلسطيني نجح برغم كل معطيات هذا المشهد المرعب في التصدي والصمود وتسطير ملاحم أسطورية.
سادسًا/ ما توج في الحصيلة بمسيرات العودة ونهوض الضفة مما شكل نقطة تحول في المشهد.
سابعًا/ ويمكن الحديث أيضًا عن مرحلة جديدة في الكفاح الشعبي العربي الفلسطيني، وفي الوعي الجمعي العربي، وعودة البوصلة من جديد للقدس والقضية الفلسطينية.
أما عربيًا، فقد تميزت الحالة والأوضاع العربية بـ:
أولًا/ الأمة العربية من محيطها إلى خليجها كانت تئن تحت حالة من التفكك والضعف والاستخذاء وفقدان الإرادة والبوصلة، لدرجة أن رامزي كلارك أحد أبرز الشخصيات الداعية للسلام واحترام حقوق الإنسان في أمريكا والعالم كان قال فيها: (إذا كانت هناك إدارة أمريكية طاغية فالعيب إذن في قدرة المطالبة والوقوف في وجهها. وأنا بصراحة لا يحزنني إلا الموقف العربي الصامت تجاه كل قضاياه التي يسميها قضايا مصيرية لإثبات الوجود والذات.. وحتى اللحظة لا يوجد موقف عربي موحد تجاه القضية الفلسطينية، فليس من المعقول أن يخرج مليونا مواطن أمريكي - مثلًا - للشارع في مظاهرات عارمة وتقوم الشرطة بضربهم وتصيبهم اصابات بالغة والعرب جالسون في بيوتهم يتفرجون علينا.. وأنا ما زلت أطالب حتى اللحظة الشعوب العربية بإثبات موقفها وذاتها؛ فإما أن تفرض نفسها أو أن تتفرج ولا تأتي لتبحث عن سلام في عالم يمتلئ بالطغاة والجبارين). تصوروا... أن كلارك يتحدث هنا بالعربي أكثر من العرب!
ثانيًا/ وقد تجلت الحالة العربية الرديئة بالحروب العربية بالوكالة التي شنت وما تزال ضد سوريا واليمن... فأصبحت الحالة والأوضاع العربية بائسة متردية عجيبة ينسحب عليها ما كان الجواهري قد وصف به الأمة قائلًا:
"ورأى المستعمرون فرائسًا منا
يبرون أنيابًا له ومخالبا.."
فهل ننتظر في ضوء معطيات العام المنصرم يا ترى أجندة سياسية فلسطينية/عربية جديدة مختلفة ...؟ أم إننا سنواجه استمرارًا للسياسات الأمريكية والصهيونية الإرهابية الإجرامية في فلسطين والمنطقة؟! وهذا هو المؤكد.
يضاف إليها استحقاقات فلسطينية وعربية وإسلامية وأممية ملحة وعاجلة في أعقاب وعد واعتراف ترامب البلفوري ب"منح القدس-وبالتالي فلسطين- عاصمة أبدية لإسرائيل، على طريق وعد بلفور المشؤوم الذي أعطى ما لا يملك-فلسطين- لمن لا يستحق"...!.

