(تنشر بوابة الهدف مواد الملف الخاص الذي تناولته مجلة الهدف في عددها الأخير التاسع رقميًا (1483) بالتسلسل التاريخي، بعنوان: الذكرى 52 لانطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ).
ذات يوم قال نائب رئيس بلدية القدس الاحتلالي السابق أبراهام كهيلا: «إن الأوساط الدولية بما فيها البعض في الولايات المتحدة تخطئ أحياناً إذ تعترف بالجزء الشرقي من المدينة بأنه أرض عربية، لكن الحقيقة هي أن الوضع قد تغير جذرياً منذ حرب الأيام الستة، إن على كل من يبحث في مستقبل القدس أن يأخذ ذلك في الاعتبار».
والآن وبعد أكثر من عقد على حكم اليمين بزعامة بنيامبن نتنياهو في السلطة مع عصابته المتطرفة، فإنه من المناسب التذكير بأن هؤلاء لا يعترفون بوجوب إقامة دولة فلسطينية ويعتبرون (القدس) موضوعاً خارج النقاش باعتبارها (العاصمة الأبدية للشعب اليهودي).
وفي الواقع إن السلطات المحتلة لا تأتي بجديد، في موضوع القدس، بالعودة إلى ما كتبه تيودور هرتزل ذات يوم: "إذا قدر لنا يوماً أن نملك القدس وأنا على قيد الحياة، وكنت قادراً على أن أفعل شيئاً فسوف أدمر كل ما هو غير مقدس عند اليهود فيها"، والحكومة الصهيونية تنفذ اليوم بالضبط ما قاله هرتزل منذ مائة عام أو أكثر.
طبعاً يعود هذا التركيز إلى كون القدس كانت وما تزال وستبقى تتبوأ مكانة إستراتيجية في إطار القضية الفلسطينية، حيث يتجاوز الصراع عليها فكرة الأرض المجردة ذهاباً في العمق إلى الدين والأيديولوجية والميثولوجية، وكأنها تلخص أن الصراع حولها، هو صراع على الوجود بحد ذاته.
ربما بسبب هذه المكانة التصعيبية، تم دائماً التهرب من مناقشتها فتم تأجيلها إلى مفاوضات الوضع النهائي حسب إعلان المبادئ في أيلول 1993 (هذه المفاوضات التي لن تصل أبداً - بالإضافة إلى مجموعة أخرى من القضايا المستعصية مثل المستوطنات واللاجئين والحدود والمياه– إلى نهاية محمودة).
والقدس، تعيش مأزقاً متجدداً، وسعياً صهيونياً مستمراً لتكريسها، ليس كمدينة مخطوفة فحسب، بل كمدينة مأخوذة، مستولى عليها نهائياً وإلى الأبد، عبر هجوم مخطط له على مدى طويل، وغير مسبوق لتهويدها، وطرد سكانها، وتزييف هويتها، والاستيلاء على ما تبقى من عروبتها، وإسلاميتها ومسيحيتها معاً، تحت شعارات أيدلوجية وسياسية وأمنية، لا يكل المحتلون من تردادها، والمرادف لها حرفياً هو تهويد المدينة الذي يتم عبر التزييف والاغتصاب ومحو الجذور الأصلية لمدينة صمدت آلاف السنين. وكأن حكومة الاحتلال تطبق في القدس مقولة الوزير النازي الشهير (غوبلز): «اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الجميع» وإسرائيل تكذب بأفعال على الأرض راسمة ومرسخة أمراً واقعاً جديداً في القدس يجعل من الصعب استعادة ما ضاع منها، بل ومن الصعب الحديث عنها على ضوء التغييرات الجذرية في بنيتها جغرافياً وديمغرافياً وآثارياً..
بالعودة إلى مقولة هرتزل، يمكن رصد الفكرة الصهيونية المؤسسة لكون المدينة هدفاً استيطانياً مركزياً عند الحركة الصهيونية منذ المرحلة الأولى للتفكير الصهيوني الإمبريالي بفلسطين، كمركز استيطان ووطن لليهود، وقد أخذت عملية الاستيطان والاستهداف شكل التسلل بدوافع أمنية واقتصادية وسياسية أثناء الحكم العثماني، ليشكل هذا التسلل مرتكزاً للغزوة الصهيونية برعاية الاحتلال البريطاني الذي قدم للوجود اليهودي تسهيلات مبرمجة هيأت لقيام الكيان الصهيوني.
[ تجدر الإشارة إلى أن ملكية اليهود للأراضي في المدينة القديمة قبل عام 1948 لم تتجاوز الحي اليهودي (بل المنازل السكنية في الحي اليهودي) الذي لا تتعدي مساحته خمسة دونمات، وأما خارج البلدة فلم يحصل المستوطنون اليهود سوى على الأرض المقام عليها مستشفى «هداسا»، و«مجمع الجامعة العبرية» على جبل المشارف وكلاهما لا يتجاوزان معاً المائة دونم إضافة إلى مستوطنتي «عطروت»، و «نفي - يعقوب» بمساحة 500 دونم و489 دونماً على التوالي].
وبعد حرب 1967، واحتلال ما تبقى من فلسطين [إضافة إلى سيناء والجولان وأراض أردنية ولبنانية] دشن حزب العمل برنامجه الاستيطاني باعتباره الحزب الحاكم وكان السؤال الرئيس المطروح هو نفسه الآن: ليس هل تقام مستوطنات أم لا، وإنما أين تقام؟!
وإن كانت الدوائر الاستعمارية الصهيونية لا تغفل أهمية القدس العسكرية والجغرافية والاقتصادية ومكانتها الدينية، إلا أننا يجب أن نشير أيضا أنه لا يمكن تجاهل أن آباء الحركة الصهيونية لم يكن يشغلهم بشكل محدد موضوع القدس، وإنما شكل هذا الموضوع إحدى وسائل الجذب والتعبئة تجاه الدولة والكيان القومي بشكل خاص. وهذا ما بدا جلياً من أقوال وايزمن رئيس المؤتمر الصهيوني حول القدس حين أشار إلى أنه "لو أعطيت القدس لنا فلن نأخذها لأنها ستثير مشاكل لا حصر لها". وهو أيضاً ما ورد على لسان هرتزل بعد أن زار المدينة وخرج من أبوابها قائلاً: "لا شيء في هذه المدينة لنا". ولا شك أن جوهر الفكرة الصهيونية كان إقامة دولة يهودية في فلسطين وهذا هو الأكثر أهمية أما بالنسبة للقدس, ومع أهميتها, فهي جزء من تفاصيل المشروع الصهيوني الكبير. فقد أعلن الصهاينة قيام كيانهم الغاصب ولم تكن القدس تحت سيادتهم، ومع ذلك يجب التنبيه هنا إلى أن هذا لا يعني على الإطلاق أن أطماع الحركة الصهيونية في القدس لم تكن موجودة، على العكس، هذه الأطماع كانت دائماً حاضرة في الفكر الصهيوني لكنها لم تكن مُلحةً في سُلم الأولويات التي تغيّرت وتبدلت وفقاً للظروف والمعطيات على الأرض.
بالعودة إلى برنامج العمل المذكور آنفا، فمنذ احتلال القدس عام 1967، وضعت حكومات العدو المتلاحقة، سواء العمل بمفرده حتى 1977 أو الليكود لاحقاً ثم حكومات "الوحدة الوطنية" مخططات كثيرة للمدينة لتنفيذ هدف أساسي وهو تهويد المدينة، والقضاء على الوجود العربي فيها. وقد عملت هذه السياسة وفق مبدأين اثنين الأول نص على الاستحواذ على أكبر قدر من الأرض مع أقل عدد من السكان، ما يعني التشريد والطرد والتطهير العرقي (أرض أكثر عرب أقل) والثاني، الحرص المنهجي على خلق تواصل مكثف بين التجمعات الاستيطانية، مع قطع أواصر الاتصال بين الأحياء العربية التي بقيت صامدة، ما يعني تحويلها إلى جزر معزولة، ما سيؤدي حتماً إلى مشاكل السكن ومنع الترخيص وغياب إمكان التوسع الأفقي، وصولًا إلى فرض الترحيل الذاتي على الفلسطينيين.
[يتناول التعديل 116 على قانون التخطيط والبناء الاحتلالي، الذي تمت الموافقة عليه في أبريل 2017، عقوبات أكثر صرامة على ما سمي جرائم "التخطيط والبناء"، وتوسيع دائرة المسؤولية عن "الجريمة"، ومن المعروف في الأوساط القانونية أن هذه الإجراءات تستهدف الفلسطينيين أساساً كونهم الأقل حظاً اقتصادياً، والأكثر عجزاً في الوصول إلى المنافذ القانونية وليسوا ممثلين فيها على أي حال، ما يعيق قدرتهم على استصدار التصاريح المعقدة والمكلفة للغاية، ويحد من قدرتهم بالتالي على الصمود في أماكنهم الطبيعية، فالفلسطيني المقدسي الذي يرغب في بناء منزل له وأفراد أسرته بناءً عليه بشكل قانوني، هو اليوم كما كان في الماضي يحتاج إلى رحلة طويلة ومكلفة وشاقة، والنتائج غير معروفة. هذا يرجع إلى العديد من المشاكل في الخطط التي تشكل أساس منح التراخيص، وبسبب الحواجز غير المسموح بها للحصول على تصريح بناء حتى في الحالات التي توجد فيها خطة تسمح بذلك على ما يبدو].
بعد إعلانها ضم المدينة قامت سلطة الاحتلال بتهجير الآلاف من سكانها الأصليين، وقامت بأولى عمليات الهدم والتطهير العرقي في قلب المدينة، عندما هدمت حارة الشرف وحي المغاربة، بعد ساعات قليلة من الاحتلال، ثم عمدت إلى بناء المستوطنات في خطوة كانت بدايات خطواتها التوسعية وكانت تقضم من أراضي القسم الشرقي أو العربي من المدينة لتضمه إلى الجزء الغربي، وقد اعتمدت لذلك سياسة مصادرة الأملاك وإجراءات الضم القسري للأراضي، واعتماد سياسة التمييز الصارخ ضد المقدسيين، الذين فرضت عليهم قيوداً لم تفرضها على "الإسرائيليين"، وكانت هذه الإجراءات واضحة لجهة حرمان الفلسطينيين من المحافظة على وجودهم في المدينة، ومن تلك الإجراءات التأخر المتعمد في إصدار رخص البناء الخاصة بالفلسطينيين وتحديد رسوم باهظة تصل إلى نحو 25 ألف دولار، وهذا ما يؤدي بالعائلات العربية إلى القيام ببناء منازل من دون رخص، وتستغل السلطات المحتلة هذا الأمر لهدم هذه المنازل لاحقاً، وربما تكون الإجراءات متعمدة حتى تبرر عمليات الهدم. يضاف إلى ذلك قيام السلطات الإسرائيلية بعزل المدينة عن محيطها الفلسطيني، والتنكيل بالمقدسيين من خلال الضرائب الباهظة وإقفال مؤسساتهم ومحالهم التجارية.
ما يعني أن عمليات الهدم ليست مجرد إجراء بيروقراطي، ذا طابع بلدي مدني، بل خطة استراتيجية، أو جزء من خطة لتحقيق الهدف النهائي، بغض النظر عن المبررات التي يسوقها الاحتلال تحت ذرائع "الاحتياجات الأمنية" تارة، و"الاحتياجات العسكرية" تارة أخرى، أما النتيجة فهي هدم مئات المنازل وتهجير آلاف الفلسطينيين. وإذا كانت "الاحتياجات الأمنية والعسكرية"، هي الهدف المعلن من قبل الجانب ا"لإسرائيلي"، فإن الهدف المضمر، هو تفريغ شرقي القدس من سكانها العرب الأصليين تمهيداً لتهويدها.
طبعاً لم تكن سياسة هدم البيوت مرتبطة فقط باحتلال 1967، بل منذ غزو فلسطين وتأسيس الكيان الصهيوني عام 1948، حيث اعتبر الهدم كنوع من "العرف" المتبع لذات أغراض التطهير العرقي وتفريغ الأرض من أصحابها، وقد اعترف الصهاينة بذلك علناً في كثير من المناسبات، ويكفي أن نشير إلى اعتراف أحد الضباط "الإسرائيليين" ومفاده أن سياسة رئيس الحكومة دايفيد بن غوريون كانت تقضي بتدمير القرى الفلسطينية، وذلك لعدم منح الفلسطينيين أي أمل بالعودة إلى قراهم، وقد تم تسوية مئات القرى الفلسطينية بالأرض في إطار هذه السياسة، وبذلك فقد تمّ تكريس "الهدم" سياسياً، بعد أن تمّ توفير الإطار القانوني الخاص له. لقد أصبح جزءًا من التاريخ المعروف على نطاق واسع أن الجيش المحتل طبق سياسات بن غوريون بحذافيرها، وما حدث بعد حرب 1967 أن الكيان المحتل وسع من نطاق هذه السياسة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وكان للقدس مكانة خاصة في هذه المخططات وتلك السياسة، حيث رسم الاحتلال الإطار السياسي والقانوني لعمليات الهدم، التي يقوم بها، لتنطلق نحو تحقيق هدفه بإخلاء القدس من أهلها وفقاً لأسلوب العقاب الجماعي، وهو أسلوب أوجد له هو الآخر إطاراً قانونياً خاصاً، رغم أن الصهيوني ورثه أصلاً من المحتل البريطاني، ولم يكن جديداً.
[جاء في المادة 119 من قانون الطوارئ لسنة 1945 التي تنص على أنه "يجوز لأي قائد عسكري أن يصدر أمراً بأن تصادر لحكومة فلسطين أية دار أو بناية أو أرض إذا كان لديه ما يحمله على الاشتباه بأن عياراً نارياً أطلق منها بصورة غير قانونية أو أن قنبلة أو قذيفة أو مادة متفجرة أخرى أو مادة محرقة ألقيت منها بصورة غير قانونية، أو أية دار أو بناية أو أرض أو منطقة، أو مدينة، أو قرية، أو محلة، أو شارع، إذا اقتنع بأن سكان تلك المنطقة أو المدينة أو القرية أو المحلة أو ذلك الشارع أو بعضاً منهم، قد ارتكبوا جرماً أو ارتكاب جرم ينطوي على العنف أو التخويف أو ارتكبوا أو حاولوا ارتكاب أي جرم من الجرائم التي تستوجب المحاكمة أمام محكمة عسكرية أو أعانوا أو ساعدوا على ارتكابه أو كانوا شركاء في ارتكابه بعد وقوعه، وإذا صودرت الدار أو البناية أو الأرض على الوجه المذكور أعلاه، يجوز لأي قائد عسكري أن يهدم الدار أو البناية أو يتلف أي شيء مزروع أو نام في الأرض"].
ما هي عوائق القانون الصهيوني أمام البناء الفلسطيني؟
أشار كل من المحاميين شارون كارني كوهين وإفرات كوهين بار اللذين أعدا تقريراً خاصاً حول هذا الموضوع أن التعديل (التعديل 116 على قانون التخطيط والبناء الفلسطيني وأحياء القدس الشرقية من قانون التخطيط والبناء، 1965) بالأساس استهدف المواطنين الفلسطينيين في القدس، وهدف إلى قمع عمليات البناء "المخالف" وتشديد العقوبات، وهذا الذراع القانوني الجديد يتكامل أيضاً مع تعمد سلطة الاحتلال التي تتشدق ليل نهار بـ"وحدة القدس" وسيادتها عليها، استبعاد شرقي القدس من الميزانية الخاصة للمجتمعات العربية في الكيان الصهيوني، داخل الخط الأخضر، والذي جاء في القرار الحكومي رقم 2365 المعنون "النشاط الحكومي من أجل التنمية الاقتصادية في قطاع الأقليات في عام 2015". رغم أن القدس خصصت في قرار حكومي آخر رقم 3790 بعنوان "الحد من الفجوات الاجتماعية والتنمية الاقتصادية في القدس الشرقية"، لكن هذا القرار لم يخصص ميزانيات لتحسين تخطيط الأحياء بشكل عام والتخطيط السكني بشكل خاص.
تم اعتماد القرار 2365 في 14 ديسمبر 2001، من قبل الحكومة الإسرائيلية والمعنون ب: "الأنشطة الحكومية من أجل التنمية الاقتصادية في قطاع الأقليات" في عام 2015، وقد تناول هذا القرار العديد من جوانب الحياة الروتينية في المناطق العربية في إسرائيل، بما في ذلك الإسكان. وكجزء من قرار الحكومة، تقرر إنشاء فريق من الموظفين يقوم بصياغة خطة مدتها 120 يوماً للتعامل مع قضايا الإسكان في مناطق "الأقليات"، وقام الفريق الممثل بـ10 أعضاء من ممثلي الحكومة والوزارات الحكومية بالإضافة إلى رئيس إدارة التخطيط. من بين أمور أخرى، بُحث موضوع التخطيط وزيادة الأراضي المتاحة للتنمية والتسويق وتطوير البنية التحتية، والمساعدة الفردية وتأثير الضرائب، ونظرًا لتعريف السكان المستهدفين بقرار الحكومة "كتجمعات للأقليات"، لم يتطرق طاقم الموظفين لمدة إلى المدن المختلطة، وبالتالي، لم يتم فحص حالة التخطيط والبناء والإسكان في الأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية ولم يتم التوصل إلى استنتاجات بشأن ذلك على أي حال، ولم يتم اقتراح حلول مخصصة أو مصممة لهذه الأحياء. بعد بضع سنوات، صدر قرار الحكومة رقم 3790 الذي تناول شرقي القدس، لكن لم تخصص ميزانيات التخطيط تحت عنوان "تخطيط الأراضي وتسجيلها"، ووجد هذا القرار خلفيته في التعديل 116، وتضمن أمور أخرى، مثل: تشديد العقوبات على مخالفي البناء، من غرامات وسجن وتوسيع دائرة "التجريم" وصولاً إلى مالك الأرض والمقاول.
طبعاً يعتبر هذا القانون وغيره ذا تأثير واسع يمس مباشرة بقدرة الفلسطينيين على البقاء في أحيائهم والصمود فيها، حيث من المعروف لأسباب مرتبطة بالاحتلال وسياساته أن ظاهرة البناء بدون تصاريح في الأحياء الفلسطينية في شرقي القدس واسعة للغاية، ويقدرها البعض بنصف عدد المنازل الموجودة، وهذا لا يعود إلا لتصعيب الاحتلال إمكانية الحصول على تصاريح بناء، حيث لا يوافق الاحتلال إلا على 2% من مجمل طلبات التصريح التي تقدم من قبل فلسطينيين.
وبسبب الحالة الاقتصادية للمقدسيين وعجزهم عن الالتزام بمعايير التخطيط التي يفرضها الاحتلال، فإنهم يلجئون إلى عمليات البناء الذاتي لإيجاد سقف يأويهم مع عائلاتهم، وهم مطالبون بالتصرف في ساحة صعبة ومعقدة. وبسبب خضوع البناء الفلسطيني للمبدأين المذكورين أعلاه (الوصل الاستيطاني والفصل بين الأحياء العربية) واستيلاء الاحتلال على الأراضي البلدية والمشاع وحتى مصادرة الأراضي الخاصة، فإن التخطيط الناتج ضئيل ومقيّد، ما ينعكس في كون مخطط الأحياء الفلسطينية في شرقي القدس (بما في ذلك المناطق العامة المفتوحة، وبما في ذلك التغييرات في الخطط الموضوعة على مر السنين)، لكنه لا يشمل الخطط قيد الإعداد حالياً (تبلغ مساحتها 000 20 فدان، أي أقل من ثلث مساحة القدس خارج الخط الأخضر، وحوالي 15٪ من مساحة القدس بأكملها.
يضاف إلى ذلك محدودية حقوق البناء التي تحدد طابقين كحد أقصى لعدد الطوابق، وهناك قيود أخرى تنص على أن الحد الأقصى لعدد المساكن لكل فدان سيكون 3 فقط. أيضاً كون منطقة البناء تعتمد على مجموعة من البنية التحتية، حيث بناء المنازل السكنية والمؤسسات العامة والمباني الصناعية يتطلب البنية التحتية للكهرباء والصرف الصحي والبنية التحتية للمياه، فضلاً عن وجود الطرق، لكن الوصول إلى منطقة البناء في ظل التخطيط المعادي الذي تفرضه سلطة الاحتلال يمنع التطوير الحضري. ويعتبر العبء الاقتصادي سبباً رئيسياً في عجز المقدسيين عن الوصول إلى تصاريح بناء، هذا فيما لو تذللت جميع العوائق الأخرى التي تحمل طابعاً سياسياً في الجوهر؛ عوائق الحصول على تصريح بناء ناشئ عن القيود المالية (الرسوم والضرائب). والعبء الاقتصادي الثقيل الذي يمثل عائقاً كبيراً أمام الحصول على تصريح بناء في مجتمع يقع جزء كبير منه تحت خط الفقر، حيث تصل التكاليف في أحيان إلى عشرات الآلاف من الشواقل، بل ربما أكثر من تكاليف البناء نفسه، حيث يتعين على طالبي التصريح دفع رسوم مختلفة، بما في ذلك: رسوم التطوير، والضريبة، ووفقاً للحسابات تم إجراؤها قبل عقد من الزمن، من قبل اللجنة "الإسرائيلية" ضد ضريبة الممتلكات؛ فمنذ 40 عامًا على الشخص الذي يريد بناء منزل مساحته 200 متر مربع (ويمكن أن يحتوي على عدة وحدات سكنية)، دفع 110.000 شيكل، واليوم، هناك 41 نوعاً مختلفاً من الرسوم، لا تشمل رسوم التوصيل لنظام الصرف الصحي ورسوم المحامي والمعماري؛ والسبب أن الرسوم يتم تحديدها وفقاً لمعيار البناء في القطاع اليهودي وهي رسوم بالمقارنة بين مستويي الدخل تتجاوز قدرة المقدسيين بكثير.
وأحد أهم العوائق التي تحول دون الحصول على تصاريح بناء في شرقي القدس، خاصة منذ أوائل الألفية الثانية، تتمثل في مشكلة أن الحق في الأرض وعدم وجود تسجيل للأراضي، وفقاً لسياسة الحكومة "الإسرائيلية"، التي لم يتم نشرها رسمياً، حيث تم تجميد عملية التسجيل التي بدأت خلال الانتداب البريطاني واستمرت خلال الحكم الأردني عام 1967.
خلقت هذه السياسة الواقع الحالي، حيث يتم تقسيم المناطق غير المعينة في شرقي القدس إلى ثلاثة أنواع: الأرض المنظمة التي تم الانتهاء منها قبل عام 1967 ؛ الأرض التي بدأ العمل على تسجيلها قبل عام 1967، ولكن لم يكتمل بعد؛ والأرض التي يتم فيها أي تنظيم.
مؤخراً، وبهدف إيجاد أداة قانونية للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، بدأت وزارة العدل الصهيونية وتحت قيادة وزيرة يمينية مقربة من جمعيات الاستيطان، بالعمل على تسجيل الأراضي في القدس بموجب قرار الحكومة رقم 3790 (أعلاه). ونص القرار على إنشاء لجنة مهنية حول الموضوع، ويحدد الأهداف التالية: "50٪ على الأقل من الأراضي في شرقي القدس سيتم الترتيب في موعد لا يتجاوز الربع الرابع من عام 2021، و 100 ٪ من تنظيم تسجيل الأراضي في شرقي القدس بحلول نهاية العام، وكون الفلسطينيين مدركين لحقيقة الهدف من هذا المشروع الصهيوني فإن معظمهم لا يتعاون مع خطط الحكومة الاحتلالية بهذا الصدد، إذ تستغل الحكومة غياب صاحب الأرض الأصلي لأسباب مختلفة، لتضع يدها على الأرض .
بدون الدخول في تفاصيل هذا القانون، فقد تبيّن أن الوضع أكثر سوءًا في القدس الآن، حيث رفعت سلطات الاحتلال من وتيرة أوامر الهدم بشكل كبير، وفرضت غرامات طائلة على المقدسيين تحت رعاية محكمة العدل العليا كأداة تغطية قانونية لجرائم الاحتلال، حيث أنه في الماضي مثلاً كان يمكن لصاحب البيت عبر محامٍ، طلب التأجيل من المحكمة لمدة سنة على الأقل لموعد الهدم والغرامات، أما اليوم فلا يتاح أكثر من ستة أشهر –إذا قبلت المحكمة- مع دفع غرامة مضاعفة.
الهدم بالأرقام:
بالأرقام، وحسب إحصاءات منظمة بتسيلم (مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة)، هدم الاحتلال في الفترة بين 1987 وحتى 1998 نحو 207 منازل في شرقي القدس، وذلك في ظل غياب المعطيات حول العمليات التي نفذت في سنوات 1987، و1989، 1990، 1991. وإذ أشار المركز إلى أن بلدية الاحتلال في القدس هدمت في الفترة ما بين 1992 و 2003 ما مجموعه 240 منزلاً لفلسطينيين، فإنه قدّم معطيات مفصّلة حول عمليات الهدم التي جرت بين سنتَي 1999 و 2003، والتي بلغت 157 منزلاً لفلسطينيين، في حين أن المنشآت التي تم هدمها بين بداية 2016 وحزيران/ يونيو 2019، بلغت 221 منشأة بينها 7 مبان سكنية تم هدمها على يد غير أصحابها.
وقد نشر المركز أيضاً معطياته الخاصة حول عمليات الهدم التي قامت بها إسرائيل خلال الفترة ما بين 2004 وحزيران/ يونيو 2019، مشيراً إلى أن عدد المباني التي تمّ هدمها خلال هذه الفترة بلغت 862 منزلاً، موضحاً أن 2978 شخصاً شردوا، وأن 1603 قاصرين أصبحوا بلا منازل. وفي تقرير أصدره سنة 2017 تحدث المركز عن قيام إسرائيل بعمليات الهدم تحت غطاء "الاحتياجات العسكرية" وتشريد آلاف السكان العرب.
أرقام بتسيلم، بالمقارنة، تقل كثيراً عن أرقام جهات فلسطينية فاعلة في مجال توثيق عمليات الهدم، مثل "مركز أبحاث الأراضي" في القدس، والذي أوضح في تقارير عدة أصدرها أن الاحتلال يواصل منذ 1967 هذه السياسة التدميرية التي أدت إلى تدمير 5 آلاف منزل وتسوية حارات كاملة بالأرض مثل "المغاربة" و"الشرف"، وبعد أن ذكّر بقيام "إسرائيل" بتدمير وهدم 39 قرية تابعة للقدس وتهجير نحو 198 ألفاً من سكانها خلال عام النكبة، أشار إلى أن الاحتلال دمر ما لا يقل عن 1706 منزلاً بين سنتَي 2000 و 2017، فقط، وتهجير 9422 فلسطينياً، منهم 5443 طفلاً.
حدود الهدم:
كما أكد الخبير الجغرافي المقدسي خليل تفكجي، لايمكن عملياً تحديد عدد البيوت المهددة بالهدم في القدس، والتي تصل في أقل احتمالاتها إلى ثلث العدد الفعلي للمنازل، ما يصل حسب تقديرات سابقة إلى حوالي 50 ألف وحدة سكنية، ويعود ذلك بالأساس كما بينا أعلاه إلى الطبيعة السياسية الغامضة التي تحكم السلوك الصهيوني في القدس المحتلة ارتباطاً بتهويد المدينة والرغبة في طرد سكانها، ما يجعل العلامة الحمراء التي توضع على الخريطة لتحديد البيوت التي ستهدم، متمددة كبقعة من الدم تغطي كل خريطة المدينة.
خاتمة: هل يستطيع القانون الدولي أن يحمي القدس وأهلها؟
رغم توسع القانون الدولي في معالجة قضايا هدم المنازل المدنية والتنكيل بالسكان الأصليين واضطهادهم وطردهم إلا أن تغول السياسات الصهيوني ووقوف المجتمع الدولي عاجزاً يضع الكثير من الشكوك على هذه القوانين ونجاعتها في ظل عدم اعتراف الكيان الصهيوني بها.
وعموماً يعتبر هدم المنازل عملاً منافياً لأحكام القانون الدولي، وخصوصاً اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، الخاصة بحماية المدنيين في وقت الحرب، حيث تندرج سياسة هدم المنازل ضمن المخالفات الجسيمة وأحد أشكال الإجراءات التعسفية التي تؤدي إلى تدمير ومصادرة الملكية دون وجه حق ودون وجود أي ضرورة عسكرية تستدعي ذلك. وكذلك فإن سياسة العدو في القدس تخالف المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر على دولة الاحتلال تدمير أية أموال ثابتة أو منقولة خاصة بالأفراد أو الجماعات إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي ذلك لتحقيق أهداف عسكرية، الأمر غير الموجود في مدينة القدس، كون المنشآت الموجودة بها هي منشآت مدنية وسكانها مدنيين. أيضاً تحظر المادة (33) كل من العقوبات الجماعية للسكان المدنيين المحميين بموجب الاتفاقية، أو معاقبتهم عن أفعال لم يرتكبوها، أو التعامل بطريقة الثأر منهم ومن ممتلكاتهم.
ومن وجهة نظر القانون الجنائي الدولي، يعتبر هدم المنازل عملاً غير مشروع ومخالفاً للقانون الدولي. فقد نصت المادة 8/2 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أنّ تدمير الممتلكات على نطاق واسع دون توافر ضرورة عسكرية تبرر ذلك، تعد بمثابة جريمة حرب.
أيضاً حدد النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أركان جريمة اضطهاد أية جماعة محددة أو مجموع محدد من السكان لأسباب سياسية أو عرقية أو قومية أو إثنية أو ثقافية أو دينية، و يتبيّن أنّ سياسة هدم المنازل التي تتبعها سلطة الاحتلال بشكل عقابي ومنهجي بحق السكان الفلسطينيين في القدس تتضمن جميع أركان جريمة الاضطهاد بصفتها جريمة ضد الإنسانية.

