(تنشر بوابة الهدف مواد الملف الخاص الذي تناولته مجلة الهدف في عددها الأخير التاسع رقميًا (1483) بالتسلسل التاريخي، بعنوان: الذكرى 52 لانطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ).
"تساءلتُ، مثلاً، لماذا نعجز عن العمل لتحقيق أهدافنا الاجتماعية في حين تبدو الظروف الموضوعية مواتية لتحقيق هذه الأهداف؟ لماذا نحنُ فَرديون وسَلبيون في تصرّفاتنا الاجتماعية إلى حد يمنعنا حتى من التعاون، في حين أن التعاون من مصلحتنا جميعاً؟ لماذا نقبل في أعمالنا ما نرفضه في أقوالنا وتفكيرنا الخاص؟ ما الأسباب الاجتماعية (الموضوعية) وما الدوافع النفسية (الذاتية) التي تصنع هذه الهوة بين ما نرمي إليه وما نفعلهُ بالممارسة، فنبقى غائصين في تناقضاتنا عاجزين عن تغيير وضعنا؟". هذه الكلمات والأفكار المُتسائلة للمفكر هشام شرابي وردت في كتابه "مقدمات لدراسة المُجتمع العربي" الصادر قبلَ حوالي ثلاثة عُقود وَأكثَر، وهو من الكُتب التي أحاول دائماً العودة إليها في مُراجعاتي بالإضافة إلى مجموعة من العناوين في مخزون الثقافة الانساني العالمي والعربي التقدمي خاصة، من ابن رشد وابن خَلدون وليست انتهاءً بهشام شرابي وعادل سمارة وفريدة النقّاش وَ غسان كنفاني ويوليوس فوتشيك وغرامشي ماركس إنجلز لنين وفرانز فانون وآخرون من أصحاب الرُؤية النقدية ممّن يمتلكون مَلَكَة النبش في المحظور، ويَسبحون عكس التيار، إنَّهُم أصحاب "الرصاص الحي" بأقلامهم الجريئة، في السياسة والثورة في المُجتمع والتاريخ، في الثقافة وبؤسها، العودة إلى أمثال هؤلاء هي من باب التمكين الذاتي في توسيع الأُفق رغم انحسار حَيّز الفكرة الثورية في مناخ لا ثورة حقيقة فيه في الفضاء الموضوعي وانعكاسه على فضاءهِ الذاتي، وفي سياق قد يكون مُتّصل يقول الثائِر الشَهيد الكاتب الفذّ غسان كنفاني: "إنّ الفكرة النبيلة لا تحتاج غالباً إلى الفهم، بل إلى الاحساس"، وأنا أُسقط هذه المقولة على واقع ما نتحدث عَنهُ هُنا، فنحنُ بحاجة إلى أَن نَحس ما نؤمن به من أفكار رائعة وجميلة، الأفكار النبيلة تحتاج إلى الإحساس، وهذه باتت تكون مفقودة في قاموس العمل السياسي الاجتماعي الثقافي، والمصيبة أنّنا قد نفقدها من مُعجم الحُبّ والمحبّة، لا يكفي أّن نَقول بالثورة، بل يجب أن نُمارسها، والثورة فيها انقلاب على الواقع السقيم في جُهد للاتيان بما هو أفضل، الثورة فيها إيمان بالفكرة وليس القولُ بها فقط، هي قَلب الدُنيا رَأسًا على عَقب من أجل رَفع الظُلم وسيادَة العَدل والعَدالَة، عَلينا الإحساس بالمعنى وليس التَغنّي بِه، وأن تقول ما لا يُقال، وأن تقف في وجه العاصفة، لا أن تختبئ أيُّها "الثوري" وأيُّها "المُثَقَّف" وَأيُّها "الأكاديمي المُتَفذّلِك" في عباءةِ العائلة والطائفة، لا أن تهرُبَ إلى كأس النسيان اللذيذ بعيدًا عن مرمى الفعل الحقيقي وَتَتَّكِئ على ماضٍ وَبعضُ شِعارات رَنانَة، خاصّة أنَّنا في عَصر امتلاك "الصحيفة" الشَخصِيّة لِكُلِّ فَردٍ مِنا، الفيس بوك هو المَنَصَّة لإطلاق الصَواريخ لِلبَعض وفي كُل الاتجاهات، في الحَر والبَرد ودون عَناء. ابن خلدون ثارَ على واقع التخلُّف وصاغ في كتاباته ما أعتُمدَ كمدخل لعلم الاجتماع الحديث، وشخّصَ قبل قُرونٍ خَلَت واقع حالنا كمجتمع عربي، وأَنقُل لكم مَقولة من أقواله خاصةً للأحياء الأموات منّا: "اتباع التقاليد لا يعني أنّ الأموات أحياء، بل أنَّ الأحياءَ أموات"... يا الله كم يُشبه هذا القول واقع الحال اليوم في مجتمعنا العربي، الأحياء أموات بركضهم وراءَ عادات لا علاقة لها بتُراث عُروبتنا الأصيل، ولا علاقة لها بالدين، فتَرى التخلُّف يلبَسُ لحية وعَمامة، أو تلبسهُ بدلة رسمية وربطة عُنق، نرى الأشياء على حقيقتها وبخجل، أو بالأحرى، نخاف أن نُسميها بأسمائها الحقيقية. نقفُ عاجزين عن تحقيق أهدافنا الاجتماعية رغم أنّ الظرف الموضوعي قد يسمح بذلك، فَلماذا هذا العجز؟ وَالسُؤال هُنا يَأخُذ أهَمِية مُضاعَفَة كَونَنا نُعاني من عُنف داخلي في ظل استعمار عَنيف وباطِش وقاتِل. ألسنا غائرين في الهَم الشخصي بعيداً عن العام؟! أَلم نتحوّل إلى مجتمع مستهلك غير مُنتج؟! فكيفَ لهذا المجتمع أن ينهض من سُباتهِ الطويل وأحياءهِ أموات؟! كيف لنا أن نتحرّر من مُستنقع التخلُّف ونحنُ ما زلنا نعتقد أنّ اللّحية قد تصنَعُ "شيخاً" وزجاجة الويسكي قد تصنعُ "مناضلاً"؟! كيف لَهُ، هذا المجتمع المسكين، أن يكونَ سَويًّا والقتلُ فيهِ مثلَ "شربة المي"؟! قَتل النِساء، اغتيالات في إطار الجريمة المُنَظّمة، عُنف مُستشري، كيفَ لأبنائنا وأطفالِنا أن يناموا في ليلِ راحتهم وصوت المفرقعات والرصاص الحَي في "احتفالات التَخَرُّج" وشهادة "الحَج والمُعتمر" والحصول على "رخصة قيادة" سيارة أو رئاسة بلدية أو طهور أو زفاف أو وألف أو وأو.. لا يهدأ حتى مع آذان الفجر؟! أكتبُ وأشعرُ أنني في حالة من الانفجار أو الانهيار، وكلتا الحالتين انعكاس لحالة من البؤس نُشاهد تفاصيلها يومياً في زواريب هذا المجتمع، في الحياة اليومية وهمومها في السياسة وعُهرها في الشارع وضجيجهِ، في حالة الارتباك لدى جمهور الشباب من واقع لا فراغ فيه إلا من الفراغ، وباتَ الحُصول على قطعة سِلاح أهون من عبور شِراء الخُبز أو عبور الشارع بأمان، في حالة الاغتراب والاحتراب، وما أدراكَ ما الاغتراب؟ فَوضى السِلاح وَمخاض المَفاهيم: ليسَ هُناكَ من شَكّ بِأنَّ الاستعمار، أي استعمار وفي أي مَكان، يُحاوِل بِكُل الأساليب أن يُفَتِّت المُجتَمع المُستَعمَر وذلك بِهَدَف السَيطرَة الكُلِيّة عليهِ، وفي حالَة الاستعمار الصَهيوني في فَلسطين "خُلِقَت" حالَة مُتشابِكَة في التَعريفات خاصّة بعدَ أن حَصَلَ كيان هذا الاستعمار على اعتراف دُوَلي بشَرعِيّتهِ "كَتعبير عن حَق تَقرير المَصير" على حِساب حَق تَقرير المصير لِلشَعب الفلسطيني، وهو الشَعب الواقِع تحتَ وَطأة الاستعمار في وَطنِهِ عِوضًا عَن تَهجير وَطرد ثُلُثي هذا الشِعب في إطار سياسَة التَطهير العِرقي، والأنكى من ذلك أن هذا الكِيان المُسَمّى بِ "إسرائيل" نالَ اعتراف جُزء من الشَعب الواقِع تحتَ وَطأة استعمارِهِ على ذات القاعدَة الوارِدَة أعلاه: "تعبير عن حَق تقرير المَصير لليهود في فلسطين"، وفي ظل هذه الحالَة أصبحَ الفلسطينيّون في وَطنهم "مواطنون" في دَولَة الاستعمار، هذه الإشكالِيّة جَعَلت الكِيان يقوم بكُل ما أوتى من أساليب لِفَرض سَيطَرتِه على هذه المجموعَة القَومية التي بَقيَت مُتَجَذّرَة في وَطنها، تَمييز عُنصري وحكم عَسكري مُصادرة وتضييق وخَنق للقرى والمُدن الفلسطينية اعتقالات وحَدّ من الحُرّيات؛ حُرّية الحَركَة والتَحَرُّك حُرّية العَمل السياسي والتعبير وما إلى ذلك من أساليب شارَكت فيها كُل مؤسَّسات الكيان الأمنية والاستخبارية وحتى التعليمية، وَبالمُقابِل مُقاوَمة وَتَصدّي وَتَشَبُّث، وَلَم تَتَوقِف الحَركة الطبيعية لهذه المجموعَة، رغمَ كل القَمع، لِتكون جزءًا من حراك شعبها في سيرورَة التَحَرُّر والانعتاق من الاستعمار، وفي سياق الاستعمار القائِم حتمًا على العُنف أن يولَد "العُنف الثَوري المَشروع"، كما وَصَفَهُ (فرانز فانون في مُعَذَّبو الأرض) في سِياق الرَد على العُنف الاستعماري، والثَورَة الفلسطينية التي انطَلقَت في هذهِ الصَيرورَة كانَ لَها تأثير على الحركة الوطنية في الداخل الفلسطيني المُحتَل عام 1948، أي بِمعنى آخَر على الفلسطينيّين "مواطنوا دولَة إسرائيل"، وَيُمكن هُنا أن نُضيف بأنَّ الوَعي في الانتماء والهُويّة قد تَنامى بينَ صُفوف الشَباب الفلسطيني بغض النَظر عن الانتماءات الحزبية، هو الانتماء والوَعي الجَمعي، وهذا مُؤَشِّر على خُطورَ الوَعي المُتَشَكِّل على خَلفية قَومية "انفصالِية" كما يَحلو للبَعض أن يُسَمّيها وهي بالأساس خلفية طبيعية لِانتماء طَبيعي لِشَعب أكثَر من ثُلُثَيه يَعيش في اللجوء والشَتات. هذا الوَعي الذي كَسَر في العام 2000، أي في انتفاضَة القُدس والأقصى، كل قَواعِد "الأسرَلَة" وَتشويه الهُوُيّة والإنتماء الذي راهَنت عليه المؤسَّسَة الصُهيونية مِمَّا دَعا بَعض عُلماء الاجتماع الصَهاينَة لِلقَول: "عَلينا تَغيير كُل أبحاثَنا عن أسرلَة هذا الجيل والعَمل من جَديد"، ومن هُناك بَدَأت عَمِلِيَّة "التغيير" في السياسَة الصُهيونية في التعامُل مع المُجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، وكانت لِتَوصيات لجنة "أور" التي بَحَثَت فيما سُميَ "أحداث أكتوبر"، أثَر في هذه السياسَة الجَديدَة ونتائِجها نَحصُدها اليَوم بأشكال مُختَلفَة ولكنها اشَدُّ فَتكًا وَألمًا مِمَّا حَصلَ في أكتوبَر. فَوضى مُستَشرِيَة باتَ في ظِلّها الأمن الشَخصي هو المطلوب المَفقود في مُجتمَعنا؛ فما هي معادلة الصراع هنا؟ وما هو دور الحركة الوطنية؟ كيف تتصرف الأحزاب السياسية العربية في علاقتها التبادلية مع المؤسسة الصهيونية؟ فأينَ المَلجَأ ؟ وأينَ المَفَر ؟ ومن هوَ الحامي؟؟ أسئلة عديدة سنحاول الإجابة عليها في العدد القادم.

