Menu

ملامح حرب بيولوجية

طلال عوكل

خاص بوابة الهدف

(نشر هذا المقال في العدد الجديد من مجلة الهدف ويحمل الرقم (1486) في التسلسل العام، وهو العدد الثاني عشر في النسخة الرقمية).

أعتذر سلفاً إن كان هناك من سيضيف هذا المقال على أنه ينتمي إلى الكتابات الأيدلويوجية، أو أنه يعكس حالة من التحامل السياسي، ذلك أن موضوع الكورونا قد تحول إلى ظاهرة عالمية، أحدثت الكثير من الإرباكات النفسية والطبية والاقتصادية.

تؤكد الكثير من المصادر أن هذا الفيروس معروف منذ عقود لدى الكثير من الأوساط الطبية وغير الطبية، حتى لو كان هناك من سيدعي بأنه من النوع المتحول والمتجدد، بما لا يسمح للجهات المختصة اكتشاف اللقاح المعالج إلا بعد أشهر، فإن تلك إلا ذريعة لترك الظاهرة تأخذ مداها الكامل.  

من أطلق هذا الفيروس الذي يخلف أبعاداً اجتماعيةً واقتصاديةً ونفسيةً شاملة لعشرات المجتمعات، وهو في طريقه للانتقال إلى ما تبقى من البشر، يحرص على أن يبعد عنه شبهة السياسة والدوافع الإجرامي، فقط يأتي على ذكر هذه الأبعاد بعض النشطاء والأطباء ويشعلون بها مواقع التواصل الاجتماعي، أما بالنسبة للدول فما ندر أن تعطي دولة تفسيرات ذات أبعاد سياسية ومؤامراتية.

المسألة من وجهة نظري تتصل بحروب جرثومية تقف وراءها مؤسسات أمنية وسياسية واحتكارات من بينها شركات إنتاج الأدوية والعقارات الطبية، ربما لا يقتنع الكثيرون في اتهام الولايات المتحدة بالوقوف خلف هذه الحرب، حتى حين تنظر إلى خصوصية الدولتين اللتين بدأ انتشار الفيروس فيهما، وهما الصين و إيران اللتان تقفان على رأس الدول المستهدفة من قبل الولايات المتحدة الأميركية؛ غير أنني أجد في ذلك تعزيزاً للشكوك التي تشير إلى أن نشر هذا الفيروس قد تم على نحو مقصود ومخطط، حتى لو أن انتشار المرض سيصل إلى العشرات في الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن هذا لا يبعد الشك عن الفاعل الحقيقي.

لقد عرف تاريخ الحروب والشعوب والبحث عن المصالح والمشاريع الكثير من الظواهر والحالات التي تقوم بها دولة أو منظمة بقتل بعض أفرادها أو تدمير ممتلكاتهم؛ إما لإبعاد الشبهات أو لتسريع تنفيذ المخططات. الحركة الصهيونية فعلت ذلك مراراً بحق اليهود، خاصة في بعض الدول العربية لإرغامهم على الهجرة، وأغرقت سفينةً تقل يهوداً، والحالات المشابهة كثيرة في أماكن أخرى.

الخبير الدولي طلال أبو غزالة كان قد كتب أكثر من مقال وأجرى أكثر من مقابلة العام المنصرم، يشير فيها بوضوح إلى أن هذا العام 2020 سيشهد انهياراً للاقتصاد العالمي وأن حرباً عالمية من المرجح أن تنشب بين الولايات المتحدة والصين. من يراقب الآثار الاقتصادية الهائلة المترتبة على انتشار الكورونا في عديد الدول، عليه أن يقتنع بأن ظهور هذا الفيروس قد أصاب بالشلل الكثير من القطاعات الحيوية، من النقل إلى السياحة إلى الأعمال والصناعة وأربك حرية الحركة الداخلية والخارجية في كثير من الدول، وما تزال تأثيراته تتفاقم إلى حدود مفتوحة على إمكانية إفلاس الكثير من الشركات والاستثمارات واقتصادات الدول.

في ضوء سباق التسلح وامتلاك العديد من الدول للأسلحة الذرية وأسلحة الدمار الشامل، بات من الصعب أن يتوقع المرء حرباً واسعة وشاملة على غرار الحروب العالمية الأولى والثانية، ذلك أن الدمار سيطال الجميع ويحصد مئات ملايين البشر، بحيث لن تخرج منه دولة سالمة. الولايات المتحدة التي يخبو نجمها، ويقترب زمن مغادرتها موقع الاحتكارية الوحيدة على رأس النظام الدولي، وهو ما ينعكس في الطبيعة السياسية العدوانية للبيت الأبيض، لن تسلم بسهولة لإخلاء هذا الموقع لصالح نظام دولي جديد متعدد الأقطاب، ويكون للصين الأفضلية، لهذا من المناسب أن نذكر بأن ترامب ليس نبتةً شيطانية فهو منتج أميركي أصلي، يعكس روح المقاومة الغاشمة والمغامرة؛ دفاعاً عن إرث تتحضر الولايات المتحدة للتخلي عنه، رغماً عنها.

الرئيس دونالد ترامب ليس مجنوناً ولا هو سايكو، وهو ممثل أحد فروع الاحتكارات الرأسمالية، ووفق منطقه فإن المصلحة الأنانية للولايات المتحدة تقتضي الإطاحة بكل المنظومات القيمية، بما في ذلك التحالفات السياسية والاقتصادية التي كانت جزءاً أصيلاً من استراتيجيات الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، فقط إسرائيل هي الدولة المحظوظة لأسباب أيديولوجية من ناحية، وأسباب مصلحية تتعلق بحاجته لدعم اللوبي الصهيوني، حتى يضمن لنفسه ولايةً رئاسيةً ثانية، ولأنها أيضاً تتسم بالصفات ذاتها، هي المستثناة من سياسة ترامب. ترامب يعتمد سياسة الحروب بالنيابة والحروب مدفوعة الثمن، الأمر الذي ينعش تجارة الأسلحة بدون أن تتكلف الولايات المتحدة أية أثمان تؤثر على ميزانياتها، وبحيث أدى ذلك إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية الداخلية، لكن كل ذلك من غير المحتمل أن يؤدي إلى حماية البلاد من القدر الذي ينتظرها، حتى لو أدى ذلك إلى تأخير تقدم الصين على الولايات المتحدة؛ مثل هذه الحروب تدار على نحو سري مخطط ومتقن، ولكن علينا أن ننتظر النتائج بعد قليل من الوقت، حين يتم الإعلان عن كشف العلاج المناسب لمواجهة الكورونا، وكم المليارات التي ستدخل لصالح شركات إنتاج الأدوية والعلاجات الطبية.

من الطبيعي أن يرافق هذا الفيروس الذي يتحرك بسرعة ويتجول بين الدول، حملات إعلامية قوية تنطوي على مبالغة شديدة لتصوير مخاطر هذا الفيروس، الذي أصبح هماً شخصياً لكل إنسان على وجه البسيطة.

إذاً الولايات المتحدة هي من تشن هذه الحرب البيولوجية بعد أن أشعلت نيران الكثير من الحروب بدواعي مواجهة الإرهاب، أو حماية الأقليات والطوائف، ذلك أنها رابحة في الحالتين؛ الولايات المتحدة رابحة من خلال الآثار الاقتصادية السلبية للغاية التي تصيب اقتصادات الكثير من الدول، وتربك الحياة العامة فيها، وهي رابحة حين تكون مصدر إنتاج اللقاح اللازم لمواجهة هذا الفيروس. لكأنني أجزم أن الكثير من الدول لديها مثل هذه الشكوك، وربما كان بعضها على علم مسبق مثل إسرائيل، لكن أحداً لا يجرؤ على اعتبارها حرباً، فإن حصل ذلك فسيكون على تلك الدول خصوصاً المستهدفة، أن تقوم بالدفاع عن نفسها، واستخدام ما لديها من أسلحة لمواجهة تلك الحرب.